هل ثمة صلح مع جماعات الإسلام السياسي

الأربعاء 2016/05/18

في التمهيد للهدنة التي أقرها المجتمع الدولي في سوريا كان هناك اختلاف في وجهات النظر حول تصنيف الجماعات المسلحة وجلها ينتمي إلى مفهوم “الإسلام السياسي” حسب درجة ونوع سلوكها الإرهابي. فكانت هناك مجموعات رُميت في سلة الإرهاب بشكل ميؤوس منه كتنظيم داعش وجبهة النصرة، فيما تم إنقاذ مجموعات أخرى في اللحظات الأخيرة، فاعتبرت معتدلة.

وقد حدث الكثير من التزوير في ما يتعلق بالمجموعات المعتدلة.

غير أن الأمر تُرك لطريقة تعاطي تلك المجموعات (المعتدلة) مع معطيات الهدنة. وهو ما راهنت عليه الولايات المتحدة الأميركية وحلفـاؤها أكثـر ممـا كان مقبولا من قبل روسيا وحلفائها، بالرغم من أن إيران، وهي جزء أساس من التحالف الذي يقف مع النظام، ترعى عددا من الجماعات التـي تُحسـب على الإرهـاب بالمنظـور الغـربي، ويقف حزب الله في مقدمة تلك الجماعات.

ولكن سواء حدث ذلك الأمر استرضاء لتلك الجماعات، أم هو محاولة لتحييدها في صراع دموي حيرت عبثيته العالم، فإن صلحا مؤقتا مع تلك الجماعات لن يكون نافعا على المدى الطويل. وهو ما انتهت إليه تجربة الشعب المصري مع جماعة الإخوان المسلمين. وهي تجربة ذات دلالة لما للإخوان من تاريخ طويل في العمل السري.

فبعد سنة قلقة قضاها محمد مرسي رئيسا للبلاد، أثبت خلالها أن انتماءه إلى الجماعة الدينية أكبر من انتمائه إلى مصر، لم يكن أمام الإخوان سوى أن يخيّروا الشعب المصري بين الرضوخ لشرعية وجودهم في السلطة بعد أن قام الشعب بإلغائها، وبين التعرض لحرب استنزاف طويلة الأمد، يكون الإرهاب أسلوبها.

كانت هناك محاولات للصلح، كلها انتهت إلى الفشل.

فالجماعة المصرية لم تقتنع بالانضمام إلى الحياة السياسية في جبهة المعارضة، بالرغم من أنها لا تزال تمتلك قدرا من الشعبية لا بأس به.

ما فعلته حركة النهضة في تونس يعد استثناء لا يعتد به في هذا المجال.

نظريا فإن جماعات الإسلام السياسي لا تخطط للانضمام إلى الحياة السياسية التي لا تعترف بشرعيتها. ذلك الانضمام يتعارض، كليا، مع مشروعها القائم على فكرة إصلاح ما اعوجَّ من شؤون الدنيا، والتمهيد للقبول بالآخرة دارا للعدل. وهو ما يعني حربا مستعرة على المجتمع.

ولو نظرنا بإمعان إلى تجربة حزب الدعوة في حكم العراق المستمرة منذ عشر سنوات، سيكون علينا أن لا نُدهش بذلك الشعور المتضخم بالتعالي والتفضل الذي يتسـم به سلـوك زعامات ذلك الحزب وقياداته، وهي تسعى إلى تنظيـف الشعب من عاداته القديمة التي لا تنسجم مع الإسلام.

ولن يكون مفاجئا لأي مطلع على فكر الجماعات الإسلاموية إذا ما قلنا إن المواطنة والنسيج الاجتماعي والدولة والعدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات والإخاء والتوزيع العادل للثروات هي جزء من قائمة طويلة تضم العادات السيئة التي يجب على المجتمع أن يتخلص منها.

علينا هنا أن نتخيل ما الذي يمكن أن يفعله حزب الدعوة، وهو المعروف بتاريخه الإرهابي، لو أنه فقد السلطة في العراق؟

ما الذي يمكن أن يفعله حزب الله في لبـنـان لـو أن اللبنـانيين امتلكـوا الإرادة التـي تجبره على التخلي عن سلاحه الذي يقـع خـارج سيطـرة الدولـة، والـذي بات يشكل مصـدر خطـر على حياتهـم المباشـرة؟

للحزبين أسوة حسنة في جماعة الإخوان المسلمين في مصر. إما الخضوع لمنطق الإرهاب المبطن والمسكوت عنه، أو التعرض المعلن والمكشوف لحرب طويلة الأمد. وفي الحالتين فإن العنف لا يصلح أن يشكل مائدة للصلح.

ولأن الجماعات والأحزاب الدينية لا تملك سوى العنف وسيلة لتطبيق برامجها وفرضها على المجتمعات، فإن التفكير في وجود جماعات معتدلة، بالرغم من انتمائها إلى عالم الإسلام السياسي، هو نوع من الخيال الكاذب.

كاتب عراقي

9