هل "حكم العجائز" سبيل انتشال تونس من الهاوية

الخميس 2013/11/14

قال تعالى: «وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا» (النحل/70). وأَرْذَلِ العمر آخره في حال الكِبَر والعجز والخَرَف، وهوِالشيخوخة والهرم وضعف القوة والعقل واختلال الفهم والعلم والإدراك. والأَرذلُ هو الدُّونُ الخسيسُ، أَو الرديءُ من كلِّ شيءٍ وجمعه أَراذل.

فسبحان الله الذي خلق الإنسان ضعيفا وأمده بالقوة والعلم، ثم رده إلى أرذل العمر، وتوفاه ضعيفا عاجزا فاقدا للقوة والإدراك.

لذا، فإن الذين توافقوا على تسليم مصير تونس لرجال بلغوا من العمر أرذله، من أجل حماية مصالح حزبية ضيقة وتكريس حكم منظومة مهترئة مارست منذ توليها مقاليد السلطة بعد انتخابات أكتوبر 2011 أرذل أصناف التعنت لإخفاء قصورها وفشلها، قد ارتكبوا جريمة نكراء ليس فقط في حق الوطن والشعب، بل أيضا في حق أولئك الرجال الذين هم من خيرة ما أنجبت الوظيفة العمومية في تونس بعد الاستقلال، سيما المناضل أحمد المستيري وهو أحد أوائل الرجال الشرفاء الذين آمنوا بجدوى التعددية والديمقراطية في حكم تونس، وسجل له التاريخ وقوفه بكل شجاعة وثبات في وجه غطرسة بورقيبة والهيمنة المطلقة للحزب الدستوري في زمن لم يكن فيه أحد يرفع رأسه أمام المجاهد الأكبر أو حتى ينظر في وجهه.

كان ذلك عام 1972 عندما تم إقصاؤه من الحزب الاشتراكي الدستوري قبل طرده من مجلس الأمة عام 1973، وكان السيد المستيري آنذاك في الثامنة والأربعين من العمر.

ولا يكمن العيب في تلك الشخصيات الفذة التي رشحتها أحزاب «الحوار الوطني» لرئاسة الحكومة التونسية المقبلة. فالسادة أحمد المستيري 90 عاما، ومحمد الناصر 80 عاما، والشاذلي العياري 80 عاما، ومنصور معلى 84 عاما، وغيرهم من شخصيات الماضي التي عايشت ثورة 2011 الجامحة وهي في أرذل العمر، قد تشرفوا بخدمة تونس بكل اقتدار، لكن ذلك كان في زمن غير زماننا وفي مواجهة تحديات غير التي يعيشها التونسيون عام 2014.

ولا ننسى السيد الباجي قايد السبسي، وهو سياسي مخضرم، لكنه لا يُفوّت ظهورا إعلاميا دون أن يؤكد أنه الأقدر على تولي قيادة البلاد، وكأن تونس لم تنجب سياسيا محنكا و«فهيما» مثله منذ معلمه بورقيبة الذي كان السبسي أول مدير مكتب له عام 1957.

ورغم أن التونسيين يكنون الاحترام والتقدير للشخصيات الوطنية التي حكمت البلاد إبان الإستقلال، فإن معظم تلك الشخصيات قد تربت طوال حياتها السياسية على ثقافة الخضوع لإرادة المجاهد الأكبر والقائد الأوحد والزعيم الملهم، وباركت سياسات الفكر الواحد والحزب الواحد، ومارست الهيمنة المطلقة لأجهزة الحزب الحاكم على كافة دواليب الدولة، وتعاملت مع التونسيين وكأنهم قطيع من الأتباع المغفلين.

ولئن كان هناك اليوم من عتب على هؤلاء، فهو قبولهم، وقد بلغوا «أرذل العمر»، الانخراط في لعبة سياسية مشبوهة تستهزء بعقول التونسيين وبمعاناتهم، وقد يكون الهدف من ورائها تزوير إرادتهم وتوفير الحصانة لكل من أجرم في حقهم واستباح دولتهم، قبل الثورة وبعدها.

فضلا عن كل ذلك، فإن هذه الزعامات الهرمة القادمة من زمن ولى وانقضى تفتقر بحكم تقدمها في السن وخبراتها التقليدية- وهذا ليس عيبا- للمؤهلات الضرورية لإدارة التحديات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية لتونس 2014 ولتونس 2020، سيما ما يتعلق بالتواصل مع الشباب، وتطوير اقتصاد المعرفة الذي يعتمد على تكنولوجيا المعلومات واستخدام الابتكار والرقمنة.

كما أن الخلل في إجهاض «الحوار الوطني» لا يكمن في المنظمات الأربع الراعية للحوار وقياداتها المجتهدة، وهي اتحاد الشغل واتحاد أرباب العمل ورابطة حقوق الإنسان وهيئة المحامين، حيث بذلت تلك المنظمات جهودا محمومة لفك المأزق السياسي وصمدت في وجه الضغوط وحملات التشويه من جميع الأطراف.

رغم ذلك، فإنه لم يعد خافيا على تلك المنظمات أن هذا «الحوار الوطني» مضيعة للجهد والوقت وعبث بأعصاب التونسيين، الذين سوف لن يعفوها من المسؤولية عن تكبيل إرادتهم وشل دولتهم بحكومة «توافقية عاقرة» لن يكون مآلها إلا الخسران وتكريس إرادة المنظومة المتكلسة والفاشلة التي حكمت تونس منذ انتخابات 23 اكتوبر 2011.

