هل حقاً فات الميعاد

الاثنين 2016/03/07

فات الميعاد، لم يعد الوقت مناسبا ولا العمر يسمح بهذا. كلمات بطعم الوجع والدموع والتحسر على عمر فائت وفرص ضائعة في زمن مضى واستراح. أسمعها على ألسنة الكثير من النساء والرجال أيضاً.

دون أن تكترث لأمرها، لكزت فتاة عشرينية امرأة في نهاية عقدها الخامس قبل أن تعتذر منها وتنصرف.

كانت الفتاة تتجمل بأغلى المساحيق كأنها في يوم عرسها، ويتزين معصمها بأساور ذهبية باهظة الثمن، أما المرأة الخمسينية فحجابها الساتر لجميع جسدها يظهر تقوى وورعا يليقان بامرأة تلعب دور الجدة.

كلتاهما تنهدت متمنية تبادل الكراسي ولعب أدوار مختلفة في الحياة، فالفتاة “المتبرجة” كما يحلو للبعض وصفها ظنت أن الحياة ربما كانت أروع وأمتع لو كانت أقرب لله تعالى، لو لبست شخصية المرأة الخمسينية وعاشت مثلها حياة الطاعة والاستقامة، وإيجاد الفرصة لتصحيح مواقف ظنتها خاطئة، وأن هذا الطريق الآخر الذي لم تسلكه ربما كان الأفضل مما هي عليه الأن، ولكن فات الميعاد والنظر إلى الخلف لن يجدي.

وبدورها تمنت الخمسينية الملتزمة بما يفوق الحد ـ من وجهة نظرها ـ أن يعود بها الزمن أدراجه فتعيش حياة أخرى فيها من المتعة والسعادة واللهو اليسير ما يرسم على شفتيها ابتسامة عريضة تحنو على أيامها من الجمود وعدم التجدد.

مراهقة لم تعشها داعبت خيالا فتح بابه للتمني والاشتهاء، وحياة قد تكون أجمل مع التحرر والمزيد من الصداقات بدلا من العزلة الاجتماعية التي تمزقها، صخب لم تألفه ظنته علاجها، ولكن نفس الجملة المكررة حد الملل بفوات الميعاد على التغيير.

فجميعنا يتمنى أن يعود به الزمن إلى الوراء وتدور عقارب الساعة عكس اتجاهها ليصصح قرارات خاطئة ظنا منه أنها ستضيف إليه سعادة وراحة بال في المستقبل وتستقيم له الأمور.

فمن مر بها العمر دون زواج تشعر كما لو أن الحياة انتهت والفرص أغلقت بابها إلى الأبد وألقت بالمفتاح في قاع البحر، ولم يعد هناك شيء ترجوه من الحياة، وتوقف ساعة العمر عند هذا الألم الذي قد يكون سرابا بالأساس وليس ألما كما تعتقد، وإنما هو الأنسب لها على كافة المستويات. ومن تقدم به أو بها السن ثم ظهرت في أفق حياته مؤشرات تغيير مفاجئ تتطلب تعلم لغة أو إتقان حرفة جديدة، أو اكتساب مهارة ما، بدلا من أن يكد ويثابر في التعلم، يركن إلى الكسل مرددا مقولة اليأس والإحباط “فات الميعاد”.

زوجة سئم زوجها من تكرار مشاهد حياتية مرسومة سلفا بدقة وعناية، بدلا من تجديد دماء الحياة وضخ التغيير في شرايينها، تمتطي صهوة الملل وتحارب من أجل إبقاء الضجر بالبيت كأحد مقومات الحياة بدلا من طرده ولسان حالها ينطق بكلمة واحدة “فات الميعاد”.

دائما هناك جديد يستحق المحاولة طالما تشرق الشمس وتمنحنا نهارا آخر تحت ظلها، وعلى كل إنسان أن يتحمل نتيجة قراراته وخطواته بالحياة، فربما كان ما يحاول تغييره هو الأفضل له، وربما كان ما يلهث وراءه سرابا خادعا لا يحمل الخير، فالنظر إلى الخلف واستعادته واستعذاب العذاب ينقلنا إلى مساحة ضبابية تنعدم معها الرؤية ويضيق الأفق ويغلق باب الحلم.

21