هل حسم آبي أحمد الانتخابات الإثيوبية المقبلة من تيغراي

نصر آبي أحمد المؤجل في تيغراي، قد يحسب له أو عليه، لذلك من الصعب القول إنه حسم معركة الانتخابات من تيغراي.
الأربعاء 2020/12/16
الانتخابات المقبلة تمثل تحديا كبيرا لآبي أحمد

أديس أبابا – حقق رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، نصرا سريعا ضد الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، التي قررت خوض حرب عصابات بعد سقوط معقلها، ما سيؤثر على الانتخابات العامة المؤجلة إلى أواسط العام المقبل، والتي سترسم مستقبل الرجل القوي في البلاد.

لم يستغرق إسقاط عاصمة إقليم تيغراي، ميكيلي (شمال)، سوى 24 يوما، بعد إطلاق الجيش الاتحادي عملية عسكرية لإخماد التمرد في 4 نوفمبر الماضي، لكن لم يوقف ذلك أصوات البنادق.

وما تزال تقارير إعلامية تتحدث عن اشتباكات بين الجيش الاتحادي وجبهة تحرير شعب تيغراي، وهو ما أكده زعيم المتمردين ديبريتسيون جبريمايكل، في 11 ديسمبر الجاري، في رسالة نصية.

وقال جبريمايكل في رسالته إن الاشتباكات جارية في موقعين بالقرب من ميكيلي، واثنين آخرين على بعد 60 كيلومترا شمال المدينة.

وحدد زعيم التمرد تكتيكهم القتالي في المرحلة المقبلة بـ”إلحاق خسائر جسيمة في الأفراد والعتاد والمعنويات بصفوف القوات الاتحادية والإريترية”. وقال إننا “نحقق هدفنا”.

ورغم أن حكومة آبي أحمد تستبعد خوض حرب عصابات ضد متمردي الجبهة، إلا أن استمرار الاشتباكات ولو على نطاق ضيق، لا يؤشر على نهاية قريبة للتمرد، فالجبهة تمتلك الرجال والسلاح والحاضنة الشعبية، وتقاتل في تضاريس وعرة، ولا ينقصها سوى الدعم الخارجي لخوض حرب عصابات طويلة الأمد.

وخاضت جبهة تيغراي (ضمن تحالف متعدد العرقيات) تمردا ضد حكم منغستو هيلا مريام منذ 1974 انتهى بالإطاحة به في 1991، وهذه الخبرة الطويلة في حرب العصابات، تشكل مصدر قلق للحكومة الاتحادية.

رئيس الوزراء الإثيوبي يدرك جيدا خطورة جبهة تيغراي، خاصة من حيث تفوقها العددي وصعوبة التضاريس التي تعرف دروبها جيدا، وامتلاكها سلاح الصواريخ، لذلك عمد على حصارها منذ بداية المعركة

كما أن سيطرة الجبهة على الحكم منذ 1991 حتى 2018، زادت من تسليح قواتها المحلية، التي يتراوح عدد عناصرها بين 200 ألف و250 ألف فرد، في حين أن الجيش الاتحادي لا يتجاوز تعداده 140 ألفا.

ويدرك رئيس الوزراء الإثيوبي جيدا خطورة جبهة تيغراي، خاصة من حيث تفوقها العددي وصعوبة التضاريس التي تعرف دروبها جيدا، وامتلاكها سلاح الصواريخ، لذلك عمد على حصارها منذ بداية المعركة.

وسيطر الجيش الاتحادي على شريط الحدود بين تيغراي والسودان، لقطع أي إمداد خارجي قد يصل إلى المتمردين، خاصة وأن الجبهة أنشأت قواعد خلفية بالسودان خلال حربها ضد حكم منغستو في سبعينات وثمانينات القرن الماضي.

كما تحالف آبي أحمد مع أسمرة لغلق الحدود الشمالية الطويلة مع تيغراي، وتحركت قواته من إقليم الأمهرة (الجنوب الغربي)، الذي له نزاعات مع تيغراي، وبذلك أطبق على المتمردين من كل الجهات.

وكان من الغريب عدم تحرك القوات الإثيوبية من محوري الشرق أو الوسط، القريبين من ميكيلي، لكنها ركزت على المحور الغربي لتضاريسه السهلة المناسبة لتحرك الدبابات والمدرعات. ثم تقدمت القوات الحكومية من الغرب نحو الشمال الشرقي ذي التضاريس الوعرة، لتحاصر المتمردين في معركتها الأخيرة بميكيلي من عدة محاور.

