هل خسرت هيلاري الانتخابات لأنها امرأة؟

الإحباط الذي أصاب الكثيرات من النساء في العالم، بعد رفض الأميركيين أن تتولى شؤون رئاستهم هيلاري كلينتون، طرح سؤالا حول ما إذا كان الرجال لا يزالون يتآمرون على النساء، وأن الثقافة الذكورية لا زالت تمسك بتلابيب عقل الرجل، في أعتى الدول الديمقراطية، غير أن آخرين أكدوا، أن الأمر لا علاقة له، لا بالذكورية ولا بالأنثوية، وإنما هي حسابات السياسة والمصالح والقدرة على تولي مسؤولية الحكم.
الأحد 2016/11/27
دعم نسوي كبير لترامب

عندما ترشحت هيلاري كلينتون لرئاسة الولايات المتحدة، ونجحت في الانتخابات التمهيدية، ووصلت إلى السباق النهائي مع دونالد ترامب، تصاعدت آمال وتوقعات العنصر النسائي، بأن التاريخ لأول مرة، قد يُسجّل بين صفحاته وصول امرأة، لتحكم أقوى دولة في العالم، ظنّا منهن أنها ستكون ممثلة للصوت الأنثوي، ودلالة دامغة على انتصار الفكر النسوي.

لكن الخيبة ظلت سيدة الموقف، وأحست النساء -أو البعض منهن- بأنه بالرغم من وجود قيادات نسوّية قوية وناجحة حاليا، مثل أنجيلا ميركل وديلما روسيف وجانيت يلين وكريستين لاغارد، فإن التوازن الجِندري (أي القائم على أساس النوع/ذكر أو أنثى) استمر مختلا للغاية، نتيجة لواقع المرأة المجحف، والفكر الذكوري المتغلغل في العقلية البشرية.

فوز هيلاري، كان سيمثل، بالنسبة إلى الكثيرات في المجتمعات العربية، تعديلا لكفة الميزان نوعا ما لصالح المرأة، وتمهيدا للمزيد من المشاركات النسائية في الحكم حول العالم، ولدى العرب، وليس فقط في الولايات المتحدة الأميركية.

وخابت التوقعات مع خسارة هيلاري لسباق الريادة، ليضاف بذلك إخفاق جديد، إلى عدد يستحيل حصره، من إخفاقات النساء في السياسة، وليتخذه البعض، ممّن هم ضد المرأة، في العالمين العربي والإسلامي ذريعة ومبررا، للبرهنة على فشلها في تولي الرئاسة.

وتباينت التفسيرات الأنثوية حول هزيمة المرشحة الديمقراطية، واختلفت القراءات وتنوعت الأسباب بين اعتبارات نسوية وفكر رجعي متخلف ضد المرأة، وأخرى تاريخية وسياسية حالت دون وصولها إلى سدة الحكم.

النظرة التاريخية والنسوية، بالسلب أو بالإيجاب، لم تكن هي العامل الحاسم، في اختيارات الأميركيين لمرشحهم الرئاسي

انتقام الرجال

لفتت صحيفة “لوموند” الفرنسية، إلى أن فشل هيلاري، جاء كانتقام من المرأة، وأن الولايات المتحدة أظهرت وجهها الحقيقي في التحيّز ضدها، بعد أن رفض المواطنون تقلد امرأة لأكبر منصب رسمي وهو رئاسة الدولة، وأصرت “لوموند”، على أن المرشحة الديمقراطية فشلت، بسبب التمييز الجنسي لكونها امرأة.

اتفقت هالة مصطفى، رئيسة تحرير مجلة “الديمقراطية” سابقا، مع هذا الرأي، وأوضحت أن الاعتبارات النسوية كان لها دور مهم في فشل كلينتون في الانتخابات.

وقالت مصطفى لـ”العرب” إن المجتمع الأميركي، رغم كونه نموذجا في الديمقراطية وحقوق المرأة ويسعى لتصدير تلك الصورة إلى العالم كله، في الواقع يعدّ مجتمعا محافظا تسيطر فيه النزعة الذكورية، التي ترفض رئاسة المرأة في المناصب السيادية والنزعة الدينية المحافظة، التي تتوجّس من ولاية المرأة، وفي ذلك يشبه الأميركيون المجتمعات الشرقية.

وأكدت مصطفى أن الكثيرات من النساء لم تعطين أصواتهن لكلينتون لعدم ثقتهن في إمكانية قيادة المرأة لدولة عظمى مثل الولايات المتحدة، وإدارة الشؤون الخارجية والداخلية، وامتلاك شفرة الأسلحة النووية، خاصة بعد فضيحة تسريبات ويكيليكس باستخدام كلينتون بريدها الإلكتروني الخاص في استقبال رسائل رسمية، بعيدا عن البريد الرسمي لوزارة الخارجية، وهو أمر يعد استهانة بالأمن القومي الأميركي.

انحياز البعض من النساء لكلينتون، لم يؤثر في الكثيرات، بدليل أن تصريحات ترامب المسيئة والمهينة للنساء من خلال شريط الفيديو الذي تم تسريبه له، الأمر الذي سعت كلينتون لتوظيفه خلال المناظرات وحملتها الانتخابية للهجوم على منافسها وكسب المرأة لصالحها، لم تؤثر سلبا على مواقفهن السياسية والانتخابية.

