هل حانت ساعة المواجهة بين الرئيس التونسي ورئيس البرلمان

حركة النهضة الإسلامية تعمل على التهدئة بكل الطرق في مواجهة تصعيد الرئيس التونسي، حيث تركت له أمر اختيار رئيس الحكومة القادم.
الأحد 2020/07/26
نهاية حكومة إلياس الفخفاخ دشنت مرحلة القطيعة بين قيس سعيد والنهضة

تونس – زاد الرئيس التونسي قيس سعيد من ضغوطه على حركة النهضة من خلال استدعاء ورقة الاغتيالات السياسية التي حدثت خلال حكمها في 2013 دون أن يتم الكشف عن المنفذين والجهات التي تقف وراءهم، في مؤشر على أن المواجهة بين مؤسسة الرئاسة وحركة النهضة قد باتت وشيكة بسبب اختلافات كثيرة في المواقف والتحالفات والصلاحيات وفي مقاربة الحل لأزمات البلاد.

لكن الخلاف الأبرز يتعلق بالعلاقات الخارجية التي قادت إلى إقالة وزير الخارجية نورالدين الري، في خطوة وصفها متابعون للشأن التونسي بأنها رسالة واضحة تفيد بأن قيس سعيد يحتاج إلى شخصية كاريزمية تقطع الطريق على راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة لاستغلال الملف الخارجي.

والتقى الرئيس قيس سعيد، الجمعة، بالنائب السابق في البرلمان مباركة عواينية أرملة القيادي القومي محمد البراهمي، الذي تم اغتياله في 25 يوليو 2013. وقال موقع رئاسة الجمهورية التونسية على فيسبوك إن قيس سعيد اطلع على آخر المستجدات المتعلقة بقضية الاغتيال، و”العراقيل التي حالت دون عملية الكشف عن الحقيقة”.

وأكد الرئيس سعيد بالمناسبة حرصه على أن “توفر الدولة كل إمكانياتها لكشف الحقيقة كاملة” المتعلقة باغتيال البراهمي ومن قبله القيادي اليساري البارز شكري بلعيد، مجددا حرصه على “تطبيق القانون على الجميع دون استثناء”.

وقالت أوساط سياسية تونسية إن اللقاء مع أرملة البراهمي كان رسالة مباشرة إلى النهضة التي كانت تعتقد أن القضية قد تم التخلص منها من خلال إغراقها في الإجراءات القانونية الطويلة، وكأنها قضية عادية وليست قضية سياسية يكون استقرار تونس مرهونا بفك غموضها ومعاقبة المنفذين وداعميهم.

ومثلت قضية اغتيال البراهمي وبلعيد عامل ضغط قوي على حركة النهضة وقادتها إلى تقديم تنازلات بينها تسليم الحكم في 2013 لحكومة وحدة وطنية، وسط اتهامات لها بالتدخل في المسار القضائي لإفراغ القضية من بعدها السياسي.

عدنان منصر: أتوقع أن يضرب الرئيس في صراعه مع النهضة في أكثر من اتجاه
عدنان منصر: أتوقع أن يضرب الرئيس في صراعه مع النهضة في أكثر من اتجاه

وبعد لقاء الرئيس سعيد مع أرملة البراهمي أصدرت حركة النهضة بيانا هاجمت فيه إعادة فتح الموضوع وما أسمته “التوظيف الإعلامي والاستثمار” في قضية الاغتيالات، والحلول “مكان الهيئات القضائية المعنيّة وإطلاق الاتهامات جزافا، بما يعمق الإساءة إلى المرفق القضائي وإلى مؤسسات الدولة عموما”.

وكان الرئيس سعيد أثار قبل ذلك مسألة إخفاء ملف قضائي يتعلق بحادث سيارة لوزير نهضاوي فيه تدليس وتستر على تفاصيل القضية، في حركة قال مراقبون إن الهدف منها توجيه إشارات قوية للنهضة مفادها أن رئاسة الجمهورية ستفتح كل الملفات مثار الشكوك وستحرر القضاء من الضغوط والتوظيف السياسي.

وبدا واضحا أن نهاية حكومة إلياس الفخفاخ المحسوبة على الرئيس قد دشنت مرحلة القطيعة بين قيس سعيد والنهضة، التي بذلت ما في وسعها لإسقاط الحكومة وتفكيك التحالف الحزبي الداعم لها، وهو تحالف كان أقرب إلى أفكار الرئيس، في حين كان رئيس البرلمان راشد الغنوشي يضغط لتوسيع هذا التحالف ليضم حزب قلب تونس الذي يرأسه نبيل القروي منافس سعيد في الدور الثاني من انتخابات أكتوبر الماضي، في رسالة مستفزة للرئيس.

