هل حان الوقت لإعادة صياغة دور العشيرة السياسي في الأردن

تعتبر العشيرة مكونا أساسيا في التركيبة السياسية والاجتماعية الأردنية، وبالتالي فإن أي انتقاد لها هو في نظر الكثيرين من أبنائها مس بالدولة، وهذا ما يفسر الهجمة التي طالت رئيس مجلس الأعيان على خلفية تصريح له حمّل العشائرية جزءا من المسؤولية عن تعثر الإصلاح السياسي.
الثلاثاء 2017/10/17
العشيرة صمام أمان

عمان - أثارت تصريحات رئيس مجلس الأعيان الأردني فيصل الفايز بشأن دور العشيرة في المنظومة السياسية الأردنية جدلا صاخبا اضطر معه الأخير للخروج وتوضيح موقفه والسياق الذي أتت فيه تلك التصريحات.

وكان الفايز قد حمل، خلال ندوة نظمها مركز الشفافية، العشائرية جانبا من المسؤولية عن تعثر عملية الإصلاح السياسي التي كان أعلن عنها الملك عبدالله الثاني.

واستفز تصريح الفايز الذي ينحدر من صفوة العشائر الأردنية (بني صخر) العديد من المثقفين والسياسيين الذين رأوا في تصريحاته تنكرا لدور العشيرة في بناء الدولة وفي الحفاظ على استقرارها.

وتساءل هؤلاء كيف لشخصية سياسية وازنة خرجت من رحم عشيرة قوية أن تصدح بهكذا تصريحات تسيء لمؤسسة اجتماعية ضاربة في تاريخ المنطقة والمملكة الأردنية بشكل خاص، حيث أن مؤسسها الملك عبدالله الأول بن حسين ينتمي إلى عشيرة بني هاشم.

هذا الهجوم العنيف دفع الفايز إلى إصدار بيان أكد خلاله أن “العشائر هي من أهم مؤسسات الدولة الأردنية وخرجت منها الزعامات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وشكلت الهوية الوطنية الجامعة، وعملت مع قيادتها، من أجل نماء الوطن وازدهاره وتطوره”.

وأوضح الفايز أن تصريحه المثير جاء ردا على سؤال حول السبب الذي يحول دون الإصلاح السياسي والذي من بنوده تشكيل حكومات برلمانية حيث أجاب أنه “لا يمكن فصل الإصلاح السياسي عن ثقافة الشعوب، فالمجتمع الأردني مجتمع عشائري شئنا أم أبينا، ولاؤنا الأول للدولة والملك والعرش، وولاؤنا الثاني للعشيرة”.

وتابع “هذه كانت إجابتي على السؤال وبشكل واضح، وبالتالي لم تكن هناك أي إساءة لعشائرنا التي أفتخر وأعتز بها، فأنا ابن قبيلة بني صخر، التي لها تاريخها الوطني، كحال العشائر الأردنية”.

محاولة الفايز توضيح مقاصده من ربط العشائرية بالإصلاح السياسي، لم تجد طريقها إلى قلوب الكثيرين الذين استمروا في توجيه انتقادات له في ظل قناعة لديهم بأن العشيرة هي أحد المحرمات التي لا يجوز المساس بها أو الاقتراب منها بأي شكل من الأشكال.

وذهب البعض حتى إعطائها صبغة “مؤامراتية”، معتبرين أن هدفها جس نبض الأردنيين حيال مشاريع إقليمية تحضر لهم بالغرف المغلقة.

ويرى مراقبون أن تصريحات رئيس مجلس الأعيان شكلت صدمة في الأوساط السياسية والمجتمعية الأردنية، حيث أن هذه المرة الأولى التي يوجه فيها مسؤول كبير انتقادا لدور العشيرة، وبغض النظر عما كان يرمي إليه إلا أنه بالفعل أصاب وترا حساسا وجب النظر فيه.

سامح المحاريق: يجب إعادة صياغة دور العشائر ضمن اللامركزية ومن خلال مفاهيم جديدة

ويقول في هذا الإطار المختص في الشأن الأردني سامح المحاريق لـ”العرب” “تصريحات رئيس مجلس الأعيان أتت لتعيد للواجهة الحوار حول دور العشيرة من خلال سوء التفسير والتأويل لمقولته التي اضطر لإعادة تفسير معانيها في بيان له، والفايز يعتبر قائدا لواحدة من أكبر عشائر الأردن بجانب وضعه السياسي، إلا أن طرحه أتى لتوضع العشيرة في غير التناقض مع مشروع الدولة، ولم يكن يعني بالطبع استهداف دور العشيرة في المجتمع الأردني، خاصة أن الوقت ليس مناسبا لإجراء يتوجه بالتفكيك لمكون جوهري في الحياة الأردنية في ظل تخوفات من مشاريع إقليمية يمكن أن تستهدف الأردن”.

