هل ثمة ما يعيق المرأة العربية في فن التلحين؟

الملحنات العربيات من الجدات إلى الحفيدات فنانات في الخفاء.
الثلاثاء 2020/11/03
الملحنات موجودات لكنهن في الخفاء

تحفل الموسيقى العربية بتاريخ طويل من منجز إبداعي إنساني فريد، تضافرت فيه جهود الشعراء والمغنين والموسيقيين من الرجال والنساء، في خط مسار وبصمة عالمية للموسيقى العربية، لكن ربما يلاحظ الكثيرون قلة عدد الملحنات وهي ظاهرة غريبة نوعا ما في فن عربي عريق.

كثيرا ما يتجدد السؤال عن ظاهرة قلة عدد النساء في مجال التلحين، ليس في عالمنا العربي فحسب بل في جميع أنحاء العالم، مقارنة بعددهن في مجال الغناء، وربما في العزف على الآلات الموسيقية المختلفة أيضا، وكذلك في الفنون الأخرى حيث يلمع نجم العشرات منهن. لكن ما يعنيني هنا المشهد الموسيقي العربي عبر العصور والأماكن. في بحثي عن أسباب هذه الظاهرة، خرجت بحصيلة من الآراء المتقاربة لعدد من الخبراء الموسيقيين والكتّاب المعنيين بالمسألة قد تكون مقنعة.

عوائق كثيرة

يرى أحد المؤرخين الموسيقيين أنه يصعب العثور على تفسير واضح يسوّغ تواري دور المرأة في هذا المجال، إلا أنه يلفت إلى أن النساء اللواتي جاسرن، في الحالات النادرة، بتحدي هذه الظاهرة لم يتفرغن كاملا للتلحين، بل جاءت محاولاتهن فيه جزءا من أنشطة أخرى متعددة برعن فيها، مثل الفنانة المصرية بهيجة حافظ، والفنانة اللبنانية لور دكاش.

وربما تعود صعوبة مهنة التلحين على المرأة إلى ما يتطلبه دور الملحن من قيادة العديد من الرجال في الأداء والتوزيع، أو ما يحتاجه من جهد للسهر إلى وقت متأخر، في حين أن تحرر المرأة وخوضها مجالات العمل عامة أمر مستحدث، ولا يمنع هذا أن تكون هناك حالات كثيرة آثرت المرأة الملحنة فيها أن تخفي موهبتها لتؤثر السلامة، وترتضي بواقع احتكار الرجل لهذا المجال.

وتذهب باحثة في علوم الموسيقي الغربية والعربية إلى أن ثمة عوائق اجتماعية تحول دون دخول المرأة مجال التلحين، فهي تتساوى في القدرات الإبداعية مع الرجل، لكن التلحين يحتاج دائما إلى همزة وصل بينها وبين الجمهور كالعازف أو المغني حتى تتحول أفكارها الموسيقية من رموز مدونة في نوتة موسيقية إلى موسيقى مسموعة، ويتعارض تنفيذ ذلك مع أعبائها الاجتماعية ومسؤولياتها الأسرية.

كل ذلك يحول دون استمراريتها في تقديم فنها الذي يتطلب الوجود المستمر في الوسط الموسيقي، والتواصل الدائم مع المنتجين وغيرهم من خلال الحفلات، والسهر لمواعيد متأخرة والاستماع لإنتاج الآخرين والقراءات العميقة، وهو أمر صعب. ومع ذلك توجد سيدات ناجحات في التلحين.

وتؤكد إحدى المغنيات والملحنات أن المشهد الموسيقي في عالمنا العربي يعكس واقع المرأة في مجتمعاتنا العربية عموما، التي ظلت طويلا تعمل على طمس دورها في أكثر من مجال، وتنظر نظرة مقلوبة تجاه كليات التربية الموسيقية ومعاهدها، يشوبها كثير من التعسف وإطلاق أحكام مسبقة حول فرص نجاحها، فضلا عن غياب تعليم الموسيقى في مدارسنا، وهو أمر بالضرورة يفضي إلى ندرة في ظهور ملحنين من الجنسين. لكنها في الوقت نفسه ترصد إقدام عدد من بنات جيلها على تحدي تلك الحالة من الجمود في المشهد الموسيقي العربي، خاصة في الجانب الطربي لا التجاري.