ولعب التفوق الجوي للجيش الاتحادي الدور الرئيسي في هزيمة الجبهة، رغم استعمالها الصواريخ لقصف المطارات البعيدة عن جبهات القتال، لكن دون أن يكون لها دور حاسم في المعركة.

وحتى وإن نفت أديس أبابا وأسمرة دخول قوات إريترية إلى الأراضي الإثيوبية للمشاركة في المعارك ضد متمردي الجبهة، إلا أن الولايات المتحدة قالت إنها تعتقد بأن التقارير عن وجود قوات إريترية في إقليم تيغراي “موثوق بها”.

واتهم زعيم متمردي تيغراي الجيش الإريتري بالمشاركة في معظم القتال الجاري بالإقليم، حتى بعد سقوط عاصمة الإقليم.

ويعود الخلاف بين أسمرة وتيغراي، إلى الحرب التي اشتعلت بين البلدين في عهد رئيس الوزراء الإثيوبي ميليس زيناوي (من تيغراي) في 1998، والتي لعب إقليم تيغراي الدور الرئيسي فيها. ولم تتوقف الحرب إلا بعد تدخل الجزائر عام 2000 للوساطة، وتم حينها توقيع اتفاق سلام.

لكن إثيوبيا لم تنسحب من بعض المناطق التي نص عليها الاتفاق إلا بعد وصول آبي آحمد إلى السلطة في 2018، مما ساعد على تطبيع العلاقات بين البلدين، وكان ذلك سببا في فوزه بجائزة نوبل للسلام في 2019.

تمرد تيغراي جاء كفرصة لآبي أحمد وأسمرة للتخلص من العدو المشترك، لكن ذلك كان مكلفا على الصعيد الإنساني، حيث سقط الآلاف من القتلى وفرّ أكثر من 950 ألف إثيوبي من رحى الحرب

وجاء تمرد تيغراي كفرصة لآبي أحمد وأسمرة للتخلص من العدو المشترك، لكن ذلك كان مكلفا على الصعيد الإنساني، حيث سقط الآلاف من القتلى وفرّ أكثر من 950 ألف إثيوبي من رحى الحرب، منهم نحو 50 ألفاً فروا إلى السودان، و96 ألف لاجئ إريتري بالإقليم تقطعت بهم السبل بعدما هربوا من مخيماتهم.

وكان تأجيل الانتخابات العامة من 29 أغسطس 2020، إلى مايو أو يونيو 2021، أحد الأسباب الرئيسية لتمرد قادة جبهة تيغراي.

وتمثل الانتخابات المقبلة تحديا كبيرا لآبي أحمد، بعد كسره لشوكة تيغراي، واختبارا لمدى نجاح إصلاحاته السياسية والاقتصادية.

ومن الواضح أن آبي أحمد لا يحظى بدعم غالبية الناخبين في تيغراي، حيث يحمّله جزء منهم مسؤولية المآسي التي حلت بالإقليم منذ تأجيله الانتخابات بسبب فايروس كورونا، ومحاولة تقليص دور تيغراي في مؤسسات الحكم، ومتابعة قادتهم بتهم الفساد.

ورغم أن آبي أحمد ينتمي إلى عرقية الأورومو المسلمة (34 في المئة من عدد السكان)، من ناحية والده، إلا أن مقتل العشرات من الأورومو في احتجاجات عنيفة إثر اغتيال المغني الشهير هاشالو هونديسا في العاصمة أديس أبابا في يوليو الماضي، يطرح تساؤلات عدة حول ما إذا كان يحظى بدعم أكبر قومية في البلاد.

لكن نفوذ آبي أحمد يتركز في إقليم الأمهرة ذي الغالبية المسيحية، الذي ينتمي إليه من ناحية أمه، وزوجته، وثلاثتهم يدينون بالمسيحية، لذلك فهو أقرب إلى الأمهرة منه إلى الأورومو.

والأمهرة ثاني عرقية من حيث العدد (نحو 27 في المئة)، ويتوسط إقليمهم الأرورمو في الوسط وتيغراي في الشمال، وهذه الأقاليم الثلاثة من ستقرر مصير آبي أحمد في الانتخابات المقبلة.

ونصر آبي أحمد المؤجل في تيغراي، قد يحسب له أو عليه، حسب الزاوية التي ينظر منها كل ناخب، لذلك فمن الصعب القول إنه حسم معركة الانتخابات من تيغراي.

5