هل حان وقت وضع حد لتعتيم الإعلام لإنقاذ الصحفيين

السبت 2014/09/06
جيمس فولي (يمين) كان ضحية ضجة إعلامية وستيفن سوتلوف (يسار) كان ضحية التعتيم الإعلامي

لندن - توقع المدير التنفيذي للجنة حماية الصحفيين جويل سايمون أن تعيد المؤسسات الصحفية الكبرى النظر في إرسال مندوبيها إلى أماكن الحروب الخطرة خشية من الاختطاف، مؤكدا أنّ سياسة تعتيم الإعلام لم تعد ناجعة.

تسبب القتل الوحشي للصحفي جيمس فولي، وأخيرا ستيفن سوتلوف، في سوريا، في ما يشبه الصدمة تولدت عنها موجة عارمة من الغضب والاستنكار.

وتدور الآن مناقشة أوسع نطاقا حول دور وسائل الإعلام في قلب مناطق الصراع: هل تُعتبر تغطية بعض الأخبار خطيرة جدا على الصحفيين؟ هل يتوجب على الحكومات دفع فدية عند اختطاف الصحفيين؟ كيف تقوم وسائل الإعلام بتغطية الدعاية الإرهابية الواسعة، على غرار عملية قطع رأسي هذين الصحفيين؟

تتطلب الإجابة على هذه الأسئلة معلومات دقيقة ومُستَقاة في الوقت المناسب من مناطق الصراع، أي بالتحديد ذلك النوع من المعلومات التي يخاطر الصحفيون بحياتهم لتوفيرها.

لكن هناك قصة واحدة لم تحاول وسائل الإعلام تغطيتها، على الأقل حتى وقت قريب، وهي قصة الاختطاف نفسها.

ففي إطار الممارسة المعروفة باسم “التعتيم الإعلامي”، أخفت المنظمات الإخبارية بشكل روتيني معلومات حول عمليات اختطاف واسعة النطاق، لصحفيين وغيرهم، تمّت في سوريا والصومال وباكستان وبلدان أخرى حول العالم.

يختلف عدد الصحفيين المختطفين كل سنة إلى حد كبير من منطقة صراع إلى أخرى، ولكن لم تضاه أي منطقة ما حققته سوريا، حيث تمّ اختطاف أكثر من 80 صحفيا منذ اندلاع الصراع في 2011.

يقول جويل سايمون المدير التنفيذي للجنة حماية الصحفيين “بصفتي رئيسا للجنة حماية الصحفيين، شاركتُ شخصيا في الكثير من هذه الحالات على مر السنين، وقد قمت بدعم منظمات وسائل الإعلام والأسر، كما شاركت في حملات، سواء أكانت عامة أو خاصة، للإفراج عن الصحفيين المختطفين وقمت باستجواب العديد من الصحفيين والمؤسسات الإعلامية عن تجربتهم.

تكثفت التغطية الإعلامية حول اختطاف الصحفيين بعد اغتيال فولي

في البداية، أيدت استخدام وسائل الإعلام لسياسة التعتيم الإعلامي في حالات انتقائية. ولكنني صرت أشكّك، في الآونة الأخيرة، في مدى فاعلية هذه الإستراتيجية”.

ويستند الأساس المنطقي للتعتيم الإعلامي على دوره المُحتمل في إنقاذ الأرواح من خلال تسهيل مفاوضات إطلاق سراح الرهينة. إلّا أنّ الأدلة الفعلية التي تدعم هذه النظرية تبقى ضئيلة جدا. وفي الآن نفسه، بسبب حجب الأخبار، وفي بعض الأحيان، عدم إصدارها البتة، يكبت التعتيم الإعلامي النقاش العام حول هذه المسألة ويعمّق من موجة التشكيك في مصداقية وسائل الإعلام نفسها. إثر اختفاء فولي، خلال تغطيته للأحداث في سوريا في 22 نوفمبر 2012، طالبت أسرته ورؤساء التحرير في البداية بالتعتيم الإعلامي. ولكنهم قرروا، بعد تفكير عميق، إعلان الخبر، وأطلقوا في يناير 2013 حملة عامة من أجل الإفراج عنه.

يعتقد سايمون أن ذلك كان قرارا صائبا، فقد أثبتت عملية القتل الرهيبة التي تعرّض لها سوتلوف (والذي لم يتمّ الإبلاغ عن اختطافه حتى قام تنظيم الدولة الإسلامية نفسه بذلك في شريط الفيديو الخاص بفولي) أنّه من غير المرجح أن يؤثّر التعتيم الإعلامي على النتائج النهائية لعمليات الاختطاف، على الأقل العمليات التي تقوم بها الدولة الإسلامية.

في قضية فولي، نجحت الحملة العامة في الضغط على السلطات الأميركية، التي قامت بعملية عسكرية فاشلة في محاولة لإنقاذ فولي، سوتلوف والرهائن الآخرين.

كما ساهمت التغطية الإعلامية لاختطاف فولي أيضا في توعية الجمهور حول الظروف المحفوفة بالمخاطر التي يعمل فيها الصحفيون في سوريا. وأخيرا، حالت هذه الحملة دون استخدام قتلة فولي المنحطين لفيديو إعدامه لإظهاره كضحية عاجزة.

ففي الواقع يخدم التعتيم الإعلامي مصالح المسلحين الإسلاميين، حيث يجعل من السهل على هذه المجموعات التحكم في الرسالة التي توجّهها أشرطة فيديو القتل.

يقول كريموو راجيف، الذي شغل منصب رئيس مكتب “واشنطن بوست” ببغداد بين عامي 2003 و2004 “أتساءل إذا كانت بعض الجماعات المسلحة تقوم باختطاف الأميركيين لقيمتهم الدعائية وتختطف الأوروبيين لدفع الفواتير (لقيمتهم المادية)”.

