هل خسر الأصوليون معركة البرقع في المغرب؟

الاثنين 2017/01/23

لعل الوقت لا يزال مبكرا للإجابة، وربّما لا يزال مبكرا لطرح السؤال: هل خسر الأصوليون معركة البرقع في المغرب؟

كعادتهم، فقد فضل الإسلاميون الرّسميون وشبه الرّسميين الصمت المريب، عسى أن يلعبوا دور الوساطة إذا ما اشتدت الفتنة كما يأملون. أما السلفيون فإنهم منقسمون كعادتهم بين تيار التكفير وتيار التمكين. مثلا، في الوقت الذي يرحب فيه الشيخ محمد الفزازي بقرار وزارة الداخلية القاضي بمنع خياطة وبيع البرقع، نلاحظ في المقابل أنّ الشيخ عمر الحدوشي والشيخ حسن الكتاني، وغيرهما من شيوخ السلفية الجهاديّة بالمغرب، لم يكفّوا ألسنتهم عن مهاجمة القرار وتحريض الناس على التمرّد والعصيان.

رغم ذلك، بوسعنا الاطمئنان إلى أن ليس ثمة -إلى حدود كتابة هذه السطور- أي حراك احتجاجي في الشارع المغربي. لكن، لا ننسى أن الحكاية لم تنته بعد. ففي مدينة واحدة على الأقل، تطوان، شهد الجمعة الماضي نشاطا مريبا لما يسمّى باللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين، والتي قامت بتوزيع بيانات داخل بعض المساجد للتنديد بالقرار والدعوة للاعتصام في إحدى الساحات، مع تحديد يوم لذلك.

عموما رغم أن القرار كان مفاجئا وصدم شريحة واسعة من السلفيين الذين يعتبرون البرقع عبادة في مرتبة الصلاة وقد تسبقها، كما كان صادم لحلفائهم في سائر فصائل الأصوليين، إلا أنه لم يثر إلى حدود الساعة تلك الاحتجاجات التي توقعها البعض وعمل لأجلها البعض الآخر. لكن لا بد من التوضيح أيضا أن القرار الصادر عن وزارة الداخلية، لا يشمل منع ارتداء البرقع كما روّجت بعض المواقع، وإنما يخص منع خياطته وبيعه.

في تقديري الشخصي، قد يبدو القرار للوهلة الأولى كأنه نوع من المنع المحتشم، إلاّ أنه رغم ذلك لا يخلو من ذكاء في آخر التحليل. لماذا؟ لأنّ الأمر يتعلق بمنهجية للمنع لا تمنح هذه المرّة للمبرقعات (النساء اللواتي ترتدين البرقع) فرصة احتلال موقع الضحية، أو لعب دور الضحية. تجنّبت الدولة فخ الاصطدام في الشارع مع المعنيات بالأمر، وذلك بأن حصرت المنع في نطاق صناع البرقع والمتاجرين به، وصولا إلى كل ما يرتبط بذلك من إشهار ودعاية ونحو ذلك. وبالمناسبة، لعلنا نتذكر الفخ الذي وقع فيه القانون الفرنسي القاضي بمنع ارتداء “البوركيني” في الشواطئ، وكيف تحولت صورة تلك المرأة التي اضطرتها الشرطة لخلعه في أحد شواطئ مدينة نيس إلى مشهد يكاد يستهجنه الجميع، بما في ذلك الحقوقيون واليساريون. عموما قد لا تبدو المقارنة جائزة، إذ بخلاف البوركيني الذي لا يطرح سوى مشكلة رمزية بصرف النظر عن جديتها، فإن البرقع يتعدى الإطار الرمزي ليطرح مشكلات أمنية حقيقية. ولهذا السبب طبيعي أن تكون وزارة الداخلية عندنا هي الجهة المعنية بإصدار القرار.

إن إخفاء الوجوه داخل الفضاء العمومي، وداخل المؤسسات العمومية، وداخل مقرّات العمل، وأثناء سياقة السيارات، وأثناء اجتياز الاختبارات، وأثناء إجراء المقابلات، وأثناء المنافسات الرياضية والثقافية، وأثناء إجراء التحويلات المصرفية، وأثناء عبور الحدود، وأثناء مطاردة الشرطة للمجرمين في الشارع.. إلخ، كل ذلك يمثل تحديا أمنيا يصعب تخطيه. إن أساس العقد الاجتماعي أن نعرف مع من نتكلم؟ مع من نتبادل التحية؟ مع من نتحاور؟ مع من نتفق، أو نلتزم، أو نتفاوض، أو نتضامن، أو نتعاون، أو حتى نتخاصم؟ من وجهة نظر العقد الاجتماعي، فإن الوجه والصوت هما المظهران الأكثر تعبيرا عن هوية الفرد، ومن ثمة استعداده لتحمل مسؤولياته وقراراته والتزاماته وتعهداته.

حين نعتبر وجه المرأة مجرّد عورة، وصوتها مجرد عورة، فهذا معناه أننا لا نتعامل مع المرأة كفرد له هوية مستقلة وإنما نتعامل معها ككائن مجهول الهوية، بل نتعامل معها ككائن ملحق بشخص آخر. البرقع هو التعبير الأشد انحطاطا للنظرة المهينة للمرأة باعتبارها عورة آثمة ملعونة، إن لم يعد وأدها بالتراب مباحا فمن المباح وأدها بالثوب الأسود. أخيرا، وحتى نتفادى التباس المفاهيم، يؤكد الفيلسوف الألماني كانط، أن الفرد الذي يهين كرامته بذاته إنما يهين في شخصه كرامة البشرية. وهنا لا مجال للحديث عن الحرية الشخصية.

كاتب مغربي

9