هل حان الوقت لطرد تركيا من حلف الناتو؟

الخميس 2018/02/01
تركيا تدير ظهرها للحلفاء

واشنطن – منذ أكثر من ستة عقود انضمت تركيا إلى حلف شمال الأطلسي ومع مرور السنوات أصبحت قوة رئيسية في الحلف. ويرجع البعض قوة تركيا في حلف الناتو من بين الأسباب التي تضبط أي موقف أميركي أو أوروبي من تركيا وسياساتها، لكن اليوم تتمادى تركيا في سياستها التي تتعارض مع المبادئ الرئيسية لحلف الناتو، ما يدفع الكثير من السياسيين والباحثين إلى الحديث عن "طرد" تركيا من حلف شمال الأطلسي.

ويأتي المقال الذي نشره الباحث الأميركي مايكل ج. توتون، في مجلة وورلد أفيرز، ضمن صف المنادين بهذا الأمر، مشيرا إلى أن أنقرة خرقت الكثير من شروط معاهدة تأسيس الناتو، باكتشاف تورطها في دعم جماعات وشخصيات مصنفة على قائمة التنظيمات الإرهابية وتدخلها في شؤون دول أخرى، وعدم الالتزام بحماية حرية وتراث وحضارة شعوبها القائمة على مبادئ الديمقراطية والحرية الفردية وسيادة القانون، وحربها الراهنة في عفرين السورية أحدث الانتهاكات المسجلة مع تواصل سياسة القمع الممنهج منذ انقلاب صيف 2016 الفاشل.

عندما أعلنت واشنطن عن دعمها لقوة أمن حدودي مستمدة أساسا من وحدات حماية الشعب الكردية في شمال سوريا على امتداد الحدود التركية، رد الرئيس رجب طيب أردوغان بأنه “سيخنق” تلك القوة المدعومة من الولايات المتحدة “حتى قبل أن تولد”.

وحدات حماية الشعب، إلى جانب القوات الديمقراطية السورية متعددة الإثنيات التي تهيمن عليها وحدات حماية الشعب، هي المجموعات الوحيدة من أصل سوري المستعدة والقادرة على مجابهة داعش والانتصار، وهي الفصيل المسلح الكبير الوحيد في الحرب الأهلية السورية المذهلة غير المعادية أيديولوجيا للغرب.

في أكتوبر من السنة الماضية حررت أخيرا الرقة “عاصمة الخلافة” لدى داعش، بينما كانت القوات المسلحة الروسية والسورية منهمكة في قصف المتمردين في الجهة الغربية من البلاد.

ويضيف أردوغان أن “الولايات المتحدة تبني جيشا من الإرهاب على طول الحدود الجنوبية”، مهددا “إما أن تنزعوا راياتكم عن هذه التنظيمات الإرهابية (في إشارة إلى راية القوات الكردية)، وإما سنكون مجبرين على تسليم هذه الرايات لكم، فلا تجبرونا على ردم من هم مع الإرهابيين”.

الناتو لا ينكر بأن المملكة المتحدة أو كندا لم تعد تنتمي إلى الناتو، بل ينكر فقط بأن عضوية تركيا مشكوك فيها، وهي طريقة مختلفة للقول بأنها كذلك

ويعلق مايكل ج.توتون على هذه التصريحات بأنها “ليست هذه هي الطريقة التي يتصرف بها حليف في الناتو، بل هي طريقة تصرف عدو. وبصدق ليس هناك مجال للالتفاف وتبرير هذا السلوك.

ويضيف “هجوم تركي مباشر ضد الولايات المتحدة سيكون بكل وضوح متجاوزا للحدود، سواء كانت هذه الحدود مضبوطة أم لا، مثلما هو الحال بالنسبة إلى هجوم مباشر ضد بلد عضو في الناتو. أما شن هجوم على حليف من خارج الناتو فهو الأكثر غموضا”.

