هل تهدّد الفلسفة الأمن العام

القناعة الفلسفية لا يمكن أن تقبل بالتماهي الديني الذي يتجاوز العقل البشري، ولا يمكن أن تختلط بالإيمان.
الجمعة 2021/01/15
لكل من الفيلسوف ورجل الدين قناعته الخاصة (لوحة للفنان بسيم الريس)

نكاد لا نصدق أن فرنسا، بلد حقوق الإنسان، تسعى لخلق مجتمع مراقبة، وتريد أن تعرف عن مواطنيها كل شيء، حتّى أفكارهم وقناعاتهم الفلسفية، بدعوى محاربة الإرهاب الإسلاموي والتطرف اليميني واليساري والمنظمات الراديكالية، وكأن اعتناق مذهب فلسفي خطر على أمنها. ولا ندري ما هو التيار الفلسفي الذي يهدد الأمن العام. حتى الماركسية، التي عدّها بعضهم فلسفة وما هي سوى تيار فكري سياسي واجتماعي واقتصادي قام على أفكار ماركس وأنغلز، لم تشكل خطرا في نظر بعض الأنظمة إلا عندما تحوّلت إلى أيديولوجيا.

عقب أحداث يناير 2015، لجأت الحكومة الفرنسية إلى تفعيل قانون الطوارئ الذي سنّته خلال حرب الجزائر، وانتقده بعض المفكرين لأنهم رأوا فيه وسيلة للتضييق على الحريات الفردية، ثمّ جاءت الأزمة الصحية ففرضت الحكومات تضييقات أخرى، كالحَجْر الصحّي وحظر الجولان في أوقات معلومة، قابلها المفكرون ونشطاء مؤسسات المجتمع المدني والنقابات العمالية بنفس الاعتراض.

كنّا نحسب أن هذا الاعتراض طبيعي في بلد ديمقراطي منقسم إلى نصفين، يعتبر حصول رئيس جمهوريته بنسبة تفوق النصف بنقطة أو نقطتين انتصارا ساحقا، إلا أن ما حدث مؤخرا يؤكد ظنون أولئك المعترضين، فالحكومة ما انفكت تغتنم الفرصة تلو الفرصة للمزيد من تشديد الخناق على كل من يزعج راحتها، حتى يتسنى لها إحكام قبضتها على كل المجالات.

سخرية الفلاسفة والمفكرين

بعد قانون منع تصوير أعوان الأمن، وقانون الأمن الشامل، صدرت في الخفاء تقريبا ثلاثة أوامر توسّع إمكانات تسجيل كل من تشتبه فيه ضمن قوائم، لتمكين رجال الشرطة والحرس من الإشارة إلى “الآراء السياسية” للأفراد، هكذا في المطلق، و“انتمائهم النقابي” وقناعاتهم الفلسفية والدينية”، بعد أن كانت النصوص السابقة تقتصر على رصد “الأنشطة” و“التحركات” وحدها.

القناعة الفلسفية، وإن لم يكن مرجعها الإيمان، لا يمكن أن تستوي مع اليقين الموضوعي
القناعة الفلسفية، وإن لم يكن مرجعها الإيمان، لا يمكن أن تستوي مع اليقين الموضوعي 

هذه الأوامر التي صادق عليها مجلس الدولة، رغم ما فيها من مصادرة للحريات، رأت فيها النخبة بكل أطيافها تضييقًا للحقل الذي يفترض أنه حق مشروعٌ سياسيًّا، ومحاولة لفرض ما ينبغي أن يقال ويُفعل ويفكَّر فيه في مجال العمل السياسي والنضال النقابي والمجتمعي بوجه عام، فيصبح كل من خرج عليه منحرفا أو مجرما أو مجنونا. مثلما عبرت عن قلقها من الكيفية التي سوف تستخدم بها لاحقا تلك المعلومات المجمّعة، فقد تستعمل للإدانة والتجريم، وإرهاب الخصوم السياسيين والمناضلين النقابيين ونشطاء المجتمع المدني.

لم يأت ذلك صدفة، بل كان تطبيقا لدعوة الرئيس ماكرون إلى خلق “مجتمع اليقظة”، الذي يرى فيه بعض المحللين، مثل فانيسا كوداتشوني، المؤرخة والأستاذة المحاضرة بجامعة باريس 8، تحريضا للناس على مراقبة بعضهم بعضا في شتى مجالات الحياة، بدءا بالمدرسة؛ وحثّهم على التبليغ عن بعضهم بعضا بمقابل، ليس مادّيّا بالضرورة، فقد يكون تخفيفَ عقوبة، أو إلغاء غرامة أو مخالفة للقانون، وفي رأيها أن الغاية ليست تجميع معلومات بقدر ما هي تعزيز الدولة مراقبتَها للمواطنين.

