هل توجد قوى ثورية في تونس

الثلاثاء 2014/06/10

لا يمكن التعرّف على المشهد السياسي التونسي بشكل واضح دون مناقشة هذا السؤال. ولابدّ من الإقرار بدءا بأنّ اليسار مكوّن راسخ في تونس منذ عهد الاستعمار الفرنسي. فالحزب الشيوعي التونسي تأسّس سنة 1920. كما كان اليسار التونسي النواة الأولى لتشكّل النقابات المهنيّة التي آل أمرها إلى تأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل سنة 1946. وساهم الاتحاد بشكل حاسم في معركة التحرّر الوطني ومقاومة الاستعمار. ووهب قائده ومؤسّسه فرحات حشاد شهيدا للوطن يوم 5 ديسمبر 1952. ولكن هل يشكّل اليسار التونسي اليوم قوى ثوريّة؟

لابدّ من الإشارة إلى أنّه إلى حدّ الآن، ظلّ التنسيق بين الأحزاب اليساريّة وبين الاتحاد العام التونسي للشغل ضعيفا رغم أنّ قيادات الاتحاد من الصفّ الأوّل والثاني ينسب أغلبها إلى مراجع وخلفيّات إيديولوجيّة يساريّة. وقد كان التجلّي الأبرز لهذا التنسيق الضعيف خلال الحوار الوطني الذي قاده اتحاد الشغل وأفرز مهدي جمعة رئيسا للحكومة أمام احتجاج الجبهة الشعبيّة، والحوار الاقتصادي الذي أعلنت الجبهة الشعبيّة عن مقاطعته قبل أن يبدأ، وتراجع الاتحاد عن المقاطعة وقرّر المشاركة فيه والتصدّي لنوايا الترفيع في الأسعار وفي الضرائب.

إنّ الأطراف التونسيّة التي تصف نفسها بالثوريّة اجتمع بعضها في الجبهة الشعبيّة التي ولدت يوم 6 تشرين الأوّل 2012، وسرعان ما انشقّ عنها (الوطد الثوري وحزب النضال التقدّمي وحزب تونس الخضراء وجبهة المستقلّين).

وبعضها الآخر (المسار الديمقراطي الاجتماعي والحزب الاشتراكي اليساري وحزب العمل الوطني الديمقراطي) انتظر 27 يناير 2013 ليبعث الباجي قايد السبسي حركة نداء تونس، ثمّ يبادر إلى تأسيس تكتّل الاتّحاد من أجل تونس بعد أشهر لتنضمّ ثلاثتها إليه. وبعض القوى الأخرى ظلّت غير منتظمة مسمّرة في الميادين تناضل من أجل حقوقها مثل اتحاد المعطّلين عن العمل وإن لم يخف ميلها إلى طرف من هذه الأطراف.

هذه القوى التونسيّة يساريّة بمراجعها ولكنّها ليست ثوريّة بمعنى قيادة الطبقات العاملة لاستلام السلطة وتغيير نمط الدولة. وإنّما توجد قوى ثوريّة بمعنى الإيمان بالفعل الثقافي والفكري لاسيما في أوساط الشباب. ويوجد مناضلون تقدميّون كانوا ينشطون في السريّة أو تحت ستار النقابات المهنيّة صلب الاتحاد العام التونسي للشغل. هؤلاء المناضلون كانوا في طليعة المحتجّين باعتبارهم أفرادا طالهم الظلم والاستبداد وليس باعتبارهم قادة ثوريّين.

القوى التي تسمّي نفسها ثوريّة اليوم ليست كذلك فعلا. فالثوريّة تكون قبل سقوط النظام لا بعده. وهي لا تنشأ في الأصل من أجل تغيير رأس النظام والحفاظ على مؤسّساته وإنّما تنشأ نقيضا له رؤية ومنهجا وممارسة. وهذا لم يكن شأن القوى الثوريّة التونسيّة التي كانت حريصة على الدولة وعلى مؤسّساتها واجتهدت في الحرص على استمرار مؤسّسات الدولة في عملها. لم يكن من طموح القوى الثوريّة نقض الدولة وتغيير نمط الحكم.

وإنّما اكتفت بهروب زين العابدين بن علي دليلا على انتصارها، كما اكتفت باستبدال حكومة الترويكا بحكومة توافقيّة. فهي قوى كانت ضدّ بن علي وليست ضدّ الدولة بشكلها القائم. ولهذا لم تسعَ هذه القوى إلى استلام زمام الحكم بعد الفراغ الذي تركه بن علي، وإنّما ظلّت تنتظر مآل الأحداث كبقيّة المواطنين. وهذا ما سمح للنظام نفسه باستعادة السلطة من جديد. وأنا أصف هنا فقط لأبيّن الفرق بين الثورة والإصلاح.

وثوريّة هذه القوى كانت معطّلة تماما وحرّرها الشعب التونسي من قيود الاستبداد كما حرّر غيرها. لقد كانت الثورة التونسيّة بلا قوى ثوريّة، وهذه من مفارقاتها التي جعلت مسارها ملتبسا حتى اليوم. فلو وجدت هذه القوى على رأس الثورة التونسيّة لما تمكّن الإسلاميّون من اختطاف ثمارها، ولما غمرها الإرهاب التكفيري الذي ينقّي القادة التقدميّين ويقصف أعمارهم واحدا واحدا. القوى الثوريّة لم تقد الثورة وإنّما تبنّت شعارات الثورة دون أن تتمكّن من احتكارها.

