هل ثمة إعلام محايد

الأربعاء 2015/02/11

يقول المفكر الألماني برتولد بريخت “ما من عمل فكري أو ثقافي أو فني أو أدبي دون موقف، دون وجهة نظر لمن يقف وراء ذلك العمل”، وقد تعلمنا في السينما أن مجرد اختيارك لموقع الكاميرا وزاوية التصوير هو قرار يعبر عن وجهة نظرك، عن رؤياك كيف يجب أن تكون “اللقطة”، وهذا يعني أنك اخترت وحذفت من المشهد أمامك. وهو قرار وموقف حتى وإن تصرفت بارتجال وعشوائية أو عفوية.

وهكذا في الإعلام وحتى في أبسط صوره، وهو الخبر المطبوع أو التقرير المرئي حيث أن الحيادية أو عدم الحيادية تمتد أيضا إلى طريقة صياغة الأخبار وترتيب فقراتها، فإن عملية الحذف والاختصار – التقديم والتأخير، تتم حسب موقف ووجهة نظر الإعلامي، وهذا ينطبق حتى على عملية اختيار الضيوف ذاتهم والمساحة التي تمنح لأي منهم، حسب وجهة نظر الإعلامي أو حسب موقف وسياسة المؤسسة الإعلامية التي يعمل فيها.

وهذا يقودنا إلى إشكالية “الإعلام والحياد” حيث يتفق معظم من تناول هذا الموضوع وبحث فيه على أنه لا يوجد إعلام محايد مطلقا. وأرى أن من يطالب بما يسمى “الحياد الإعلامي” يتجاهل طبيعة العمل الإعلامي وانتماءاته السياسية والفكرية والمذهبية ومصادر تمويله، حيث أصبح لكل فصيل سياسي قنواته الخاصة وهي منبر لأفكاره وأهدافه.

إننا قد نطلب من هذه القنوات الموضوعية، ولكننا لا يمكن أن نطالبها بالحيادية. وحتى شعار “الرأي والرأي الآخر”، الذي ترفعه بعض القنوات الفضائية أجده شعارا ديماغوجيا خداعا، فقد لاحظنا في مواقف عديدة كيف يتم خنق الرأي الآخر والتضييق عليه، عندما يأتي مخالفا لتوجهات تلك القناة ورغبات القائمين عليها أو أصحابها.

إن الإعلام في كل دول العالم ينفذ سياسة “صاحب نعمته”، فإذا كان الحكومة فإنه سيدافع عنها ويبرر تصرفاتها، وإذا كان رجل أعمال فسيخدم مصالحه، وإن كان جهة دينية فيستبنى توجهاتها ويخاصم خصومها.

وكثيرا ما يبتعد الإعلام المنتمي عن المهنية والموضوعية ويلجأ إلى الافتعال والمبالغة، وتكمن خطورة التزوير عندما تقدم بعض القنوات “رسالتها الإعلامية” المنشودة بطرق تقنية مبهرة وكفاءة فنية عالية، والضحية هو المواطن الذي لا يعلم أين الحقيقة، وتصيبه حالة ارتباك وخلط في المعلومات.

كثيرون يطالبون بالحياد الإعلامي، ولكن هناك أمور لا يمكن حتما مطالبة الإعلامي أن يكون محايدا فيها، مثلا تلك التي تمس سلامة الوطن وكرامة المواطن، فالحياد ليس دائما إيجابيا، ولا أتصور أنه مطلوب دائما من وسائل الإعلام.

إن الموضوعية والنزاهة وسيلتان مطلوبتان من القنوات الإعلامية، وأهم من ذلك أن يدرك المتلقي أيدلوجيات القنوات التي يتابعها وانتماءاتها السياسية وميولها، كي يتمكن من القيام بعمليات الفرز والتقويم لما يتدفق عليه منها.

يقول الإعلامي كيتايدي “أعتقد أن الحياد أمر صعب ومعقد، أفضل أن استعمل كلمة النزاهة.

وهي أن تكون نزيها من حيث مدى التغطية ونوعيتها وعمقها والطريقة التي تتناول بها الموضوع".

كما يقول الداعية الأميركي المسلم مالكوم إكس “أسوأ مكان في الجحيم محجوز لأولئك الذين يقفون على الحياد في أوقات معارك الأخلاق العظيمة”.

وقديما قال الإمام علي كرم الله وجهه ما معناه “المحايد هو شخص لم ينصر الباطل، ولكن من المؤكد أنه خذل الحق”.

18