هل حان وقت فك ارتباط السعودية بالدعوة السلفية؟

الأربعاء 2013/09/18
في البدء كانت "الدرعية" ثم استمر التماهي بين الدولة والدعوة

لئن نهضت الدعوة السلفية طيلة قرون بمهمة توفير الأرضية الفكرية والدينية والتشريعية للدولة السعودية، ومثلت مصدّا متينا في وجه الرياح السياسية التي هبّت على المنطقة، إلا أن عديد الآراء والأصوات النابعة أساسا من داخل المملكة (فضلا عن خارجها) بدأت تجاهرُ بالدعوة إلى ضرورة أن تفكّ المملكة السعودية ارتباطها التاريخي بالدعوة السلفية المستمدّة من مدوّنة محمد ابن عبدالوهاب.

كانت مبررات هذه الدعوات تنبع أساسا من أن المملكة السعودية تشهد تطورا ملحوظا منذ عقود، وأن هذا التطور لم يعد يتلائم مع لاحظته عديد القراءات من «سكونية» تشوب الدعوة السلفية.

بل إن البعض لاحظ أن المدرسة السلفية أصبحت تمثل عائقا أمام التطوّر المجتمعي والسياسي الذي يجبُ أن تعيشه المملكة، بالنظر لما تمثله من وزن سياسي واستراتيجي في المنطقة، وباعتبار توفرها على ثروات طبيعية وبشرية هائلة، ولضرورة مواكبتها لتطوّرات يشهدها العالم، ولا يعقل أن تكون السعودية للأسباب المجتمعة السالفة الذكر خارج نسقها.

الملاحظُ في هذا الصدد أن الساحة السياسية والفكرية والدينية السعودية، انقسمت بين تيارين أساسيين في ما يتعلق بهذه القضية؛ التيار الأول ينادي بضرورة فكّ الارتباط بين الدولة والدعوة، انطلاقا من أسباب أسلفنا ذكرها وغيرها من الدواعي. أما التيار الثاني فيرى أن الدعوة السلفية تمثل مقوّما أساسيا من مقومات وجود الدولة السعودية ذاتها ولا يمكن فصل «الجسد عن الروح».

ولاشكّ أن التيارين (بما يحتويانه من درجات داخل كل منهما) يعكسان الجدل السياسي والفكري المحتدم في المملكة منذ عقود، والذي يرتفع منسوبه بالارتباط بالأحداث المجتمعية التي تسود المجتمع، أو بالأحداث السياسية التي تهيمن على العالم وترتبط خاصة بالمد الجهادي المتطرف، والحالة الأولى الداخلية أو الثانية الخارجية تعيدان طرح السؤال عن مدى أو جدوى أو ضرورة المحافظة على الصلة التاريخية بين الممملكة ومدوّنة محمد ابن عبد الوهاب السلفية.

يمكن استحضار موقف الكاتب والباحث السعودي حمزة بن محمد السالم، كعينة من التيار الذي ينادي بإعادة النظر في علاقة الدولة السعودية بالدعوة السلفية، حيث كتب في مقال معنون «السلفية على فراش الموت» أن «لنواجه الواقع لكي لا تفاجئنا الحقيقة المؤلمة. لم تَعُد دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب اليوم إلا عبئاً على الدولة السعودية، بعد أن كانت مصدراً من مصادر قوّتها وعزّها. فالدعوة قد تخلّفت تخلُّفاً شديداً عن جميع مظاهر التطوُّر الإنساني الهائل الذي حدث في العقود الماضية، بينما واكبت الدولة السعودية الحضارة الحديثة»

لكن السالم وضَّح تصوره المبدئي بأن السلفية تحولت إلى عبءٍ يعوق تطور الدولة، بأن اعتبر أن علل الدعوة السلفية لا تعود إلى مبداها ومنطلقها أو على واضعها وباعصها، وإنما أرجع الأمر على غياب الاجتهاد والتجديد داخل نسقها وبنيتها الفكرية، حيث يقول في المقال ذاته أن «دعوة إمام التوحيد شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء، ولكن قد ظلمها أبناؤها بعدم رعايتها وتجديدها وصيانتها».

وفي تفاعله إلى آثار غياب التجديد في البنية الفكرية السلفية كان دليل السالم على ذلك أن «الشباب الإسلامي محروم من المشاركة الفكرية السياسية والدينية والإدارية، ولذا فالشباب سيصبح تبعاً لمن يسمح له في المشاركة الفكرية أو لمن يُخيّل له أنه مشارك فكرياً. والتحرير من التبعية الدينية هي جوهر دعوة إمام التوحيد، والذي تطبّقه الدعوة السلفية اليوم هو معكوس جوهر دعوة الشيخ رحمه الله».