وبات الحديث عن المواجهة بين مؤسسة الرئاسة ومؤسسة البرلمان شائعا في الساحة السياسية، فقد حذر أحمد نجيب الشابي، السياسي والمعارض البارز في العهد السابق، من أن تقود الخلافات بين النهضة وقيس سعيد إلى مواجهة حامية.

ولئن حمّل الشابي “الإسلام السياسي”، متمثلا في حركة النهضة، مسؤولية “الأزمة السياسية منذ سنة 2011، ومصادرة الدولة وإخضاعها إلى المحاصصات الحزبية”، فإنه تمنى ألا يتزعم “رئيس الدولة هذا الصراع وهو المحمول على صيانة وحدة البلاد وسلامتها وحرية أبنائها، وصون أمنها القومي من كل تهديد”.

وقال الشابي في مقال له إن “مقاومة الإسلامي السياسي تقتضي قيام أوسع جبهة سياسية على أرضية ديمقراطية واجتماعية، وهو عمل مضن وطويل وليس من وسيلة لاختصار الطريق سوى التقيد بالآجال الدستورية وبالقوانين الضامنة للحرية والسلم”.

من جهته، توقع عدنان منصر (قيادي سابق في حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي رأسه الرئيس السابق منصف المرزوقي) أن يضرب قيس سعيد في صراعه مع النهضة “في أكثر من اتجاه، وأن التغطية المطلوبة لهكذا ضربات متوفرة: إعلام غير منزعج، مزاج شعبي يضيق كل يوم ذرعا بأداء البرلمان، منظمة اجتماعية قوية في وضعية تحالف معه، وقوى سياسية أخرى ستدافع عن حق الرئيس في تأويل الدستور”.

أحمد نجيب الشابي: أتمنى ألا يتزعم الرئيس سعيد المواجهة مع الإسلام السياسي
أحمد نجيب الشابي: أتمنى ألا يتزعم الرئيس سعيد المواجهة مع الإسلام السياسي

وقال منصر إن الرئيس سعيد “بدأ منذ مدة في تحضير المؤسستين الأمنية والعسكرية نفسيا لإسناد هكذا دور”، وإن “علينا الآن فقط أن ننتظر بلاغ الرئاسة حول الخطاب الذي سيتوجه به الرئيس للشعب”، في إشارة واضحة إلى قرب التحرك الرئاسي باعتماد غطاء الخطر الداهم الذي يهدد الدولة.

وفي مقابل هذا التصعيد، تعمل النهضة على التهدئة بكل الطرق من خلال ترك أمر اختيار رئيس الحكومة للرئيس سعيد، وعرض الغنوشي نفسه على جلسة سحب الثقة منه كرئيس للبرلمان المقررة في 30 يوليو حاسما جدلا حول التفاصيل القانونية بين الكتل النيابية.

وجاء في بيان النهضة، السبت، أنها “تؤكد دعوتها كل مكونات الساحة السياسية إلى التهدئة والحوار، وإلى الالتزام بنهج التوافق ودعم مقومات الوحدة الوطنية وعوامل الاستقرار، وتجنب التحريض ونزوعات الإقصاء”.

لكن هذه التهدئة لن تقدر على نار الخلافات التي أشعلتها النهضة و”الذباب الإلكتروني” التابع لها على مواقع التواصل الاجتماعي بالهجوم على الرئيس سعيد والتشكيك في خبراته وقدرته على إدارة الملفات، وخاصة الملف الخارجي الذي تحرك فيه الغنوشي بقوة في الأيام الأولى لتولي سعيد الرئاسة وسعى إلى فرض أجندات إقليمية على تونس.

لكن الرئيس التونسي رد بقوة وعمل على الإمساك بمختلف الملفات الدبلوماسية، وخاصة الملف الليبي، وآخر تلك الخطوات إقالة وزير الخارجية لقطع الطريق أمام أي رخاوة في الموقف التونسي من قضية حساسة على أمن تونس، والتأكيد على أن جبهة الرئيس لا تحتمل وجود شخصية تكميلية.

وينتظر أن يختار قيس سعيد شخصية كاريزمية في وزارة الخارجية تقطع الطريق تماما على الغنوشي والنهضة لاستغلال الملف الخارجي في جر تونس إلى سياسة المحاور.

1