هل ثمة أدب رقمي عربي يستحق القراءة والثناء؟

الترابط أمر جوهريّ في إبداع النص الرقمي وتلقيه وهذه الخاصية هي ما يميزه عن النص الإلكتروني.
الجمعة 2020/05/29
أدب تفاعلي لم يحقق الكثير (لوحة للفنان علي رضا درويش)

لقد غيّرت التكنولوجيا والتقنية وجه العالم، فكريا واقتصاديا وثقافيا وحتى سياسيا وعلميا وغيرها من المجالات. وليس الأدب بمعزل عن هذا التغيير، بل كان الأكثر تأثرا، خاصة في خروجه من حيز الورق إلى مجال أوسع هو الحبر الضوئي للأجهزة الإلكترونية، إضافة إلى انتشاره في مسالك الإنترنت، واعتماده على خصائص لم تكن متاحة له، من بينها التفاعل، لكن هل أنتج هذا نصوصا أدبية جيدة على المستوى العربي؟

ظهر أواخر خمسينات القرن الماضي في أوروبا وأميركا الشمالية، ما يسمى بـ”الأدب الرقمي”، لكنه لم يُشع إلا أواسط الثمانينات إثر انتشار استعمال أجهزة الكمبيوتر الشخصية، والقفزة التي عرفتها صناعة الوسائط المتعددة.

أما عربيا فقد بدأ بعض النقاد والكتّاب العرب، منذ أوائل الألفية الثالثة، ينظّر ويروّج لهذا “الشكل الأدبي”، بوصفه أدب المستقبل، انطلاقا من قناعته بموت الكتاب الورقي، واقترح مرادفات للمصطلح لا تخلو من فوضى، مثل “الأدب المترابط” و”الأدب التفاعلي” و”الأدب الإلكتروني” و”الأدب المعلوماتي” و”الأدب الرقمي التفاعلي” و”الأدب التشعبي” و”الأدب الشبكي”… إلخ.

معايير جديدة

يقصد النقاد العرب بهذا “الشكل الأدبي” كل التعبيرات الأدبية التي تُنتج رقميا، وتدمج الوسائط الإلكترونية المتعددة من نصية وصوتية وصورية وحركية، وتُقرأ على شاشة الكمبيوتر، وتسمح للقارئ بالتحكم فيها.

 ونشر هؤلاء النقاد والكتّاب حتى الآن مجموعة كتب حول هذا النمط الأدبي الوافد منها “من النص إلى النص المترابط: مدخل إلى جماليات الإبداع التفاعلي”، و”النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية: نحو كتابة عربية رقمية” لسعيد يقطين، و”الأدب الرقمي: أسئلة ثقافية وتأملات مفاهيمية” لزهور كرام، و”مدخل إلى الأدب التفاعلي” لفاطمة البريكي، و”الأدب الرقمي بين النظرية والتطبيق” لجميل حمداوي، و”شعرية النص التفاعلي: آليات السرد وسحر القراءة” للبيبة خمار، و”تفاعل الأدب والتكنولوجيا” لمحمد العنوز.

لكل من النصين الرقمي والإلكتروني خصائصه الذاتية
لكل من النصين الرقمي والإلكتروني خصائصه الذاتية

وقد بحثت هذه الكتب في طبيعة “النص المترابط” والإبداع التفاعلي وشروط إنتاجه وتلقيه عبر تأطير كل ذلك في نطاق ما يسمى بـ”الوسائط المتفاعلة”.

كما عُقد أول مؤتمر عربي للأدب الإلكتروني بعنوان “الأدب الإلكتروني العربي: آفاق جديدة ورؤى عالمية” في جامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبي عام 2018، ناقش وضع الأدب الإلكتروني في السياقين العربي والغربي.