الملاحظُ أن دعوة الباحث السالم ورغم جرأتها، إلا ان ظلت تنقد الارتباط السعودي- السلفي من داخل المنظومة ذاتها، وردّت الأمر إلى قصور في التجديد والاجتهاد داخل شيوخ السلفية ذاتهم، وهو ما جعله (أي السالم) يختم بيقينه أنه «لن تنفع جهود تمجيد الماضي ومحاولات الدفاع عن دعوة الشيخ رحمه الله، بينما التطبيقات العملية والفقهية تثبت عكس ذلك».

في المعسكر المقابل يصطف فريق واسع من المدافعين الأشاوس عن الدعوة السلفية، ولئن استُبعد هنا المشايخ الذين يدافعون عن الدعوة من منطلقات سياسوية أسلاموية محضة مثل بعض شيوخ ودعاة الإخوان الذين انطلقوا منذ عقود في مغازلة الدولة السعودية وأقطاب الدعوة السلفية، إلا أن ذلك لا ينفي وجود طائفة أخرى من الكتاب والمثقفين السعوديين الذين يرونَ في تواصل الصلة بين الدولة وسلفية محمد ابن عبدالوهاب ضمانة صلبة لاستمرار الدولة، ومن هؤلاء محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ سليل عائلة الشيخ ابن عبدالوهاب وأحد أحفاده الذي يرى في مقاله الموسوم «ما هي دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب؟» أن «دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب- رحمه الله- هي التي قامت عليها شرعية هذه البلاد، وبها وانطلاقاً منها تجذرت وترسخت»، أي أنه يقرّ تصريحا بأن الدولة السعودية تستقي شرعيتها من ارتباطها بدعوة رائد السلفية السعودية، بل هي «شرط بقاء الدولة» الذي وعى به الملك عبدالعزيز ولذلك «كان لا يساوم عليها، ولا على مبادئها وبالذات ما يتعلق بمسائل التوحيد».

يرجع محمد بن عبداللطيف ما تواجهه الدعوة السلفية منذ عقود من نقد (داخلي وخارجي) إلى عدم فهم هؤلاء وأولئك لحقيقة الدعوة السلفية وكنهها، فحسب تصور بن عبد اللطيف «كثير من الأجانب، وللأسف بعض السعوديين أيضاً، لم يفهم حقيقة هذه الدعوة في جوهرها فهماً عميقاً، ولم يُدرك الأسس التي قامت عليها، فيتعاملون معها على اعتبار أنها (مذهب فقهي) في حين أنها دعوة تجديد في تنقية علاقة الإنسان بربه، تقوم وتتأسس على إخلاص الله بالعبادة وحده دون سواه، والابتعاد عن الشرك بكل صوره، وكل ما قد يمس نقاء (التوحيد)، ويُعكر صفاء علاقة الإنسان بربه».

بين البحث في ماهية الدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب (التصوّر الذي يتببناه بن عبداللطيف) واعتبار «السلفية على فراش الموت» بون شاسع يعكس السجال الفكري والديني الذي تعرفه المملكة السعودية، كلما طرأ طارئ سياسي أو فكري أو ديني أو حتى مجتمعي، لكن الملاحظ عند التصوّر الأول والثاني، هو أن كليهما نقد أو دافع من داخل المنظومة نفسها، فاعتبار السلفية عليلة وعلى فراش الموت لم يجرأ على الدعوة الصريحة إلى فك الارتباط الفعلي بين الدولة (كجهاز قانوني ينتمي لقاموس سياسي حديث) وبين الدعوة السلفية (باعتبارها مدرسة فكرية تنتمي لمدوّنة الرؤى الدينية)، أما المدافع فلم يستحضر في دفاعه ثوابت قانونية أو فكرية مغايرة للنمط السلفي الذي ينهل من معين مدوّنة بن عبدالوهاب.

الثابتُ أن طرح مسألة الارتباط بين الدولة والدعوة، يمثل بذاته خلخلة للمفاهيم الثابتة العصية على الاقتحام، لما تمثله من تشعب باعتبار تداخل عوامل التاريخ والدين والسياسة. لكن ذلك لا يحول دون طرح أسئلة جريئة من قبيل؛ هل أن التطور الذي تعيشه المملكة السعودية يواكبه تغيّر في المنظومات القيمية والتشريعية والدينية المستمدة كلها من مدونة بن عبدالوهاب؟

13