ومعلوم أن للعشيرة دورا كبيرا في التركيبة الاجتماعية والسياسية الأردنية، وقد لعبت دورا محوريا في استقرار الدولة، حتى أن الملك حسين بن طلال الراحل كان يصف العشيرة في مجالسه بـ”العزوة” (السند).

وبحكم المنظومة القيمية والأخلاقية التي تسير بها العشيرة، فإن العديد من المسائل كان ولا يزال يتم حلها عن طريق الاحتكام إلى سلطتها ومنها الخلافات بين الأفراد أو الجماعات، دون العودة إلى المؤسسات الأخرى للدولة.

ولأبناء العشائر الأردنية حضور طاغ في الحياة السياسية حيث أنهم يشكلون غالبية أعضاء مجلس النواب، فضلا عن وجودهم في مجلس الأعيان المرتبط بالملك، وفي الحكومات المتعاقبة التي وإن كانت تحمل صبغة تكنوقراطية إلا أن العديد من وزرائها من حواضن عشائرية.

وهكذا فإن العشائر الأردنية لها ثقل كبير في الحياة العامة الأردنية، وهذا وإن كانت له إيجابياته، بيد أنه لا يمكن الإغفال عن بعض مظاهره السلبية، حيث توجه في الكثير من الأحيان اتهامات لمسؤولين بإعلاء مصلحة العشيرة على حساب الوطن، عبر نشر منطق المحسوبية، وما ينجر عنها من فساد بات يخلخل هيكل الدولة.

وفي ظل هذا الواقع وصل الأردن اليوم إلى وضع صعب جدا على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي ما دفع الحكومة وبضوء أخضر من الملك عبدالله الثاني إلى إعلان الحرب على الفساد والتأكيد على أن أي طرف ودون استثناء يخضع لسلطة القانون في حال ارتكب أي تجاوز، بالتوازي مع اتباع خطة إصلاحية لإنعاش الاقتصاد الذي هو في وضع المحتضر.

وفي ظل حالة الاستنفار هذه فإن مسألة الإصلاح السياسي تراجعت نقاطا إلى الخلف، وهذا يراه البعض أنه يصب في صالح بعض الأطراف ومنها التي لها انتماءات عشائرية والتي كانت تنظر بقلق شديد إلى تداعيات الإصلاحات السياسية على مصالحها.

ويوضح سامح المحاريق “للعشيرة دور مؤثر في المشهد الأردني فهي الممسكة بزمام السلطة التشريعية، كما أن العشيرة عامل مؤثر في وجبة المحاصصة الخاصة بتشكيل الحكومات، وبالطبع يشكل ذلك عائقا أمام الإصلاح لأن العشيرة تدخل في تشكيل النخبة من خلال فئة محدودة من أبنائها تستثمر الثقل العشائري لمصالحها الخاصة ومن مصلحتها استمرار الوضع الراهن”.

ويرى المحلل الأردني أنه “يجب إعادة صياغة دور العشائر ضمن اللامركزية ومن خلال مفاهيم جديدة وممارسات مختلفة عن السائد، والقضية تدخل بشكل عام في جدلية عدم وضوح الرؤية وعدم التأكد ومدى قدرة الأردن على مواجهة ضغط الوقت في ترتيبات المنطقة لمرحلة ما بعد الربيع العربي”.

ويعتبر موالون للعشيرة أن هناك تعسفا كبيرا على الأخيرة، لافتين إلى أن الأزمات التي يشهدها الأردن ليست هي المسؤولة عنها بل مؤسسات الدولة وعلى رأسها الحكومات التي أثبتت عجزها عن إدارة الشأن العام.

ويلفت هؤلاء إلى أنه ليس من العدل إلقاء كامل مسؤولية حالة الترهل السياسي التي بلغها الأردن على العشائر، فالمسؤولية مشتركة تتحمل الأحزاب جزءا رئيسيا منها، حيث أنها عجزت على مدار سنوات عن استنباط خطاب قادر على أن يصل إلى قلب المواطن.

ويشددون على أن مطلب الحكومات البرلمانية التي يتشدق البعض من النخبة السياسية به هم السبب في جعله بعيد المنال، بسبب عدم نجاحهم في تشكيل جبهة قوية قادرة على فرض نفسها في البرلمان.

وأعلن مساء الأحد الماضي عن حل أحد أبرز الأحزاب الوطنية الأردنية وهو حزب التيار الوطني. وعزا رئيسه عبدالهادي المجالي القرار الصادم إلى غياب إرادة سياسية للعمل الحزبي الذي بات كعمل ديكوري فحسب.

ويرى سياسيون أن حل حزب التيار الوطني، هو بمثابة إعلان وفاة مشروع الحكومات البرلمانية في مهده.

2