في مختلف أنحاء العالم، تعرّضت النساء للصدمة، وزاد حجم شعورهن بالمرارة، بسبب الموقف السلبي للمرأة الأميركية الناخبة تجاه واحدة منهن كانت مرشحة، في دولة طالما تغنّت بشعارات المساواة التامة بين المرأة والرجل، وتمكين المرأة من الوصول إلى مراكز اتخاذ القرار.

فوز هيلاري كان سيمثل تعديلا لكفة الميزان لصالح المرأة

وقال البعض من محلّلي علم الاجتماع، إن ما يتمّ ترديده، هو مجرّد عبارات وجُمل، تنطلق من الأفواه فقط، لتسويق ترهات وأكاذيب، تدّعي الدفاع عن حقوق المرأة، بينما واقع الحال يؤكد أن الموقف الفكري المتوارث ضدّها، مازال كما هو، ويحكمه عدد من التصورات الاجتماعية والسياسية، تنقص من إمكانية تقبّل المرأة في مناصب الحكم، وأن العقلية الذكورية مازالت متجذرة، وتخيم بظلالها حتى على المجتمعات الأكثر تقدما.

الأميركية إيمي سيسكيند، الخبيرة في مساعدة النساء على النجاح، قالت في تشاؤم، إنها الآن قد تسلل إليها الشك، للمرة الأولى منذ 50 عاما، في أنها سترى رئيسة جمهورية امرأة في حياتها، وأكدت في رسالة لها، أن الكثيرات من النساء ينحزن على ما يبدو ضد النساء الأخريات.

أكذوبة عنف المرأة

الاعتبارات النسوية والذكورية، دعّمتها أيضا صفحات في التاريخ، طالما روّجت لأن النساء، عندما يحكمن، يمارسن عنفا، لم يلجأ إليه رجال سبقوهنّ إلى الحكم، واستشهدت تلك الصفحات بتجارب دامية لنساء حكمن العالم على مر التاريخ، كرئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر، التي خاضت حربا ضارية ضد الأرجنتين، لاستعادة جزيرة تابعة لإنكلترا في المحيط الأطلسي.

وفي الماضي، كانت هناك الملكة زنوبيا، التي تمرّدت على الإمبراطورية الرومانية، وشنّت حملات عسكرية قادتها بنفسها، لتوسيع مناطق نفوذها، فأصبحت ملكة لسوريا وفلسطين ولبنان ومصر والأناضول معا، وأطلق الناس عليها لقب الملكة المحاربة.

وهناك أيضا جان دارك (بطلة قومية في فرنسا)، والمعروفة تاريخيا ببطلة حرب المئة عام، التي دارت بين الفرنسيين والإنكليز، ويقول عنها المؤرخون إنها فاقت في عنفها عنف الرجال.

المروّجون لأكذوبة عنف المرأة ودمويتها، إن هي تولّت مقاليد الحكم، عتّموا على النماذج الإصلاحية المشرّفة في سيرة تاريخ العقل السياسي للمرأة، مثل الرئيسة الفلبينية الراحلة كورازون أكينو، التي قادت ثورة سلمية شعبية، انضم إليها الجيش لتتولى مقاليد الحكم في الفلبين.

على خلاف تلك الرؤية، رأت نورهان الشيخ، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن النظرة التاريخية والنسوية، بالسلب أو بالإيجاب، لم تكن هي العامل الحاسم في اختيارات الأميركيين لمرشحهم الرئاسي وأن العوامل السياسية كانت هي التي حسمت فوز ترامب على كلينتون وبفارق كبير.

وقالت الشيخ لـ”العرب” إن العامل النسوي، كان يمكن أن يكون عاملا إضافيا وحاسما، إذا توافرت العوامل الأخرى في كلينتون، لكنّها دفعت ثمن أخطائها إبّان مسيرتها السياسية السابقة، سواء عندما كانت سيدة للبيت الأبيض كزوجة للرئيس الأسبق بيل كلينتون، أو كوزيرة للخارجية، أو عضوة بمجلس الشيوخ، حيث أدرك الناخب الأميركي، أنها غير مؤهلة لمواجهة التحديات المتزايدة أمام المجتمع والمرأة الأميركية.

وإذا انتقلنا إلى مجتمعاتنا العربية، فإنّ الكثير من الخبراء، يرون أن القياس بين المجتمع الأميركي والمجتمع العربي، قياس مختلف، حيث أن الثقافة والدين والعادات والتقاليد والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، تلعب دورا مخالفا لما هو موجود في أميركا، وفي الغرب عموما.

وبالنسبة إلى تأثير هزيمة هيلاري، على إمكانية اعتلاء المرأة كرسيّ السلطة في المجتمعات العربية، أوضحت نشوى الديب، عضو البرلمان المصري لـ”العرب”، أن العكس هو الصحيح، وأن الفشل سوف يفتح آفاقا جديدة أمام نضال المرأة وصعودها إلى أعلى المناصب، لكن سيبقى العامل الثقافي عائقا أمام تحقّق تلك الآفاق، بالإضافة إلى عادات المجتمع وتقاليده، ودرجة تطوره السياسي.

ورغم تحسّن وضع المرأة في الكثير من دول العالم، إلا أن المنطقة العربية، تمثل استثناء من هذه القاعدة، حيث مازالت النظرة الذكورية، سدا منيعا أمامها، في ترقّي سلّم المناصب السيادية العليا، ومع أنها أصبحت وزيرة، وعضو برلمان، ورئيسة جامعة، بل و”عُمدة” في البعض من القرى المصرية، لكن لم تتولّ حتى الآن، منصب رئيس الدولة.

كاتبة من مصر

20