ولئن أثار الأمران الأولان حفيظة شتى الأحزاب والمنظمات الحقوقية والمدنية، فإن الأمر الثالث المتعلق بالقناعات الفلسفية والدينية، أثار سخرية الفلاسفة والمفكرين، إذ سوّى بين الدين والفلسفة، والحال أنهما لا يلتقيان من جهة القناعة والاعتقاد، فالقناعة الفلسفية لا يمكن أن تكون علمية ولا دينية، ولا شكوكية ولا دغمائية، والاعتقاد، كما بين نيكولا تونايّون، المتخصص في فلسفة الأديان، ليس يقينًا مكتسبًا، لأن الاكتساب يمكن أن يكون ثمرةَ تأملٍ فرديّ أو عملٍ نقديّ، وفي شتى الأحوال منافيًا لتمذهب أعمى.

عندما يرِد في الرائد الرسمي للبلاد الفرنسية ذِكرُ “القناعات الفلسفية والدينية” في صيغة واحدة، فإنه يخلط بين الأسباب العميقة لاعتناق مذهب أو عقيدة، والحال أن القناعة الفلسفية ليست من طبيعة القناعة الدينية.

الفلسفة والأيديولوجيا

القناعة في الدين لا تنفصل عن الإيمان والقبول بحقيقة منزّلة يؤمن بها الفرد ويخضع لتعاليمها، فعندما قال المفكر الكاثوليكي فيليسي لامّوني (1782 – 1854) “إن الإيمان هو فعل إرادة تَدين، دون الاقتناع بها في الغالب، وأحيانا ضد الاقتناع نفسه، لعقلٍ خارجيّ أسمى وتعلن أنه حق”، فلأنه يدرك أن القناعة الدينية ليست من تحصيل الحاصل، والمرء إذ يؤمن بأن قناعته الشخصية لا يمكن أن تكون في أحسن الأحوال سوى استجابة لنداء خارج ذاته، يأمل أن يعطي وجوده معنى.

 ويضرب تونايّون مثلا بسيّدنا إبراهيم، ليؤكد أن الإيمان، وليست القناعة، هو الذي جعله يقبل بالتضحية بابنه الوحيد، لأنه “لو أعمل فكره النقدي لشَكّ في كلام الله”، كما قال كيركيغارد.

أما القناعة الفلسفية فلا يمكن أن تقبل بهذا النوع من التماهي الذي يتجاوز العقل البشري، ولا يمكن أن تختلط بالإيمان، لأنها تتميز بكونها تصدر عن الطويّة، وتعود دائما إلى الشخص الذي يفكّر. ومن ثَمّ، فإنها قريبة من “الاقتناع الرّاسخ” كما تعرّفه العدالة، أي منهاج حكم يأخذ في الحسبان كل العناصر بما فيها العناصر الذاتية علاوة على القرائن المادية، ليصدر موقفا شخصيًا خلال سجال قضائيّ. أن يكون المرء مقتنعا، فذلك معناه أنه ينحاز بكل نزاهة إلى ما يراه الأصوب، بغض النظر عن قناعات الآخرين.

بيد أن القناعة الفلسفية، وإن لم يكن مرجعها الإيمان، لا يمكن أن تستوي مع اليقين الموضوعي كذلك الذي يستدعيه العلم، لأن في فكرة القناعة بعدًا ذاتيّا لا محيد عنه. أي أن الفرد الذي يمارس وعيه النقدي، يمكن أن يتوقف عن تأمله إذا رأى أن ذلك التأمّل يسير به إلى طريق مسدود، أو قد يكون بلا نهاية، فيتخذ موقفا من الوضع المعرفي الراهن الذي يحدد سلوكه، عن حكمة وتبصّر وليس عن نبذٍ للعقل.

الشكوكية تطعن في كل شيء حتى الحقائق العلمية، والدغمائية خطر إذْ تفرض على المجتمع رؤية مخصوصة للعالم 

 وبطبيعة الحال إن فردا كهذا، واعيا بجهله النسبي بمسائل تتجاوزه، لا يمكن أن يفرض قناعته على غيره دون أن يناقض نفسه. وهذا ما عبّر عنه بول ريكور في كتابه الحواري “النقد والقناعة” حين أوضح أن المسعى الفلسفي يتمثل في قبول موقف وسط بين الشكوكية والدغمائية، لأن الشكوكية قد تطعن في كل شيء حتى الحقائق العلمية الراسخة، والدغمائية قد تصبح خطيرة إذا رامت فرض رؤية مخصوصة للعالم على المجتمع. أما القناعة الفلسفية فتخص صاحبها، حين يتعلق بما يراه مناسبا لفكره ورؤيته للعالم، وقد يتراجع عنها ويعتنق غيرها، إذا ما تعرضت لنقد يقوّضها أو يشكّ في صوابها أو جدواها.

وعودة إلى الأمر المشار إليه أعلاه، يبدو جليّا أن من صاغه يخلط خلطا عجيبا بين الفلسفة والأيديولوجيا، لأن القناعة الفلسفية، أيّا ما يكن غلوّها، لا يمكن أن تشكل خطرا على أمن الدولة، وعلى الأمن العام بشكل تجنّد الدولة أجهزتها لاتقائه، إلا إذا أرادت أن ترمي الناس بالشبهة، على الطريقة المكارثية في أميركا في منتصف القرن الماضي.

14