ويعزو ناقد فني أحد أسباب غياب النساء عن التلحين إلى أن المرأة تُقاس، موسيقيا، بصوتها وليس بمخزونها الإبداعي منذ زمن بعيد، فالألحان كلها للرجال، وإن لم يكن كلها فمعظمها الكاسح. ثمة مغنيات ناجحات، وهذا الأمر لم يتغير حتى الآن، ومطّرد ومرشح للمزيد من التداول. ويمكن وضع قائمة طويلة بالمغنيات منذ مطلع القرن الماضي، ثم أخرى بالفترات والعصور اللاحقة وصولا إلى اليوم. وربما إذا ما بحثنا وجدنا نساء عربيات وضعن ألحانا موسيقية، لكن أغلب الظن أنهن عملن في نطاق محدود جدا، وليس في أعمال تجارية، أو على نحو مشارك في مهنة سادها الرجال دائما.

ويرجع موسيقي أسباب قلة الملحنات في الساحة الفنية إلى تركيز مدارس التعليم الموسيقي على الرجال أكثر، موضحا أن المرأة، بالرغم من اقتحامها كل المجالات حتى العزف على الآلات الموسيقية، لا تزال غائبة عن مجال التلحين، الذي يُعد عملية صياغة وحرفة تعتمد على وجود موهبة فطرية بالأساس. ويجد الموسيقي أن اقتصار عملية التلحين على الرجال لا يزال حالة غريبة عجز عن تفسيرها المتخصصون في الموسيقى.

ملحنات من الماضي

صعوبة مهنة التلحين على المرأة تعود إلى ما يتطلبه دور الملحن من قيادة عدة رجال ومن تضحيات

بلغت النهضة الموسيقية العربية ذروتها في العصر العباسي، وعكس الغناء نوعا من الرقي الطبقي، وثراء الحياة الفنية والرفاهية التي كانت تتمتع بها نخبة من المجتمع في بغداد والمدن الكبرى.

وعرف ذلك العصر العديد من مبتكرات الألحان، يذكر المؤرخون منهن في عصر هارون الرشيد أخته علية بنت المهدي بوصفها أول امرأة حرة ملحنة وعازفة ومؤلفة ومغنية، جمعت بين شخصية الفنانة المثقفة، مبتكرة الألحان ومبدعة الشعر، وبين الشخصية الملتزمة.

وبالرغم من أن أخاها إبراهيم بن المهدي كان صاحب مدرسة تجديدية ومكانة مهمة في الموسيقى، فإن المؤرخين يقدمونها عليه لأن شهرته راجعة إلى علاقاته العامة، بينما هي لم تكن تغني إلا إذا طلب منها الخليفة، واكتفت بتعليم الجواري.

وكان إبراهيم الموصلي، أشهر المغنين في العصر العباسي، يرسل جواريه إليها كي يتعلمن بعضا من إبداعاتها الغزيرة التي لم تهتم بتسويقها وإعلانها. وحسبها أن فنها ظل يُقلَّد بعد وفاتها، ولأصالته وتميزه انتحله بعضهم مثل أخيها إبراهيم، والمغني والشاعر إسحاق الموصلي، المعروف بابن النديم الموصلي.

ومن اللواتي اشتهرن أيضا في ذلك العصر متيم الهاشمية، نجمة التلحين والشعر والغناء، التي بلغ إعجاب إسحاق الموصلي بها أن كان يحتال عليها لتكرر ألحانها حتى يحفظها ويأخذها، والمغنية والملحنة الموسوعية بذل، التي كانت ذات ذاكرة عجيبة تحفظ آلاف الألحان، وألفت كتابا احتوى على اثني عشر ألف لحن، والمغنية والشاعرة وعازفة العود البارعة عريب، التي كانت على قدر كبير من إتقان صنعتها، كما يقول الأصفهاني، تصوغ الغناء وتبدع فيه مذ كانت بنت أربع عشرة سنة. وبعد أن اكتسبت الخبرة لحّنت عددا وافرا من الأغاني التي جاءت جميعها في غاية الإبداع والرقي.

ملحنات حفيدات

اشتهرت في عصرنا الحديث ملحنات في معظم البلدان العربية، منهن، تمثيلا لا حصرا، اللبنانية لور دكاش (1917 – 2005)، التي تُعد أول فنانة عربية تحترف التلحين، بعد أن بدأت في سن السابعة تتعلم عبر والدها جورج دكاش أصول الغناء والعزف، ثم انتقلت لاحقا إلى القاهرة للعمل في الإذاعة المصرية، وأنجزت طوال مسيرتها الفنية ما يقرب من 40 لحنا، ولقّبها الموسيقار محمد عبدالوهاب بملكة التواشيح.

