هل تنهي العقوبات الزجرية والوقائية الاعتداء على المرأة في المجتمع التونسي

تغص المحاكم في تونس بقضايا العنف والتحرش الجنسي والاغتصاب التي تطال المرأة في الفضاء العام أو في البيت وغالبا ما تشعر الضحية أن الحكم دون مستوى الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت بها. من جهة أخرى غالبا ما يعاود مرتكبو هذه الانتهاكات تكرارها وهو ما خلق وعيا لدى الساسة والمجتمع بأن القوانين التونسية المعمول بها لحماية المرأة من العنف المسلط عليها لا تؤمّن حماية للنساء ولا تردع مرتكبي الاعتداء على المرأة.
الأحد 2016/08/07
لا معنى لقوانين حماية المرأة إذا لم تنعكس على الحياة اليومية للتونسيات

تونس – يشير آخر مسح ميداني أعده الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري في تونس، على عيّنة تمثيليّة شملت 3873 امرأة ضمن الشريحة العمرية ما بين 18 و64 عاما إلى أنّ 47.6 بالمئة من النساء في تونس تعرضن لأحد أنواع العنف على الأقل مرّة واحدة طيلة حياتهن. وسجل المسح بالنسبة إلى أنواع العنف الذي تتعرض له النساء، ارتفاع نسبة العنف الجسدي إلى 31.7 بالمئة، يليها العنف النفسي بنسبة 28.9 بالمئة والعنف الجنسي بنسبة 15.7 بالمئة ثم العنف الاقتصادي بنسبة 7.1 بالمئة.

ولا تشكل تونس الاستثناء في ما يتعلق بالاعتداء على حقوق وحريات النساء لكنها يمكن أن تحقق تقدما على مستوى الدول العربية إذا تم تعزيز القوانين الرامية لحمايتها من كل أشكال العنف، وبالتالي تم تفعيل مقترح مشروع القانون الأساسي المتعلق بالقضاء على العنف ضدّ المرأة الذي صادق عليه مجلس الوزراء يوم 13 يوليو 2016 والذي يضم فصولا عديدة تهدف جميعها لتوفير ضمانات قانونية وجزائية تحمي وتحفظ كرامة النساء.

وقالت وزيرة المرأة والطفولة سميرة مرعي بأن مشروع القانون الجديد يهدف بالأساس إلى تغيير العقليات والسلوكيات في ظل تزايد ظاهرة العنف والعنف المسلط على المرأة بالخصوص وذلك تكريسا لثقافة اللاّعنف في المجتمع ككل.

ويقترح مشروع القانون الأساسي المتعلق بالقضاء على العنف ضدّ المرأة، بالعقاب بالسجن مدة عام، لكل من يعمد إلى مضايقة امرأة في مكان عمومي، بكل فعل أو قول أو إشارة من شأنها أن تنال من كرامتها أو تخدش حياءها. كما يقترح العقاب بخطية مالية قيمتها ألفي دينار تونسي، لكل من يتعمد التمييز في الأجر عن عمل متساوي القيمة على أساس الجنس، وتضاعف العقوبة في صورة العودة والمحاولة موجبة للعقاب.

ونصّ المشروع كذلك على إجراء تنقيح لعدد من فصول المجلة الجزائية وتعويضها بفصول جديدة تتماشى مع المشروع المعروض على البرلمان التونسي ومن بينهاالترفيع في العقوبات المنصوص عليها بالمجلة الجزائية كلّما كان لمرتكب العنف سلطة على الضحيّة. وجرّم مشروع القانون العنف الواقع من أحد أصول الضحية أو أحد الزوجين أو أحد المفارقين أو أحد الخطيبين، والمعتدي الذي تكون له سلطة على الضحية أو استغلّ نفوذ وظيفته، وهو ما سيوفّر حماية أفضل للمرأة في كلّ الأوساط التي تتواجد بها.

