هل تورط الجهاز السري لحركة النهضة في اغتيال بلعيد والبراهمي

المحامي وليد سلامة: عدم تعاون القضاء في قضية بلعيد والبراهمي سيدفعنا إلى تدويل القضية.
الجمعة 2018/10/12
من دبر لاغتيال بلعيد والبراهمي

مرت خمس سنوات على اغتيال الزعيمين السياسيين التونسيين شكري بلعيد ومحمد البراهمي (منتميان إلى الجبهة الشعبية وهي تجمع أحزاب يسارية وقومية في تونس) ولم يتم إغلاق ملف القضيتين إلى الآن. ورغم أن الأجهزة القضائية في تونس ختمت أبحاث التحقيقات في كلا الملفين بعد أن كشفت أن منفذ عملية اغتيال بلعيد هو الإرهابي كمال القضقاضي الذي تم القضاء عليه في فبراير 2014 وأن من اغتال البراهمي هو أبوبكر الحكيم الذي فرّ إلى ليبيا، إلا أن الجبهة الشعبية وهيئة الدفاع عن بلعيد والبراهمي تتمسّكان بوجوب معرفة من دبرّ عمليتي الاغتيال ومن يتحمّل المسؤولية السياسية والأخلاقية في ذلك، موجتهين اتهامات بالجملة لحركة النهضة الإسلامية التي حكمت البلاد إبان ثورة يناير 2011 عبر ما سمي بحكومة “الترويكا”.

تونس – عقدت هيئة الدفاع عن شكري بلعيد ومحمد البراهمي مؤخرا مؤتمرا صحافيا مثيرا للجدل، كشفت فيه معطيات جديدة عن حلقة اعتبرت أنها مفقودة وأنه تم تعمّد إخفائها في سير عمليات التحقيق القضائية.

تتمثل هذه الحلقة في وثائق وتسجيلات صوتية ومراسلات إلكترونية تكشف أن حركة النهضة الإسلامية أعادت عقب ثورة يناير تشكيل جهاز سري يقوده، وفق الهيئة، المدعو مصطفى خضر، المنتمي إلى النهضة،  للتجسس على عدة أطراف سياسية داخلية وأجنبية بهدف تصفية أهم الخصوم السياسيين.

حول توقيت عقد هذه الندوة التي تزامنت مع إعلان الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي عن فك تحالفه مع حركة النهضة وعن تداعيات المعطيات التي تم كشفها من الناحية القضائية أو السياسية، يقدّم المحامي وليد سلامة عضو هيئة الدفاع عن بلعيد والبراهمي في حديث لـ”العرب” إجابات على العديد من الأسئلة المثيرة للجدل في الساحتين السياسية والإعلامية ولدى الرأي العام بعد كشف قضية الجهاز السري لحركة النهضة وحول مستقبل القضيتين في ظل تصاعد الحديث عن إمكانية تدويلهما إن لم يتفاعل القضاء التونسي مع ما كشفته هيئة الدفاع.

تسجيلات ووثائق خطيرة

اغتيل السياسي اليساري المعارض للإسلاميين شكري بلعيد بالرصاص أمام مقر سكنه في فبراير 2013، وبعدها اغتيل محمد البراهمي المعارض ضمن التيار القومي في يوليو من نفس العام.

ويقول المحامي وليد سلامة “لم نأت بشيء من عندنا ولم نوجه التهم هكذا لمجرّد توريط النهضة في قضيتي الاغتيال، هذه وثائق موجودة ونشرناها للعموم وسنواصل نشر وثائق وتسجيلات إلى أن يتم التعاطي بجدية من قبل الأجهزة القضائية مع هذه المعطيات التي تؤكد ضلوع حركة النهضة في تشكيل جهاز سري ربما تكون له علاقات بالاغتيالات”.

هذا الملف الخطير تعاطت معه حركة النهضة بارتباك كبير، وفق سلامة الذي يشير إلى أن الحركة المشاركة في الائتلاف الحاكم تريد تعويم القضية بتهديدها مثلا بمقاضاة الجبهة الشعبية وليس هيئة الدفاع عن بلعيد والبراهمي التي كشفت عن ملف الجهاز السري.

وقال عضو هيئة الدفاع “أتمنى أن ترفع حركة النهضة قضية بالهيئة، لكن لا أعتقد أنها ستجرؤ على ذلك لإدراكها أن الوثائق والتسجيلات تورطها في تكوين جهاز سري يتولى اختراق مؤسسات الدولة وخاصة الأجهزة الأمنية والقضائية”.

الهيئة ستلجأ إلى التقاضي أمام محاكم القضاء العسكري لما تتضمنه الوثائق من خطورة كبرى ليس فقط في علاقة بملفي بلعيد والبراهمي، بل على الأمن القومي كالتجسس 

وأكد أن النهضة تصر على مقاضاة الجبهة الشعبية في محاولة لتحويل وجهة القضية من قضية جنائية إلى قضية سياسية وذلك لإرضاء قواعدها وطمأنتها بأن المعركة سياسية بحتة. وشدد على أنه لو كانت لدى النهضة جرأة لعقدت بدورها مؤتمرا صحافيا للرد على كل اتهماتنا، “لكنها لن تجرؤ على ذلك فهي مرتبكة وتدرك خطورة الملف”.

عقب المؤتمر الصحافي الذي تم فيه تقديم وثائق تدين، وفق هيئة الدفاع، امتلاك حركة النهضة جهازا سريا، على خطى الجماعات الإخوانية المختلفة، وتكليف مصطفى خضر بمهمة الإشراف عليه، تساءل العديد من المراقبين عن توقيت الإفصاح عن هذه المعطيات الخطيرة وربطها بما يحصل على الساحة السياسية من تغييرات، أهمها فك التحالف بين حركة النهضة والرئيس التونسي الباجي قائد السبسي.

