هل حقا يريد الأميركيون محاربة "داعش"

الاثنين 2014/09/22

"حين يكرّر التاريخ نفسه تكون المرّة الثانية على شكل مسخرة”، هكذا يقول ماركس، وها هي الإدارة الأميركية ترفع من جديد شعار الحرب على الإرهاب، بعدما رفعته إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر. لم يكن هذا الشعار في حقيقة الأمر إلا ذريعة لإضفاء الشرعية على حروبها الاستباقية، إذ لطالما رافق استراتيجية الهيمنة هذه خطاب إيديولوجي توسله مروّجوه حتى ينشروا جيوشهم في العالم، جاعلين التعصّب الديني عاملا حاسما في اندلاع النزاعات والحروب، حتى تبرّئ قوى الهيمنة نفسها رغم ما لها من تقاليد في التوظيف السياسي للدين.

ساهم في ترويج هذا الخطاب مفكّرون ألقوا المسؤولية بدورهم على قوى الشر، الممثلة في الإسلام المتخلف الإرهابي لتحويل الأنظار عن التناقضات الأساسية المحرّكة للتاريخ، كي ينتقل الصراع إلى فضاء الأوهام الثقافية وكأنّه صراع بين ثقافات وأديان.

ومن الطبيعي أن يثير هكذا خطاب ردود فعل تنطلق من مواجهتها للهيمنة من المواقع الثقافوية ذاتها. وهكذا يكون الخطاب الغربي، والأميركي خصوصا، قد أعاد الحياة للقوى السلفية الأكثر غلوّا وتطرّفا ووفّر لها بيئة خصبة للتمدّد والانتشار.

وحتى يقطع الغرب الطريق على انتصار الثورات الديمقراطية ويعيق عمليّة التحوّل وبناء الدولة الحديثة، قام بدعم الثورات المضادة وصمت عن جرائم الإبادة التي ارتكبها نظام الاستبداد بحق شعبه، بعدما أفنى الحجر والبشر. ولم تتوقف المسألة عند الصمت والتواطؤ، بل تعمّد النفخ في “داعش” وكأنه أصبحت قوّة كلية القدرة كي تتوفر لديه الذريعة للتدخل.

ومن يسمع الكلام الممجوج والمكرّر للمسؤولين الغربيين عن التدخل لأسباب إنسانية كحماية الأقليات والنساء ومنع اغتصابهم وبيعهم، لا يسعنا إلا أن نتذكر الخطاب ذاته بعيد التدخل في أفغانستان ويوغسلافيا، إذ لم ينجم عنه إلا كوارث إنسانية بحق الشعب الأفغاني، وأدى القصف الجوي لبلغراد لأكثر من أربعين يوما إلى تدمير هذه المدينة. كما أدّى قصف ليبيا إلى تدمير بنيتها الأساسية من موانئ ومراكز اتصالات وانهيار الاقتصاد عموما، فضلا عن مقتل الألوف من الناس. إنهم يقومون بتدمير الأسس الجوهرية لحياة المدنيين رغم مزاعم السعي إلى إنقاذهم.

اليوم يتابع الأميركي وحلفاؤه تسويق التضليل بعد الإجماع على أنّ “داعش” يمثل خطرا كونيا يكاد يصل إلى عقر دارهم، والقصد من هذا التهويل المقصود هو الترويج لما أطلقوا عليه “الإسلام المعتدل” الذي لا يختلف من حيث العقيدة ولا البنية عن نظيره التكفيري. وممّا يثير الريبة ما صرّح به أحد المسؤولين عن احتمال تجنيد الشباب الذين نزحوا إلى الأراضي المجاورة، وبالتأكيد سوف يستغلون ظروف عيشهم البائس ليزجّوا بهم في حروب أهلية الطابع أكثر منها تحررية. فتأجيج الصراع قد يديمها أكثر وأكثر بحيث لا يستطيع أي طرف من الأطراف إحراز نصر سريع وفي وقت قصير.

كما أنّ القصف الجوي لبعض مواقع “داعش” يمكن أن يوفّر مبرّرات تسمح للتنظيم بالتمدّد والانتشار بدل تحجيمه، وما من عاقل يمكن أن تنطلي عليه كذبة القضاء التام على “داعش” لأنّ هكذا قوّة قتالية متطرّفة لا تتمّ مواجهتها بما سُمّي الإسلام المعتدل بل بمشروع ينطوي على نظرة وتصوّر جذريين للمجتمع والسلطة.

هكذا، فإنّ التدخل لن يكون إلّا من أجل إعادة إنتاج نظم تضمن ولاءها للغرب وتكون مطواعة وتسمح لهم بإنشاء المزيد من القواعد العسكرية ونهب الموارد والسيطرة على الأسواق. فقد أثبت التاريخ أنّ الوسائل الأنجع والأقل كلفة للحفاظ على هيمنة طويلة الأجل هي وجود مقاولين محليين يعملون من داخل الأنظمة.

الأميركي لا يعنيه بالنهاية إلا تغيير معادلة السلطة والمجيء بنخب ليبرالية وأخرى من داخل السلطة لتكون النتيجة وجود بنية طبقية شديدة الاستقطاب داخل السلطة الجديدة، وبهذه العملية يكون قد أعاد إنتاج نظام احتفظ بجوهره السابق مع إجراء تعديلات شكلية.

والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم هل يمكن للشعوب التي انتفضت من أجل الحرية والعدالة ضدّ أنظمة أفقرت وقمعت وهمّشت شبابها أن تخمد وتستكين؟

لا مراء من القول إنّ المستقبل يكتنفه الكثير من الغموض، وما من أحد قادر على أن يتكهن كيف سيكون مآل الأمور، بيد أن الشعوب لا تملك ترف السكوت والخنوع وهي التي نزلت إلى الشوارع وطالبت بالحرية والعدالة، ومثلما انتفضت ضد أنظمة سابقة سوف تنتفض ضد أنظمة يجري الإعداد لها.. ومهما حاولوا الالتفاف على مطالبها وامتصاص حماسها سوف يأتي يوم تنهض فيه مرّة أخرى… المسألة تتعلق بإمكانية أن تطوّر الشعوب تنظيماتها المستقلة وتفرز قياداتها وتنتج بديلا ديمقراطيا اجتماعيّا، فالمشاكل الاقتصادية التي قد تتفاقم ربما تؤذن بميلاد حركات احتجاج جديدة.

4