كما تفتقر هذه القوى التي تسمّي نفسها ثوريّة إلى العمق العمّالي والفلاحي حيث كان يجب أن تكون، بمعنى ليس لهذه القوى عمق ولا سند بروليتاري. وإنّما النسبة الأكبر من قواعدها هي من الموظّفين، ومن قطاع التعليم أساسا، ومن المحامين ومن طلبة الجامعات حيث تنشط الاتّحادات الطلابيّة اليساريّة المتحمّسة. إذن، ليست هذه القوى عماليّة ثوريّة بقدر ما هي بورجوازيّة صغرى ومتوسّطة. هذا موقعها الحقيقي الذي لا تريد أن تدركه.

البعض يفضّل أن يطلق على هذه القوى التي تسمّي نفسها ثوريّة صفة القوى الاجتماعيّة الديمقراطيّة، والبعض يشبّه هذه القوى باليسار الاشتراكي الفرنسي وهو تشبيه لا يجوز لثلاثة أسباب: الأوّل أنّ اليسار الفرنسي تنويري لا دوغمائي عكس اليسار التونسي. والثاني أنّه يسار انفتح على الليبراليّة وحسم عداءه معها مبكّرا وصار يتقاسم معها الكثير من القيم، وانفتاحه عليها جدلي قائم على النديّة وتبادل النقد والتأثير خلافا لليسار التونسي. والثالث أنّه يسار منفتح على الفلسفة ويضمّ نخبا أكاديميّة فكريّة عالية. وهذا لا يتوفّر لليسار السياسيّ في تونس.

وكانت مبادرة جبهة الإنقاذ التي أطلقتها الجبهة الشعبيّة في يونيو 2013، بعد ندوتها الوطنيّة الأولى التي عقدتها في مدينة سوسة يومي 1 و2 من الشهر ذاته، بمثابة الميثاق الذي جمع قوى المعارضة لحكم الترويكا ليبيراليّة ويساريّة ومنظّمات مجتمع مدنيّ. ولكن لم تكن للجبهة الشعبيّة الخبرة السياسيّة الكافية للحفاظ على مبادرتها والتمسّك بقيادتها.

فبمجرّد انضمام «حركة نداء تونس» لمبادرة جبهة الإنقاذ انقضّ رئيسها الباجي قايد السبسي على قيادتها وصار يتحدّث باسمها في وسائل الإعلام. واستعملها سلاحا في لعبة ليّ الذراع مع “حركة النهضة” رأس الترويكا الحاكمة. وجاء اغتيال الشهيد محمد براهمي يوم 25 يوليو 2013 بمثابة الضربة القاصمة التي ترنّحت بسببها “حركة النهضة” بعد أن طالتها الاتّهامات بالتورّط في مساعدة الإرهاب والتستّر عليه.

وفي الوقت الذي كان فيه قايد السبسي يفتكّ التنازلات من “حركة النهضة” ويجبرها على الاتّفاقات ويستلّ منها الوعود بتبادل الخدمة مستغلاّ ورقة جبهة الإنقاذ الضاغطة، كانت الجبهة الشعبيّة منهمكة في تنظيم اعتصام الرحيل وتأطيره. ويمكن أن نختزل كلّ هذا في هذه الجملة: ناضلت الجبهة الشعبيّة، وكسب «نداء تونس» والباجي قايد السبسي، وسلّمت «حركة النهضة».

النتيجة كانت تأمين الخروج الآمن للنهضة من ورطة الحكم، واحتفاظها بالتأسيسي حيث أغلبيّتها المرجّحة، ونجاة حكومتها من المساءلة والمحاسبة، وعودة النظام القديم وإطلاق سراح رموزه وأعوانه، وإسقاط قانون العزل السياسي، وتقدّم النهضة وقايد السبسي وحركته في نوايا التصويت مقابل تراجع الجبهة الشعبيّة.

وفي ظلّ هذا الواقع المرّ للقوى التي أسمّيها تقدميّة إصلاحيّة وتسمّي نفسها ثوريّة، عقدت الجبهة الشعبيّة ندوتها الوطنيّة الثانية بالحمّامات يومي 31 مايو و1 يونيو 2014 بمن بقي فيها من الأطراف اليساريّة والقوميّة دون قدرة على تحقيق حلم الثوريّين في التوحّد. ومع ذلك، تظلّ الجبهة الشعبيّة مكوّنا رئيسيّا في الساحة السياسيّة التونسيّة قريبا من الطبقات الكادحة مدافعا عنها رغم كلّ محاولات التآمر عليها، ورغم كلّ الخيانات التي تعرّضت لها وخاصة باغتيال قيادييها، ورغم خلافاتها الداخليّة ومشاكلها الهيكليّة والزعاماتيّة وسوء مشاركتها في الشأن العام.


كاتب وباحث سياسي من تونس

9