في هذه المسألة، أكّد وليد سلامة أن هيئة الدفاع ليست معنية بكل ما يقال، فالهيئة لا تقدّم إلا ما يخدم ملفي اغتيال شكري بلعيد ومحمّد البراهمي ولا علاقة لتوقيت المؤتمر الصحافي بأي تطور سياسي.

وتقول هيئة الدفاع عن بلعيد والبراهمي إن مصطفى خضر هو رئيس التنظيم الخاص لحركة النهضة وإنه تم تكريمه عقب ثورة 2011 من الرئيس  السابق منصف المرزوقي، وإن لدى خضر علاقات قوية واتصالات متكررة مع القيادات العليا للنهضة على غرار رئيس الحركة راشد الغنوشي ونورالدين البحيري وزير العدل السابق في حكومة الترويكا وزميله ووزير الخارجية رفيق عبدالسلام، صهر الغنوشي.

ويؤكد وليد سلامة أن خضر لديه قائمات اسمية في قيادات الجيش التونسي وتم حجز قائمتين لمجموعة من المنحرفين في تونس الكبرى مع أرقام هواتفهم، فضلا عن ارتباطه بجماعة الإخوان المسلمين في مصر، خاصة وأنه كان مكلفا بمهمة الرد على البريد الخاص لوزير الداخلية السابق علي العريّض. وطالب سلامة وزارة الداخلية بالإفراج عن الوثائق في الغرفة السوداء للبت فيها من طرف القضاء.

أما بخصوص ردود أفعال القضاء ووزارة الداخلية بشأن ملف الجهاز السري، فقد اعتبر سلامة أن “لجوء النيابة العمومية إلى فتح بحث تحقيقي على أساس الفصل الـ31 من مجلة الإجراءات الجزائية يعد مغالطة إجرائية وتلاعبا قانونيا يسعى إلى طمس الحقيقة ومنع الدفاع من تقديم ما له من مؤيدات”.

وأوضح أنّ هذا الفصل الذي تركزت عليه النيابة العمومية يجعل المجرم والضحية في حالة مساواة من حيث المراكز القانونية، ويتعلّق بأبحاث أولية مؤقتة ضد مجهول دون جريمة أو متهمين. وشددّ على أن خطوة النيابة العمومية هدفها طمس كل الحقائق التي تم الكشف عنها عبر الجنوح إلى مقاضاة مجهول وليس الأطراف التي تم الكشف عنها خلال المؤتمر الصحافي.

وليد سلامة: النهضة تعاطت مع قضية الجهاز السري بارتباك كبير، النهضة تريد تعويم القضية لطمأنة أنصارها بتهديدها بمقاضاة الجبهة الشعبية وليس هيئة الدفاع
وليد سلامة: النهضة تعاطت مع قضية الجهاز السري بارتباك كبير، النهضة تريد تعويم القضية لطمأنة أنصارها بتهديدها بمقاضاة الجبهة الشعبية وليس هيئة الدفاع

وأكّد سلامة أن هيئة الدفاع ستطالب قاضي التحقيق التابع للقطب القضائي لمكافحة الإرهاب بالتخلي عن التحقيقات في الملف لأن فتح تحقيق على معنى الفصل الـ31 من الإجراءات الجزائية التونسية يعتبر عملية مؤقتة هدفها طمس الملف.

وشددّ على أن “الهيئة ستلجأ إلى التقاضي أمام محاكم القضاء العسكري لما تتضمنه الوثائق من خطورة كبرى ليس فقط في علاقة بملفي بلعيد والبراهمي، بل على الأمن القومي كالتجسس أو وضع النفس تحت جهات أجنبية والتخابر، وهو ما أقدم عليه رئيس التنظيم السري للنهضة مصطفى خضر الذي تعامل أكثر من مرة مع مخابرات أجنبية ومع جماعة الإخوان المسلمين في مصر ومع إرهابيين في سوريا، وفق ما كشفته عنه الوثائق”.

ويضيف “ليست هيئة الدفاع فقط من تشكك في نوايا قضاة التحقيق الذين أشرفوا على قضيتي الاغتيال، بل إن رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد شوقي الطبيب (عميد المحاماة سابقا) أكد مؤخرا أن ثقة هيئته بدأت تتزعزع في القضاء”.

خروقات قضائية

وحمل وليد سلامة الائتلاف الحاكم وكل من حكم خاصة بعد انتخابات عام 2014 مسؤولية التستّر على حقيقة أن حركة النهضة تمكنت من التغلغل في كل أجهزة الدولة عبر اختراقها لطمس كل الملفات التي تدينها في ما حصل من إرهاب واغتيالات في تونس عقب ثورة يناير 2011.

وتساءل عن عدم تفاعل السلطة التنفيذية التي تملك كل السلطات للنظر والبحث والتدقيق في ما قدّم من معطيات، خاصة وأن الحكومة، وفق قوله، متسلحة بشعار مكافحة الفاسد والإرهاب، مؤكّدا أن قضايا أقل وطأة من قضيتي بلعيد والبراهمي تم التحرّك فيها بسرعة قياسية دون مماطلة أو إضاعة للوقت.

وبشأن استعداد هيئة الدفاع لتدويل القضيتين، قال “يحزننا في تونس ما بعد الثورة أن نلجأ إلى تدويل قضيتي بلعيد والبراهمي، لكن كل المؤشرات تدل على أن أجهزة القضاء التونسي لا تريد التقدم في هذين الملفين الخطيرين، سنواصل النضال في المحاكم التونسية وإن حصلت نتائج مخيبة كالعادة ربما يكون التدويل هو الحل الأسلم لمعرفة قتلة شكري بلعيد ومحمد البراهمي”.

12