هل حان وقت قطاف مولدوفيا لبوتين

الخميس 2014/05/01

مؤخرا تم تعيين فاليريو ترونكو وزيرا للدفاع في مولدافيا – الجمهورية السوفياتية سابقا، الساحرة بمناظرها، ولكن سيئة الحظ بسبب موقعها بين أوكرانيا ورومانيا. وترونكو مسؤول سجن سابق تظهر عليه علامات الشدة والصرامة. بدا لي من مسافة قريبة رجلا لطيفا، لكن اكتشفت لا مبالاة كبيرة واستخفافا منه عندما رفض الإجابة عن سؤالي بعد حفل تنصيبه.

خلال تواجدي في رحلة إلى كل من مولدافيا وأوكرانيا في وقت سابق من هذا الشهر، كنت قد دعيت لمشاهدة هذا العرض الهزلي: صف من البيروقراطيين في منتصف العمر يقفون غير مبالين بمن يسمعهم، عدد من الملاحظات الموجزة، وعزف النشيد الوطني لجمهورية مولدافيا، ثم ينحنون ويقبلون العلم الوطني قبلة خفيفة غريبة ويؤدون القسم بالدفاع عن الأمة”.

وهذا ليس بالوعد السهل. ويمكن أن نجزم، ودون تحفظ، أن روسيا، التي تبدو عازمة على ابتلاع أوكرانيا، تنوي القيام بالعمل نفسه مع مولدافيا. وبعد تبادل النخب، انصرف ترونكو، ولكني لحقت به في الرواق. وكان سؤالي الذي أزعجه هو : “كم تبلغ عدد القوات المسلحة لمولدافيا؟”.

نظر في وجهي برهة طويلة وقال “أربعة آلاف أو خمسة آلاف”. وعلى الفور تبادر إلى ذهني سؤالان ولكني لم أطرح أيا منهما. الأول كان “كم يبلغ العدد تحديدا أربعة آلاف أو خمسة آلاف؟”. يبدو الفارق كبيرا بين العددين. وكان السؤال الثاني: “أهذا كل ما لديكم؟”.

وبدلا من ذلك، كان سؤالي لترونكو كما يلي: “اعتبارا للوضع الحالي في المنطقة وبالنظر إلى أن روسيا لديها في الوقت الحالي 2000 جندي في ترانسنيستريا” – الدويلة الصغيرة الشيوعية الانفصالية على الجانب الآخر من نهر دنيستر، والتي لم تعترف باستقلالها سوى ثلاث دول صغيرة منشقة ومركزها روسيا- “هل أنتم جاهزون حقا للدفاع عن بلدكم”؟

أجابني: “نحن نسعى إلى أن نكون مستعدين. هذه هي مهمتي، أن نكون على استعداد”. ثم أسرع بعيدا، وأعتقد بهدف التحضير لهذه الجاهزية والاستعداد.

وفي وقت لاحق من بعد ظهر ذلك اليوم، ذهبت إلى المبنى الرئيسي للحكومة، الواقع في الساحة المركزية من كيشيناو (المدينة المعروفة في روسيا باسم كيشيناف). وكان مقر الحكومة عبارة عن هيكل عظيم موروث من الحقبة السوفيتية يضم عددا من المكاتب بأسقفها العالية، التي تعصف في وسطها الرياح، والممرات الممتدة بلا نهاية، ذهبت إلى مكتب في نهايتها لأطرح على رئيس الوزراء، ايوري لينكا، نفس السؤال: “هل أنت مستعد لما هو آت؟”.

فأجابني “بصراحة لا نعول على الجاهزية لمقاومة التدخل العسكري الخارجي”. وأضاف “انظر على سبيل المثال إلى الوضع في أوكرانيا. الجيش الأوكراني أكبر بكثير من الجيش في مولدافيا. إنه ليس حلا عمليا. ما نعول عليه هو تخفيف التصعيد في هذا الوضع. ونأمل من الجميع، وخصوصا في الشرق، أن يدركوا أن هذا التوتر ليس جيدا لأحد “– فتفكيك روسيا البطيء لأوكرانيا – “هو مجرد حلقة واحدة”.

