هل حقا موريتانيا معرضة للتوترات؟

"النخبة الحاكمة" لم تكن على مر تاريخ موريتانيا إلا مزيجا من الشرائح والفئات؛ ففي نظام ولد هيدالة حيث صدر أول قانون بتحريم العبودية؛ كان "الرجل الثاني" في النظام النقيب أبريكة ولد أمبارك رجلا من "المور السود".
الخميس 2021/09/23
محمد ولد الشيخ الغزواني شخصية جديرة بالثقة

في العدد الصادر يوم الجمعة 2021/09/17 من صحيفتكم المحترمة (صحيفة العرب) تم تناول الشأن الموريتاني من خلال مقال (تحليلي) موسوم بـ”موريتانيا معرضة لتوترات أمنية وإرهابية” حمل بين طياته الكثير من المغالطات والاضطرابات. كما أبان عن عدم عمق اطلاع كاتبه على الشأن الموريتاني بصورة خاصة، وشأن منطقة الساحل والصحراء بصورة أعم، لذلك نود  من خلال هذا الرد  إنارتكم، وإنارة قرائكم الكرام حول الشأن الموريتاني على الأقل، فصحيفة العرب بما تحمله من تاريخ في وجدان القارئ العربي، وبما حافظت عليه من ثقته، يستحق عليها الصدق، وتليق بها المصداقية.

يبني المقال فرضيته (عرضة موريتانيا للتوترات الأمنية والإرهابية) على مجموعة من العوامل الخارجية والداخلية، حاملا بين ثناياه الكثير من المغالطات المكشوفة بشأنها:

أولا: العوامل الخارجية: يزعم المقال أن السبب الخارجي للتوترات، التي يمكن أن تتعرض لها موريتانيا، هو ما تشهده منطقة الساحل والصحراء من تصاعد الهزات الأمنية والسياسية، ورغم أننا لا نزعم لهذه المنطقة الاستقرار ولا الأمن، فإننا نجزم بأن وضعها (الراهن) لا يمكن مقارنته بوضعها سنوات 2014/2013/2012، إذ لم تكن تعاني من انقلابات وحسب، أو هجمات إرهابية، بل أكثر من ذلك، عانت من احتلال الإرهابيين لأجزاء كبيرة منها، وإعلانهم “دولهم” فيها (لنأخذ شمال مالي وجنوب ليبيا مثالا لذلك) ولا يخفى على متابعي الشأن الموريتاني أن الواقع السياسي الموريتاني - كما الأمني - كان أكثر “رخاوة” أيامها وأقل صلابة، إذ كانت موريتانيا قادمة لتوها من انقلاب عسكري (هو الأول على رئيس منتخب) وانتخابات محل شك من جل الفرقاء السياسيين (انتخابات الباء الطائرة) وكان الجيش الموريتاني (نفسيا وعضويا) أقل جاهزية بكثير من حاله اليوم، إذ كانت عمليات الإرهابيين ضده (المغيطي، نواكشوط، الغلاوية، حاسي سيدي..) تلقي بظلالها الثقيلة على نفسيات الجنود، تماما مثلما كان انعدام - أو تواضع - المعدات والتجهيزات عقبة صلبة في مواجهة متكافئة مع أي عدو محتمل.

رأس النظام محمد ولد الشيخ الغزواني يتمتع بكل الشرعية القانونية والأخلاقية، إذ أجمعت الطبقة السياسية الموريتانية على نزاهة وشفافية الانتخابات التي أتت به إلى السلطة

تضاف إلى ذلك محاولة البعض - داخليا - استنساخ ما عُرف بـ”الربيع العربي” بكل خطاباته المحفزة للقلاقل والبلابل.. والمستثمرة في جميع مكامن الغضب والهشاشة والتوتر (عرقيا وفئويا وأيديولوجيا..)، إذن يتضح أن الإقليم كان أكثر تحفيزا للتوترات، أيامها، منه اليوم، وأن الواقع السياسي والأمني للبلد، أيضا، كان أدعى لاستفزاز التوترات والانفعال به..!

أما الواقع السياسي والأمني اليوم، فهو مغاير تماما، إذ يتمتع رأس النظام القائم (محمد ولد الشيخ الغزواني) بكل الشرعية القانونية والأخلاقية، إذ أجمعت الطبقة السياسية الموريتانية (تقريبا) على نزاهة وشفافية الانتخابات التي أتت به إلى السلطة. كما أنها مثلت أول انتخابات في البلد يسلم السلطة فيها رئيس منتخب لرئيس منتخب. كما يتفق جميع الفرقاء اليوم كذلك على أهليته (الأخلاقية) لقيادة البلد، واعتباره شريكا جديرا بتلك المسؤوليات، التي يأتي الأمن على هرمها، إذ من المعروف أن جاهزية الجيش الموريتاني الآن لا يمكن مقارنتها بجاهزيته في أي وقت سابق، وهو (أي الرئيس الحالي) مهندس تلك الجاهزية، وواضع مقارباتها، العسكرية والثقافية، حيث قاد الجيش الموريتاني في تلك الفترة، وهو من حوّله إلى جيوش (برية وبحرية وجوية) ليصبح أهم جيش حتى اليوم، باعتراف الشركاء الدوليين والإقليميين في منطقة الساحل والصحراء..!

ثانيا، العوامل الداخلية: يرى كاتب المقال أنه من عوامل “القابلية للتوتر” قضية ما وصفه بـ”تسلم السلطة من جنرال إلى جنرال” وقضية ما نسبه لمعهد إيطالي للدراسات من “عنصرية المور البيض ضد المور السود” ومن “وجود هياكل، لا تزال قائمة، للعبودية”!