يقدم الأدب الرقمي، حسب الكتّاب المنظرين له، معايير جمالية جديدة، وخصائص لم تكن متاحة من قبل في النص الورقي، كخاصية تعدد المبدع، والتأليف الجماعي للنص الرقمي، وتعدد الروابط التي تؤدي بدورها إلى تعدد النصوص وفقا لاختيارات المتلقين، بعكس الأدب الورقي الذي تكون فيه البداية موحدة والنهايات محدودة، إضافة إلى صعوبة الحصول على الكتاب الورقي مقارنة بنظيره الرقمي الذي يسهل حمله وتحميله من خلال الكمبيوتر، لذلك فمن الطبيعي أن يعرف هذا الأدب في المستقبل القريب انتشارا واسعا ورواجا كبيرا في الأوساط الأدبية.

خصائص رقمية

يذهب هؤلاء الكتّاب إلى أنّ “النص الرقمي” يستثمر جميع الإمكانيات التي يتيحها الكومبيوتر للمبدع لتقديم نص متعدد العلامات، يضمّ إلى جانب العلامة اللغوية علامات أخرى غير لغوية، كالصوت والصورة الثابتة والمتحركة، وغير ذلك مما يفتقر إلى بعضها النص الورقي.

ومن خصائصه أيضا: الترابط النصي، الذي يتمثل بوجود علاقة تربط بين معلومتين أو بين شذرتين نصيتين، وهي علاقة غير مرئية، وإنما يؤشر عليها بوصلات (كلمات أو جمل) تكتب بلون يختلف عن لون النص، وغالبا ما يكون هذا اللون هو الأزرق، أو يوضع تحتها خط لتمييزها عن باقي كلمات النص وجمله.

وتُعدّ تقنية الترابط أمرا جوهريا في إبداع النص الرقمي وتلقيه، ومن دونها لا يمكن الحديث عن نص رقمي، وهي التي تميز النص الرقمي عن النص الإلكتروني (المرقّم)، كما أنّ هذه التقنية تكسر خطية النص المكتوب، وتجعله متعدد الأبعاد، وتسمح للمتلقي بأن يتحرك في فضاء النص وفق المسارات المتعددة التي يفرضها، دون أن يلتزم بالخطية التي يتميز بها النص الورقي.

يقدم الأدب الرقمي، حسب المنظرين له، معايير جمالية جديدة وخصائص لم تكن متاحة من قبل في النص الورقي

يُضاف إلى ذلك خاصية “التفاعل”، وهي تشمل  جميع أطراف العملية الإبداعية، بين المبدع والوسيط (الكومبيوتر بأنواعه)، وبين المبدع والمتلقي، وبين الوسيط والمتلقي. وخاصية الانفتاح، فالنص الرقمي نص مفتوح لا حدود له، غير مكتمل، يمكن للمبدع أن ينشئه، فيضعه في أحد المواقع الإلكترونية، ثم يأتي القارئ ليكمله.

 ونجد في هذا الأدب كذلك خاصية التمركز حول المتلقي، فهو يمنح القارئ مساحة تساوي مساحة المبدع الأصلي للنص أو تزيد عنها. وأخيرا خاصية القراءة الأفقية، فالنص الرقمي لا يُقرأ قراءة خطية عمودية، وإنما قراءة أفقية لا تخضع لمسار معين، نظرا لتعدد مساراته وبداياته ونهاياته!

ورافقت الدعوة إلى “الأدب الرقمي”، خلال العقد الأخير، دعوات مماثلة لـ”مسرح رقمي” و”سينما رقمية”، وإذا كان هذان الجنسان من الفنون قد حققا نجاحا في الدول المتقدمة، كونهما يقومان على الصورة ويعتمدان على التطور التكنلوجي، فإن “الأدب الرقمي” (رواية أو قصة أو شعرا) لم يقدّم نصوصا يُعتد بها حتى الآن، لأن الأدب ببساطة نتاج لغوي تكمن جماليته في بلاغة نصوصه التي تجسدها الألفاظ والعبارات المجازية المفردة والمركبة، وكذلك في ما يُعرف بشعريته. ومن يدلني إلى نصوص أدبية رقمية عربية لها حضور متميز أو ذات مستوى رفيع أكون شاكرا له.

14