وحول سؤال هل تعتقد أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيتوقف عند حد أوكرانيا؟ رفض الإجابة، فهو يعلم أنه يمشي على حافة السكين وكل كلمة ينطق بها ستدرس بعناية في موسكو. لكنه نبه إلى الوضع المضطرب: تصاعد وتيرة تدريبات القوات الروسية في ترانسنيستريا، التي تقع على مسافة ساعة من تشيسيناو.

وترانسنيستريا، التي يبلغ عدد سكانها 500 ألف تقريبا (ولا أحد يعرف على وجه اليقين العدد الصحيح، كما أن الحكومة في ترانسنيستريا التي يشتبه في خضوعها لسيطرة الكرملين تبدو غير مهتمة بالقيام بإحصاء دقيق)، تحتفظ بقوات من الجيش والشرطة الخاصة بها وتتلقى المساعدات والدعم من القوات الروسية التي لم تغادرها أبدا. وقال لي رئيس الوزراء “إن الجيش الروسي يسعى إلى معرفة كيفية عبور نهر دنيستر في بضع دقائق”.

وعلى الرغم من أنه يرفض التكهن بطبيعة خطط بوتين، فإني أشك بأن لينكا يدرك أن مولدافيا تواجه أزمة وجود. وأظن أنه يعتقد أن لبوتين خططا خاصة بمولدافيا لأن الجميع تقريبا في مولدافيا – حتى قادة الحزب الشيوعي (الذي لا يزال – وبشكل لا يصدق – يسمى بالحزب الشيوعي في تشيسيناو ) – يعتقدون بأن بوتين يعتبر مولدافيا جزءا من حق روسيا المكتسب.

الشيوعيون يؤمنون بطبيعة الحال بأن هذا شعور مشروع من جانب بوتين، لذلك يرغبون في أن تعود مولدافيا مجددا إلى الفلك الروسي. ويترأس رئيس الوزراء المولدافي الحالي تحالفا مواليا للغرب لمواجهة انتخابات صعبة في خريف هذا العام. وفي صورة لم يول هذا الأخير – وكذلك الاتحاد الأوروبي وواشنطن – اهتماما كافيا بالمسألة، فستجد مولدافيا نفسها في حضن بوتين. وستكون العواقب كارثية ليس لمولدافيا فحسب، ولكن أيضا على مستقبل الديمقراطية في أوروبا.

وقال رئيس الوزراء “يعتقد البعض بوجود فرصة معينة في أية أزمة كانت، وكذلك الحال في هذه الأزمة، بطبيعة الحال، الأمر سيئ بالنسبة إلينا وإلى مشاعرنا ولكنه ينطوي على جانب إيجابي كذلك”. وأضاف “المشكلة الأساسية لدينا، ونفس الشيء لأوكرانيا، هو أننا في صفيح ساخن على عكس رومانيا التي انضمت بعد انهيار الكتلة الشيوعية إلى حلف شمال الأطلسي”. وأضاف “نحن في حاجة إلى دعم الآن ليس لشبه جزيرة القرم أو ترانسنيستريا فحسب. والتحرك الفوري لحل مشاكلنا يكمن في طرح الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لبرنامج ورؤية لدمج مولدافيا في الاتحاد الأوروبي. وهو ما يعني المزيد من الدعم لمولدافيا”.

أما الولايات المتحدة، التي لم تدرك إلا مؤخرا التهديد الذي يواجه أوكرانيا، فقد كانت بطيئة مرة أخرى في تقدير الوضع في مولدافيا، الجمهورية الصغيرة التي تحفها المخاطر. وتتحرك إدارة باراك أوباما الآن لجلب مولدافيا إلى الحظيرة الغربية. أما الاتحاد الأوروبي فيعمل، من خلال برامج مؤقتة لا تصلح لبناء مناخ من الثقة الدائمة والشاملة، في محاولة من جانبه ليبلغ بوتين بأن مولدافيا ليست من حقه للاستحواذ عليها.

6