ونذكر الفنانة المصرية نادرة أمين (1906 – 1990) التي تُعد من أبرز رواد المدرسة الموسيقية التقليدية، وقد بدأت تلحن لنفسها قصائد كبار شعراء زمانها مثل العقاد، وجبران خليل جبران، ودافعت عن موهبتها باستماتة إلى درجة أنها انفصلت عن زوجها بسبب حبها للموسيقى.

كذلك نذكر الفنانة بهيجة حافظ (1908 – 1980)، أول مؤلفة مصرية موسيقية تخوض مجال الموسيقى التصويرية، وشاركت أول مرة بموسيقاها في فيلم “زينب” عام 1930 مع المخرج محمد كريم، ثم واصلت رحلتها في وضع الموسيقى التصويرية لعدد من الأفلام، مثل “ضحايا”، “زهرة”، ليلى البدوية”، “السيد البدوي”، “ليلى بنت الصحراء” و”الاتهام”. ويُقال إنها أول من لحنت للمطرب وديع الصافي، وأول من فكر في إنشاء نقابة للموسيقيين عام 1937.

التركيز في مدارس التعليم الموسيقي على الرجال أكثر
التركيز في مدارس التعليم الموسيقي على الرجال أكثر

ونجد الفنانة عواطف عبدالكريم، المولودة في القاهرة عام 1931، وقد ذاع صيتها في فترة الخمسينات والستينات، واحترفت المجالين الأكاديمي والعملي، ولحنت موسيقى تصويرية لعدد كبير من المسرحيات، مثل “لعبة النهاية” لبيكيت، “رحلة خارج السور” لرشاد رشدي، “الطرف الآخر” ليوسف إدريس، “مدينة الأحلام والأربعين حرامي” لمسرح العرائس. ومن إنجازاتها أنها أول من حاول استخدام الموسيقى الإلكترونية في مصر.

وتلت هؤلاء الرائدات ملحنات أخريات مثل الكويتية ليلى عبدالعزيز، المولودة عام 1947، والتي تفرغت في أوائل السبعينات للتلحين، وبلغ ما أبدعته 300 لحن، وغنى لها من المطربين الكويتيين غريد الشاطئ، راشد سلطان، مبارك المعتوق، حسين جاسم، ناصر المشعل، عبداللطيف المنصور، ومن الإمارات عبدالله بالخير وجابر جاسم، ومجموعة من المطربين العرب مثل محرم فؤاد، عايدة الشاعر، هاني شاكر، نجاح سلام، لميعة توفيق وسماهر اللبنانية. أيضا الملحنة العراقية سحر طه (1957 – 1918)، التي كانت تقيم مع زوجها في بيروت، وهناك درست الغناء وعزف العود في الكونسرفتوار، وحصلت على شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة الحضارة الإسلامية المفتوحة، واشتهرت بتلحين القصائد الصوفية لابن عربي، ابن الفارض، الجنيد البغدادي، رابعة العدوية وغيرهم.

ونجد أيضا الفلسطينية ريم بنا (1966 – 2018)، التي جابت أغانيها الأرض، ولحّنت لشعراء فلسطينيين وعرب، مثل كمال ناصر، عمر أبوريشة، محمود درويش، إبراهيم طوقان، فدوى طوقان، سميح القاسم وأبوالقاسم الشابي، ويتميز أسلوبها الموسيقي بدمج التهاليل الفلسطينية التراثية بالموسيقى العصرية.

ومن أبرز الملحنات المعروفات الآن: اللبنانيات جاهدة وهبة، رشيدة الحارس، يمنى سابا، ريا وهاب، نادين الباروكي، عبير نعمة، رشيدة الحارث، بشرى الترك، دوللي شاهين، وأماني النوري. والفلسطينيات ريما ترزي، أمل كعوش، كاميليا جبران، ناي البرغوثي ونبيلة معن. والسوريات إلهام أبوالسعود وليال وطفة ورشا رزق. والمغربيتان سلوى الشودري ونبيلة معان. والعراقيتان المغتربتان إنعام والي وسفانة جاسم. واليمنيتان جميلة سعد وشروق. والإماراتية إيمان الهاشمي. والسعودية حنين علي غسال. والمصرية أميرة عامر. والقطرية دانة الفردان.

وقد تكون هؤلاء الملحنات غيضا من فيض، ما يستدعي إعادة النظر في السؤال الذي طرحته في بداية المقال عن ظاهرة قلة عدد النساء في مجال التلحين، إذ ربما ينافسن عدد الرجال من دون أن نشعر بذلك.

15