لكن لم يكن شيء من هذا متوقعا عند تأسيس حلف الناتو في سنة 1949 أو عند قبول تركيا في سنة 1952. لقد تأسس الناتو كجبهة غربية موحدة ضد الاتحاد السوفييتي الذي احتل أو سيطر بشكل غير مباشر على نصف أوروبا بما في ذلك ثلث ألمانيا.

في ذلك الوقت لم تكن أيا من الجمهورية الإسلامية الإيرانية ولا نظام حزب البعث السوري ولا الحركات الانفصالية الكردية ولا داعش موجودا، ولم تكن هناك إمكانية تصور حتى لأي منها ما عدا الحركات الكردية.

لقد تغير العالم بشكل كبير، وكذلك الشأن بالنسبة إلى الناتو. في سنة 1952 كانت تركيا عضوا مهما في وضع جيد، بينما كانت إستونيا جزءا من الاتحاد السوفييتي. وفي 2018 أصبحت إستونيا عضوا في وضع جيد بينما تتصرف تركيا مثل محارب.

من المفترض أن لا أحد يتفاجأ بتحول الأحلاف بعد مرور سبعة عقود، فالأحلاف دائما تتحول مع مرور الزمن ليصبح الأعداء أصدقاء والعكس بالعكس. حتى بريطانيا نفسها لم تكن صديقا دائما للولايات المتحدة، ولم تكن حتى روسيا عدوا دائما.

تغييرات كهذه تحدث بشكل بطيء، والغرب يمر بوقت عصيب لاستيعاب حقيقة أن تركيا تصبح تدريجيا أكثر عدائية، على الرغم من أنها كانت كذلك منذ مدة. بدأ ذلك عندما رفضت تركيا استخدام أراضيها، بما في ذلك قاعدة إنجرليك الجوية، خلال الحرب ضد صدام حسين، والسبب في غالبه يعود إلى أن تركيا لم تكن ترغب في أن تصبح كردستان مركز قوة اقتصادية وعسكرية.

ولاحقا ساعد أردوغان إيران في نقل أسلحة إلى حزب الله في لبنان وأيّد داعش بشكل ضمني في سوريا لأنه لم يكن يرغب في نشأة إقليم كردي مستقل في سوريا مثلما حدث في العراق.

ومؤخرا ارتهن المواطنين الأميركيين واشترى نظام صواريخ من الكرملين. والآن هو يهدد بتدمير الميليشيا الكفء الوحيدة الموالية للغرب في كامل سوريا. في أغسطس الماضي لما كان أردوغان في زيارة إلى “صديقه العزيز” فلادمير بوتين في موسكو، نشر الناتو بيانا جاء فيه “تركيا هي حليف موضع احترام ويقدم مساهمات كبيرة.. إن عضوية تركيا في حلف الناتو ليست محل تشكيك”.

يقف مايكل عند هذا الكلام، قائلا “بالطبع عضوية تركيا في الحلف هي محل تشكيك، وإلا لماذا تكلف عناء إنكار ذلك؟ الناتو لا ينكر بأن المملكة المتحدة أو كندا لم تعد تنتمي إلى الناتو، بل ينكر فقط بأن عضوية تركيا مشكوك فيها، وهي طريقة مختلفة للقول بأنها كذلك. على كل حال، يمكنك نقر عبارة ‘تركيا خارج الناتو’ على موقع غوغل لتقضي سنة في تصفح النتائج”. ويستمر البيان في القول “تحالفنا ملتزم بالدفاع المشترك وأقيم على مبادئ الديمقراطية والحرية الفردية وحقوق الإنسان وحكم القانون”.

وبالفعل أقيم التحالف على هذه المبادئ، وتركيا التي تزداد توجها إلى النزعة الاستبدادية لم تعد تتمسك بأي منها. ولو لم تكن تركيا داخل الناتو ما كانت لتقبل، إذن آن الأوان لكي يجري الناتو نقاشا جديا حول مقاييس الطرد، فذلك لوحده يمكن أن يحسن سلوك تركيا. وإن لم يفعل ستكون أمامنا خيارات أخرى.

6