هل ثمة مساحة للثقافة في وسائل الإعلام

الأربعاء 2015/02/04

في ظل انفجار التكنولوجيا والاتصالات الحديثة، أصبح الإعلام يشكل الأداة الأقوى في التغيير، وفي تشكيل أنماط الحياة ومناهج التفكير والسلوك، وقد واجهت الثقافة والإعلام وبتأثير من العولمة الكثير من التحديات التي غيرت مفاهيم الثقافة الوطنية منها والكونية، وأدى اتساع رقعة البث الفضائي العابر للقارات إلى اختلاط الثقافات وتغير بالمفاهيم بلغ حد اضطرابها، مما أثر على أذواق الناس وسلوكهم بشكل مقلق، وقلبت توجهات المستهلكين المادية.

ولكون الإعلام هو حلقة الوصل بين المنتج الثقافي والمجتمع ، أدى انتشار القنوات الفضائية إلى اكتساح “منتوج الغير” للمنتوج المحلي وصار تدفق ثقافة الغير هو السائد لدى المشاهدين حتى في القرى الصغيرة!! وأصبح قدوة تغوي المشاهدين إلى التقليد المبتذل!

إن الثقافة تعني فيما تعنيه التفكير المنظم ومحاولة اكتشاف القوانين التي تحكم الحياة وتسيرها ووضع التصورات والتحليلات المقنعة لتعليل الظواهر والخروج من ذلك كله بنظام معرفي مبرمج يمنح المجتمع القابلية على التطور والارتقاء في سلم الحضارة. وتبرز الثقافة في سلوك الأفراد والمجتمعات وتفكيرهم وأذواقهم ونمط حياتهم..

إن مصطلح التثقيف مرتبط بالتشذيب والصقل وتهيئة الأرض للزراعة وكلمة ثقافة باللغات الغربية مأخوذة من الكلمة اللاتينية (cultura ) التي لها علاقة بإصلاح الأرض واستعملها الرومان بمعنى تهذيب – ويشكل الإعلام بوسائله وآلياته المعروفة الروافد التي تغذي المجتمع بالرسالة “الثقافية” من خلال وسائل الاتصال (التي صار من وسائلها الحيوية الهاتف المحمول ومواقع التواصل) وللإعلام وظائف متعددة بمعنى الإخبار والإبلاغ والإرشاد والتعليم والإعلان والدعاية والتوثيق مع قدرته العالية على تعميق أو تسطيح أو تغيير بعض الاتجاهات السائدة في المجتمع، لكن وظيفته الأبرز والأهم ينبغي أن تكون التثقيف/ فالمنتج الثقافي ـ مهما كان ـ يحتاج إلى التسويق لضمان ترويجه وانتشاره.

ولا يجد المثقفون بديلا عن وسائل الإعلام لبذر أفكارهم في أرض الواقع.. إذن الإعلام هو المجال الأقرب والألصق بالثقافة. ولكن هل توجد مساحة حقيقية وكاملة للثقافة في وسائل الإعلام؟ هل تمنح البرامج الثقافية على الفضائيات من الاهتمام بعض السخاء الإنتاجي الذي يمنح لبرامج الترفيه التقليدية وبرامج المنوعات المبهرة؟

على ما يبدو أن الجواب (لا) لأن ما يحكم العلاقة بين الثقافة والإعلام شيء أبعد وأعقد وأخطر من قوانين الرقابة الحكومية: إنه رأس المال. إذ أن رغبات الممول صارمة لا يمكن لوسيلة إعلامية أو ثقافية الخروج عليها، فالوسيلة الإعلامية ذاتها بنظر الممول أو المستثمر إنما وجدت لتكون منبره الذاتي يعتليه كيفما يشاء ويخاطب منه الناس باللهجة التي تحقق له مكاسبا وأرباحا معنوية أو سياسية أو مادية – الممول يريد من الوسيلة الإعلامية منافع، فهل له منفعة في الترويج للثقافة؟ وما نوع الثقافة التي يسمح بالترويج لها؟

18