ومع تصاعد التهديد الذي يواجهه الصحفيون في بغداد، بادرت المنظمات الإعلامية باتخاذ تدابير استثنائية لحماية موظفيها، من خلال تحصين مكاتبها، وتنصيب مستشارين أمنيين، والحد من تحركات مراسليها وموظفيها المحليين.

وفي حين تواصل قتل الصحفيين العراقيين، الذين يفتقرون إلى مثل هذه الحماية المضيقة، بأرقام قياسية، بدأت عمليات خطف الصحفيين الدوليين في تسجيل انخفاض ملحوظ.

جويل سايمون: "أيدت التعتيم الإعلامي في البداية ولكنني صرت أشكك فيه الآن"

في بقية أنحاء العالم، تواصلت عمليات خطف الإعلاميين في الانتشار، لا سيما نحو المناطق التي يتكثّف فيها نشاط المسلحين الإسلاميين. لم يكن العدد الإجمالي للصحفيين المختطفين في العالم، خلال هذه الفترة، كبيرا، وهو يُقدّر ربما بعدة عشرات، ولكن العديد من هذه الحالات حظت بدعاية مكثفة.

تزايد عدد طلبات التعتيم الإعلامي في تلك الفترة. وأحد أهمّ الأسباب التي تفسّر هذا التطوّر يتمثّل في الدور الجديد الذي لعبته الشركات الأمنية المتخصّصة والتي اتصلت بها شركات وسائط الإعلام للمساعدة في إدارة عمليات التغطية المحفوفة بالمخاطر.

في حين واجهت منظمات وسائل الإعلام معضلة بشأن مسألة التعتيم الإعلامي، نظرا إلى سعيها إلى تحقيق التوازن بين مسؤولياتها الأساسية في نقل الأخبار ورغبتها في مساعدة زملائها، لم تعان الشركات الأمنية المتخصّصة أيّ حيرة بهذا الشأن، فقد كان اهتمامها مركّزا كليا على عميلها.

كما كانت هذه الشركات على اقتناع بأنّ التغطية الإعلامية من شأنها أن تؤدي إلى تعقيد المفاوضات الحساسة وزيادة مبالغ الفدية المطلوبة. كما يعتقدون أيضا أن التعامل مع وسائل الإعلام، والرد على استفسارات الصحفيين يعتبران إلهاء هائلا خلال فترات الأزمة. وبالتالي، فإنّ دور وسائل الإعلام، في مثل هذه الحالات، يجب أن يبقى محدودا وحذرا، إلّا إذا كان هناك هدف محدد يمكن أن يساهم في تحقيقه.

من شأن التغطية الإعلامية الشاملة لهذه العمليات، بما في ذلك بث أشرطة الرهينة من الخاطفين والنداءات العاطفية من أفراد الأسرة- أن تزيد في مبالغ الفدية المطلوبة أو تسهّل المطالب السياسية للخاطفين ولكن سايمون يقول إنه يعجز، في المقابل، عن تذكّر أيّ حالة ساهم فيها الحجب التامّ للأخبار في تحقيق نتيجة إيجابية لعملية الخطف.

كما أنّ انعدام التغطية يُعفي الحكومات من معظم الضغوط العامة ويحّدّ المحاسبة القانونية للسياسات التي قد تساهم في نشر وباء الاختطاف، بما في ذلك دفع الفدية من قبل الحكومات الأوروبية.

ويطرح اعتماد التعتيم الإعلامي في عمليات اختطاف الصحفيين قضية أخرى، إذ تقوم المنظمات الإعلامية بشكل روتيني بنشر معلومات من شأنها أن تحرج شخصيات معينة أو حتى إلحاق الضرر بها أو تعريضها للخطر لأسباب متنوعة. وهي تفعل ذلك لأن مهمتها الرئيسية تتمثّل في إعلام الجمهور، كما تبرّر كل أنواع التعديات التي تقوم بها على هذا الأساس. وبالتالي فإنّ اتخاذ قرار حجب الأخبار بشأن صحفييها المُختطفين سيثير حتما تساؤلات عديدة عن المعايير المزدوجة التي يعتمدونها.

في سوريا، سُجّل اختفاء ما يقارب 30 صحفيا بحلول نهاية عام 2013. وقد تكون إستراتيجية التعتيم الإعلامي منطقية في بعض الحالات الفردية، ولكن، بصفة عامّة، حجب هذا العدد الكبير الأبعاد الواسعة للقضية وحدّ كذلك من التغطية الإعلامية للتحول المثير للقلق الذي شهدته البيئة الأمنية بالمنطقة؛ فالدولة الإسلامية تسعى اليوم إلى “اصطياد” الصحفيين.

اليوم، وبعد اغتيال فولي، تكثّفت التغطية الإعلامية حول اختطاف الصحفيين، بما في ذلك التقارير المتعلقة بدفع الفدية. وهذا أمر إيجابي. في المستقبل، يقول جويل سايمون "أعتقد أنّه سيكون من الأفضل أن تقوم المنظمات الإعلامية بشكل روتيني بالإبلاغ عن نبأ اختطاف صحفي بطريقة غير عاطفية ومباشرة، من خلال تفادي ذكر مطالب الخاطفين، على سبيل المثال، والإعلان بوضوح عن أسبـاب حجبها لبعض المعلومات، بناء على طلب من أفراد الأسرة أو رؤوســاء التحرير.

وإذا تمكنت منظمات وسائط الإعلام في جميع أنحاء العالم من التوصل إلى اتفاق في ما بينها لاعتماد التعتيم الإعلامي، فإنها تستطيع حتما الاتفاق على كيفية وضع حدّ له.

18