تحتوي هذه النقاط على العديد من المغالطات ومن التدليس، فالرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني (الذي تسلم السلطة في الأول من أغسطس 2019 بعد انتخابات نزيهة وشفافة) كان قد تقاعد قبل ذلك بحوالي سنة من الجيش الوطني، وفي ظروف طبيعية. كما أن الرئيس السابق كان قد استقال من الجيش الوطني قبل ترشحه لرئاسيات 2009 وهكذا يتضح أن هذا “الاستنتاج” بُني على تدليس جلي، فالجنرال حين يتقاعد أو يستقيل يصبح، وفق كل الأعراف والقوانين، مثل جميع المواطنين، فكم انتُخب من جنرال، متقاعد أو مستقيل، في أعرق الديمقراطيات وأرقاها..!

أما “قضيتا العنصرية والعبودية” فتحملان، بدورهما، مغالطة كبرى، أو - في أحسن الحال - جهل الواقع الموريتاني، فمن الصحيح أن ظاهرة العبودية كانت في المجتمع الموريتاني (كما هو حال كل مجتمعات الصحراء) لعهد ليس بالبعيد، لكن الصحيح أيضا أن هذه العبودية، على سوئها ومقتها، لم يصاحبها (تاريخيا) أي شكل من أشكال العنصرية، بل ظل “العبيد” و”أسيادهم” يتقاسمون المكان والمشاعر والثقافة.. حتى في ظل ممارسة تلك الظاهرة الأليمة وغير الإنسانية، فلم تكن الصلة “النَّسَبية” بهم تحط من القيمة، ولم يكن الشبه “الخَلقي” بهم، كذلك، يمس من المكانة.. وأكثر راديكاليي “الحركات الحرطانية” لم يتهموا “المور البيض” يوما بالعنصرية، وإن اتهموهم، دائما، بالاستعباد!

هذا من الناحية الاجتماعية. أما من الناحية السياسية، فلم تكن “النخبة الحاكمة” على مر تاريخ موريتانيا إلا مزيجا من الشرائح والفئات، ففي نظام ولد هيدالة حيث صدر أول قانون بتحريم العبودية، كان “الرجل الثاني” في النظام (النقيب أبريكة ولد أمبارك) رجلا من “المور السود”، وفي أيام ولد الطايع كان ثمة شركاء من “المور السود” أقوياء وفاعلون في كل من النظام والمعارضة، أما اليوم فإن الرجل الثاني في الجهاز التنفيذي، بعد رئيس الجمهورية، رجل من “الحراطين”. كما أن أهم مؤسسة ديمقراطية معارضة يترأسها “حرطاني”.. هكذا يتضح أن “النتائج” بُنيت على فرضية خاطئة أو كاذبة، أو هما معا..!

“هياكل العبودية” ليست أكثر دقة ولا موضوعية من “عنصرية المور البيض”، إذ جندت الدولة الكثير من الموارد والطاقات المالية والقانونية لمحاربتها، فتشكلت ترسانة قانونية تجاوزت القوانين إلى الدستور، وتجاوزت كذلك التحريم إلى التجريم، لمحاربة هذه الظاهرة

أما “هياكل العبودية” المزعومة فليست أكثر دقة ولا موضوعية من “عنصرية المور البيض”، إذ جندت الدولة الكثير من الموارد والطاقات المالية والقانونية لمحاربتها، فتشكلت ترسانة قانونية تجاوزت القوانين إلى الدستور، وتجاوزت كذلك التحريم إلى التجريم، لمحاربة هذه الظاهرة. كما أُنشئت العديد من الهيئات والبرامج، وبأغلفة مالية عملاقة، لمواجهة آثار ومخلفات العبودية.

لا يعني هذا الرضاء المطلق عما تم، أو اعتباره نقطة النهاية، لكنه يعني الاعتراف بأن الدولة قدمت، وتقدم، الكثير لتصحيح تلك الاختلالات الاجتماعية التي ولّدتها العبودية وتاريخها.. مما يعني أن هذه اللحظة من أكثر لحظات البلد قربا من “الوضعية الطبيعية”، لذلك ليس من الموضوعية الاستقرائية، ولا من الواقع الملحوظ، اعتبارها لحظة تستدعي التوتر!

ويواصل المقال الكشف عن جهله للحالة الموريتانية والشأن الموريتاني، أو تربصه بموريتانيا، لكن هذه المرة بشكل ذاتي، إذ يورد ملاحظات من تقرير لمنظمة “سايف وورلد” عن الأمن في الساحل، حيث يؤاخذ التقرير على أوروبا تركيزها على الحلول العسكرية في مكافحة “الإرهاب الجهادي”، يورد ذلك في إيحاء ضمني بأن موريتانيا أيضا فعلت الشيء نفسه (ركزت على الحل العسكري)، وهو ما يناقض الحقيقة، فقد تبنت موريتانيا إلى جانب مقاربتها الأمنية مقاربة فكرية، دشنتها بـ”حوار 2012” مع “الجهاديين الإسلاميين” في السجن المدني بنواكشوط، وهو الحوار الذي انجر عنه تراجع قيادات جهادية بارزة عن “الخيار الجهادي” ونالت تلك القيادات بذلك حريتها، وبرهنت الأيام من خلال صدق تلك القيادات على جدوى تلك المقاربة ومردوديتها.

إذن، من خلال هذا العرض (المقتضب إلى حد ما) يتضح لنا أن المقال الموسوم بـ”موريتانيا معرضة لتوترات أمنية وإرهابية” بُنيت استنتاجاته على معلومات غير دقيقة، وتجاوزت تحليلاته السياقات السياسية والأمنية الإقليمية والمحلية (الموريتانية)، وهي اختلالات بنيوية (معيبة) ومن الطبيعي أن تؤثر على مصداقية وصدقية الخلاصات.

 
6