الإحصائيات التي أعدّها مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة، تفيد بأن 9 على 10 نساء يتعرضن إلى التحرش في وسائل النقل العمومي وأن 8 على 10 نساء يتعرضن إلى العنف في الفضاء العام

وطرح المشروع تجريم أفعال لم تكن مجرّمة في المجلة الجزائية على غرار جريمة زنا المحارم وجريمة مضايقة امرأة في مكان عمومي وجريمة تشغيل الأطفال كعملة منازل وجريمة التمييز في الأجر على أساس الجنس، علاوة على إلغاء الأحكام القانونية التي كانت تمكّن الجاني من الإفلات من التتبعات الجزائية أو المحاكمة أو تنفيذ العقوبة عند الزواج بالضحية أو عند الإسقاط.

ومن الفصول الجديدة التي اقترحها المشروع لتعديل المجلة الجزائية، العقاب بالسجن مدة عامين وبخطية قدرها خمسة آلاف دينار لمرتكب التحرش الجنسي. ويعتبر تحرشا جنسيا كل اعتداء على الغير بأفعال أو إشارات أو أقوال ذات طبيعة جنسية من شأنها أن تنال من كرامته أو تخدش حياءه وذلك بغاية حمله على الاستجابة لرغباته أو رغبات غيره الجنسية أو بممارسة ضغوط عليه من شأنها إضعاف إرادته على التصدّي لتلك الأفعال. كما يعاقب بالسجن مدة ستة أعوام كل من واقع أنثى برضاها سنها دون ستة عشر عاما كاملة.

ويعاقب بالسجن مدة خمس أعوام كل من واقع أنثى برضاها سنها فوق الستة عشر عاما كاملة ودون الثمانية عشر عاما كاملة. وضمن باب الإجراءات والخدمات والمؤسسات، أكد مشروع القانون على أن يكلف وكيل الجمهورية مساعدا له أو أكثر بتلقي الشكاوى المتعلقة بالعنف ضد المرأة ومتابعة الأبحاث فيها إلى جانب تخصيص فضاءات مستقلة داخل المحاكم الابتدائية تضم القضاة المختصين بقضايا العنف ضد المرأة على مستوى النيابة العمومية والتحقيق وقضاء الأسرة مع إحداث وحدة مختصة بالبحث في جرائم العنف ضد المرأة بكل منطقة أمن وطني وحرس وطني في كل المحافظات ويجب أن تضمّ من بين عناصرها نساء.

وتهم الإجراءات الجديدة التي أتى بها المشروع المعروض إحداث مرصد وطني لمناهضة العنف ضد المرأة. ويتولى هذا المرصد، الذي سيكون تحت إشراف الوزارة المكلفة بالمرأة، خصوصا رصد حالات العنف ضد المرأة و متابعة تنفيذ التشريعات والسياسات وتقييم نجاعتها وفاعليتها في القضاء على العنف ضد المرأة إلى جانب القيام بالبحوث العلمية والميدانية اللازمة حول نفس المسألة لتقييم التدخلات المستوجبة ومعالجة أشكال العنف.

ضرورة تحقيق المساواة والعدالة الاقتصادية بين الجنسين
وأكدت وزيرة المرأة والأسرة والطفولة في تونس أن مشروع القانون الأساسي المتعلق بالعنف ضد المرأة الذي أعدته الوزارة اعتمد على مقاربة شاملة تهدف إلى تجاوز الثغرات الموجودة في المجلة الجزائية. وبينت أن هذا المشروع يحمي ضحايا العنف والمبلّغين عنه ويضمن حق المرأة المعنفة في الحصول على التعويضات المادية والإحاطة النفسية والصحية، كما يضمن حقها في اللجوء لمراكز الإيواء التي تتكفل بإدماجها ومساعدتها على تجاوز أزمتها.

من جانبها تقول رئيسة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات (جمعية نسوية غير حكومية) منية بن جميع في تصريح لـ”العرب”، إن مشروع قانون التحرش الذي عرضته الحكومة على البرلمان للمصادقة عليه، لا يهمّ فقط ظاهرة التحرّش وإنّما يهمّ بشكل مباشر وأساسي العنف المسلط ضدّ المرأة، سواء كان هذا العنف ماديّا أو معنويّا أو جنسيّا أو اقتصاديّا، حيث يتضمن مشروع القانون أكثر من أربعين فصلا.

