هل حان أوان الصفقة

السبت 2013/12/07

ماهو مسارها ومصيرها، وما مدى تأثيرها على السوريين؟ بمعنى هل ستكون في مصلحتهم أم أنها ستنبني بطريقة وصيغة تؤدي إلى الإضرار بهم وبقضيتهم؟ هل تسمح ظروف الشعب السوري وموازين القوى على الأرض بإنتاج صيغة سياسية وقانونية تنهي مأساتهم وتعيد لهم حقوقهم وتنصفهم من القوى والأطراف التي اشتركت في صناعة عذاباتهم؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد تسوية أوضاع معينة في الأزمة واختراع حلول تلفيقية تلبي حاجة البيئة الدولية لمثل هذا النمط من الاتفاقيات ولا تهتم بالمصير السوري وحيثياته واستحقاقاته؟

المناخان الدولي والإقليمي يشيران إلى اكتمال عُدة الصفقة الدولية وجهوزيتها. ثمة إجراءات وترتيبات كشفت بعض أسرار الصفقة، صفقات الكيماوي والنووي ليست سوى خواتيم لمقدمات جرى صنعها في أوقات سابقة، وبموازاتها كانت نيران الحدث تلتهم سوريا، وتفيض بين الحين والآخر على الجوار. ومن دون شك، فإن حالة «الإستاتيكو» الميداني وطاقة العنف الهائلة التي أظهرها الصراع، أقنعت أطراف اللعبة الدولية بتغيير قواعد الاشتباك على الأرض السورية، بعد أن تبين استحالة الحسم أو إمكانية تعويم طرف بمواجهة الآخر، وهو الأمر الذي استدعى حتما البحث عن مخارج جديدة للأزمة، في ظل حالة استنزاف القوة التي عاشتها بعض الأطراف نتيجة انخراطها المباشر في الأزمة. إضافة إلى ذلك أخذت بعض الأطراف تتحسس مدى الخطورة الكامنة في استمرار العبث بالأزمة السورية، أو استمرار التعامل معها بوصفها فرصة لتعظيم المكاسب والمزايا، كل طرف حسب رؤيته وتصوراته.

ومما لا شك أيضا أن لكل الأطراف المنخرطة بالأزمة، حساباتها الخاصة، ولا يعني التحليل السابق أن الأطراف كلها انهزمت أو خسرت رهاناتها كلياً على أرض المعركة، بل العكس هو الصحيح، إذ تؤكد الخبرة التاريخية أن اللحظات التي تسبق إعلان الاتفاقيات هي اللحظات الأكثر شراسة في سياق الصراع، وذلك في محاولة أخيرة لتثبيت مكاسبها وتدعيم أوراقها التساومية في حلبة التفاوض، وهو على العموم ما ينعكس في هذه المرحلة على أرض الميدان الذي يشهد تصعيداً حاداً في العمليات القتالية ومعارك الكر والفر، وخاصة في جبهة النظام وحلفاءه الذين يتعاطون مع الحدث بإدراك سياسي أعلى وواقعية سياسية واضحة، مقابل جبهة الثوار التي يحركها إحساسها بصوابية موقفها وحتمية انتصارها، لما يمثله ذلك من انتصار لإرادة الشعب الذي تمثله. غير أن الأطراف الإقليمية والدولية السائرة في طريق بناء بيئة جديدة للصراع السوري تتضمن إعادة تموضعها في الحدث وطريقة مقاربتها له، تنطلق في ذلك بناءً على تقديراتها للمخاطر والفرص التي قد ينطوي عليها استمرار الصراع بنمطيته الحالية، أو تحريك بعض عناصره بحيث يمكن توظيفها والاستفادة منها في عملية التفاوض، وكذا من حسابات أخرى تنطوي على مدى إدراكها لعنصر الزمن، وما إذا كانت اللحظة مناسبة لإنجاز الصفقة والخروج بنتائج معقولة، إذ أنه في السياسة لا يوجد خيارات جيّدة دائما، بقدر ما تتوفر خيارات أقل سوءا من غيرها.

ولدى استعراض أوضاع مختلف الأطراف المعنية بالأزمة وظروفها، يتبين أنها ودون استثناء تصدر عن ضغوط أزموية معقدة، سواء نتيجة ظروفها الموضوعية، مثل إيران والعراق، أو جرّاء ما أضافته الأزمة السورية من تعقيدات في وضعها وموقفها، مثل روسيا وإيران، وبالتالي فهي لا تملك رفاهية الاختيار بين أكثر من متعدد، كما أنها استنزفت كامل طاقتها في المناورة على طول الأزمة. وبالتالي فإن الإدراك السياسي لدى هذه الأطراف يتجه إلى البحث عن توافقات جديدة للخروج من الأزمة عبر بعض المكاسب التي يمكن جنيها من ملفات أخرى، على اعتبار أن سورية لم تعد أرضا للفرص، وعلى العكس، الجميع سوف يمارس عملية الهروب من أية محاولة لتلزيمه بإصلاح ما تخرب في سوريا على مدار المرحلة السابقة.

هل يعني ذلك أننا قد نشهد تخلياً عن الأسد في المرحلة المقبلة؟ ثمة مؤشرات بدأت تصب في هذا الاتجاه، لكن الواضح أن التخلي سيتم ضمن صفقة تضمن وجود بعض مؤيدي الأسد في السلطة وحماية جميع مؤيديه من أية محاسبة لاحقة، على أن تتكفل بعض الدول الحليفة للأسد بإيوائه وضمان عدم ملاحقته مستقبلاً، شرط أن يتم الاتفاق على تشكيل قوة سورية لمحاربة الأذرع المتطرفة والمستدخلة على الحدث السوري، وبهذه الطريقة تخرج جميع الأطراف غير منهزمة.

هو أوان الصفقات وزمانها، الأزمة السورية أنهت وظائفها الإقليمية والدولية، لم يبق إلا انتظار الاحتفالية الكبرى في جنيف أو سواها لإعلان حالة الانفكاك عن الأزمة. غير أن ذلك لا يعني بالضرورة نهاية الأزمة السورية، فكثير من الأزمات التي بقيت تنزف دماً بعيداً عن العين الدولية واهتماماتها، فهل من ذكر أن الصومال والكونغو يعيشان بسلام؟


كاتب سوري

8