إن المسؤولية التاريخية لمهزلة «التوافق الوطني» المزعوم تتحملها كافة الأحزاب والتيارات السياسية العقيمة والانتهازية التي عبثت بمستقبل تونس ومناعتها عبر مطية الحوار الوطني، وذلك فقط من أجل تحقيق مآربها السلطوية.

فبدل أن تغتنم تلك الأحزاب هذه الفرصة التاريخية التي تبلور فيها إجماع بين التونسيين على ضرورة تغيير معادلة الحكم الراهنة وإنهاء المرحلة الانتقالية، فتختار التوافق على حكومة إنقاذ وطني تقودها كفاءات محايدة وقادرة على الثبات والحسم واتخاذ القرار، وتتحلى باللياقة البدنية والذهنية الضرورية لتحمل أعباء المسؤولية في الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد، وتغلب المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية، اختارت تلك الأحزاب مجددا نهج المحاصصة واقتسام كعكة السلطة وتوفير كافة الظروف لتثبيت موقعها وضمان نفوذها على الساحة السياسية بعد الانتخابات المقبلة، سواء بالإبقاء على مجلس تأسيسي لم يؤسس لشيء منذ سنتين، أو بتشكيل هيئة عليا مستقلة للانتخابات لفظتها المحكمة الإدارية وقضت ببطلانها، وستحتاج، إن بقيت، إلى ما لا يقل عن سنة لتكون قادرة على تنظيم انتخابات نزيهة وشفافة، وباعتماد قانون انتخابي يضمن للأحزاب الكبرى سيما لحركة النهضة وأتباعها بما في ذلك حزب نداء تونس والتحالف من أجل تونس وحتى الجبهة الشعبية، الهيمنة على الحياة السياسية خلال السنوات العشر المقبلة..

ويبدو أن النخب السياسية التونسية تعاني من قصور فادح في الرؤية وهي عاجزة عن التطلع إلى المستقبل بوسائل وأدوات الحاضر، كما أنها غير قادرة وغير مؤهلة لمواجهة التحديات إلا باستلهام الحلول من الماضي، بما في ذلك الاستنجاد برجالٍ وسياسات من الماضي. تلك النخب تحكم تونس كمن يقود سيارة بالاعتماد فقط على مرآة الرؤيا الخلفية.

فمن المعلوم أن النسيج الاجتماعي التونسي يضم شريحة سكانية تناهز الثلثين لا تتجاوز أعمارها أربعين عاما، وتفوق تلك الشريحة ثلاثة أرباع السكان تقل أعمارهم عن 55 عاما. كما أن المنظومة التعليمية التونسية أنجبت منذ الاستقلال نخبة متعلمة تزخر بكفاءات عالية في جميع الإختصاصات، وهناك اليوم كوكبة مرموقة من الخبراء والمختصين التونسيين يعملون في القارات الخمس. ولا شك أن بوسع بعضهم المساهمة في وضع البلاد على سكة الأمان وإعادة الثقة والطمأنينة إلى نفوس التونسيين.

لكن أهل السياسة في تونس كلما ضاق بهم الحال، تراهم يلهثون وراء المنقذ الذي سيقود العربة ويكون عليه إجماع بين مختلف التيارات التي أنهكها التناحر على السلطة وعلى الكراسي. والغريب في الأمر أن الدكاكين السياسية كافة ومن أجل تثبيت موقعها وحساباتها، لا ترى شرعية وكفاءة إلا في رجال الماضي من حقبة الحبيب بورقيبة.. غير أن ذلك لا يمنعها من التناحر حتى آخر رمق لفرض مرشحها، فلا أحد من التونسيين يعلم اليوم لماذا تتمسك النهضة وأتباعها بأحمد المستيري وتتشبث المعارضة بمحمد الناصر؟ والحال أنهما وجهان لحقبة واحدة وسياسة واحدة، رغم أن الناصر يصغر المستيري بحوالي 10 سنوات، ثم أليست الحكومات سياسات قبل أن تكون شخصيات؟

إن حركة النهضة وأتباعها ومن يخطط ويتواطأ معها للاستحواذ على السلطة أو لاقتسامها بعد الانتخابات المقبلة، يتحملون اليوم أمام الله وأمام الوطن والتونسيين جميعا المسؤولية المطلقة عن إدخال تونس في نفق مظلم بكل ما سيترتب عن ذلك من تفكك لأجهزة الحكم والإدارة العمومية وانخرام الأمن وتفشي الإرهاب وتردي الاقتصاد وانتشار الفوضى وانحلال الدولة التونسية.

إن بقاءهم ولو في المقعد الخلفي لسيارة يقودها سائق منهك أثقلت السنون كاهله حتى رُدّ إلى أرذل العمر، لن يزيد أوضاع البلاد والناس إلا تدهورا وسيؤدي بتونس إلى هاوية سيكون من المحال انتشالها منها ما دام هؤلاء السماسرة وتجار النخاسة السياسية جاثمين على صدورنا يتلاعبون بحاضرنا ويعبثون بمستقبلنا.


إعلامي تونسي

8