وأفادت بن جميع بأن مشروع القانون يتضمن جانبين أولهما وقائي ويتمثل في الإحاطة بضحية العنف عبر تشكيل خلايا استماع تتكفّل بدعم الضحية نفسيا قبل إرشادها إلى التدابير القانونية، وثانيهما زجري عبر التنصيص على العقوبات التي يمكن أن تنتظر المُتحرّش، مشدّدة على أن مشروع القانون أعاد النظر في مفهوم العنف الزوجي والتحرّش في أماكن العمل. وأشارت رئيسة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات إلى بعض الإحصائيات التي أعدّها مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة، والتي تفيد بأن 9 على 10 نساء يتعرّضن إلى التحرّش في وسائل النقل العمومي وأن 8 على 10 نساء يتعرّضن إلى العنف في الفضاء العام، وهو ما يؤكد حسب محدّثتنا ضرورة معالجة النصوص القانونية لهذه الظاهرة لأن القانون يمكن أن “يساهم في تغيير العقليات”، على حدّ تعبيرها.

وفي تقييم عام لمشروع القانون، أكدت منية بن جميع أنه إيجابي رغم بعض المؤاخذات المتعلقة أساسا بعدم تشريك منظمات المجتمع المدني في مشاورات صياغته إلى جانب عدم القيام بحملات تحسيسية كافية لتوعية المواطنين، على اختلاف مشاربهم، بأهمية هذا القانون ودوره في إلغاء منطق الإفلات من العقاب.

القانون يقترح تجريم أفعال لم تكن مجرمة في المجلة الجزائية على غرار جريمة زنا المحارم وجريمة مضايقة امرأة في مكان عمومي وجريمة تشغيل الأطفال كعملة منازل وجريمة التمييز في الأجر على أساس الجنس

وتقول الصحافية ليليا قربوج لـ”العرب” إن مشروع القانون يشمل العديد من القضايا الهامة، فالتحرش الجنسي مثلا ليس إلا نقطة بين العديد من النقاط وقد تطرق له القانون الجنائي مسبقا، ولكنه بمفعول هذا المشروع سوف يكون أكثر تفصيلا ووضوحا. وترى قربوج أن الإشكال الرئيسي فيما يخص التحرش في الفضاء العمومي يتمثل في أنه يكاد يكون من المستحيل تقديم شكوى ضد المعتدي إلا في حال وجود كاميرات في جميع الأماكن لإثبات الاعتداء بالدليل وهو أمر غير ممكن.

وتضيف “في البداية كانت لديّ مخاوف من أن التفكير الإسلامي الذي عمّ البلاد يشكل تهديدا لهذا المشروع إذا تم تحويل مساره وأهدافه الأولية. تهديد يمكن أن يطال أولا الاختلاط في الفضاء العام وثانيا المساواة بين الجنسين لذلك فإنه من الضروري توضيح الفوارق بين التحرش والاستمالة فالأخيرة تعني محاولة التأثير على امرأة تبدي علامات الرضا أو تتجاوب بشكل أو بآخر، أما مضايقة المرأة وإزعاجها لمرات متكررة فهو يدخل في خانة التحرش”.

وتوضح ليليا أن الإشكالية القانونية هنا تتمثل في تبيان الخط الرفيع الفاصل بين المغازلة والتحرش أمام القضاء إلا في حال اعتماد ما تتيحه التكنولوجيات الحديثة من توثيق للوقائع بالصورة أو بالفيديو مؤكدة مساندتها لتفعيل مشروع هذا القانون في إطار ما يوفّره من حماية للمرأة ضد جميع أشكال العنف التي تتعرض لها بشكل متصاعد حسب ما تكشفه العديد من الإحصائيات.

جدير بالإشارة إلى أن اهتمام الرأي العام التونسي وخاصة الشباب انصبّ على عقوبة السّجن التي نصّ عليها مشروع القانون الأساسي المتعلّق بالقضاء على العنف ضدّ المرأة والتي تتعلق بالتحرش، حيث تندّر الشباب على صفحات التواصل الاجتماعي على هذه العقوبة مهملين بقية المقترحات والفصول خاصة منها تلك التي تهمّ الحقوق الاقتصادية وتهدف للقضاء في التمييز في الأجور على أساس النوع الاجتماعي رغم أنه يعتبر بالغ الأهمية بالنسبة إلى النساء العاملات وذلك لقدرته على فتح الطريق أمام تحقيق المساواة والعدالة الاقتصادية بين الجنسين.

صحفية من تونس

20