هل خسر الأميركان معركتهم في العراق

الأربعاء 2016/09/28

تعوّدنا منذ أن غادرت القوات الأميركية نهاية عام 2011 العراق -بشكل رسمي وليس فعليّا- أن نسمع في وسائل الإعلام العراقية جملة مفادها أن “الأميركان خسروا معركتهم في العراق أمام صلابة المقاومة الإسلامية”.

غالبا ما تتردد هذه الجملة على لسان قوى وشخصيات مشاركة في عملية سياسية أسّسَ لقواعدها الطائفية -وهنا تكمن المفارقة – الاحتلال الأميركي نفسه، فهو الذي قننها في دستور جاءت الكثير من بنوده وفقراته لتنسف الهوية الوطنية وتروج لهويات فئوية.

تبدو المعركة مع المحتل الأميركي بالنسبة إلى هؤلاء الذين يرددون هذه الجملة وكأنها تحمل بعدا عسكرياً لا غير، وأنها قد انتهت بالنصر مع خروجه الرسمي.

هذا الخطاب يحمل قدرا من السذاجة بقدر ما يبعث على السخرية، ذلك لأن الأميركان لم يخرجوا من العراق، اليوم هناك ما يزيد عن 4000 جندي أميركي يوجدون على أرضه، وهذا العدد سيكون قابلا للزيادة في الأيام القادمة مع اقتراب معركة تحرير الموصل، خاصة أن قاعدة القيارة العسكرية الجوية (300 كلم شمال بغداد وعلى بعد 60 كلم جنوب محافظة نينوى) التي تم تحريرها في 9 يوليو 2016 بعد أن كان تنظيم داعش قد سيطر عليها في شهر يونيو 2014، ستكون بمثابة قاعدة أميركية أساسية حسب ما تشير إليه التقارير الدولية، وستتضح هذه الصورة بعد الانتهاء من معركة تحرير الموصل من سلطة داعش والتي سيكون للأميركان الدور الرئيس في إدارتها والمشاركة فيها مع الجيش العراقي وقوات البيشمركة وقوات مؤلفة من عشائر نينوى.

واقع حال البلاد وبعد أكثر من خمسة أعوام على الخروج المزعوم للجيش الأميركي من العراق يشير إلى خطأ هذه الجملة (المقاومة الإسلامية هزمت المشروع الأميركي في العراق) وهناك الكثير من الدلائل التي تؤكد على أن العراقيين قد أكلوا الطعم وسقطوا في الفخ الذي نصبته لهم واشنطن قبل عام 2003 بدعم وإسناد الأحزاب السياسية العراقية التي كانت تُحسب في خانة القوى المعارضة للنظام السابق. وما هو أهم في هذا الموضوع، كيف يمكن لنا التسليم بهذه الفكرة، خاصة أن الذي يروّج لها قد جاء به المحتل على ظهر دباباته إلى سدة الحكم.

أيضا ستبدو هذه الفكرة لا معنى لها حتى لو جاءت على لسان ما يدعى بالمقاومة التي لم تشارك في العملية السياسية وواجهت المحتل في عدد من المدن العراقية، ذلك لأن المشروع الأميركي وبعيدا عن قضية إسقاطه لمفهوم السيادة العراقية وسيطرته التامة على ثروات البلاد، قد نجح في تدمير الضمير الجمعي وإحالته إلى شظايا متناثرة بعد أن كان يحمل في داخله ممكنات العيش المشترك ما بين مكونات المجتمع العراقي، وأصبح من الصعب لملمته مع استمرار العوامل والقوى التي أوجدت هذه الحالة. وهل كانت الإدارة الأميركية تسعى إلى أبعد من هذا الهدف؟

لقد خسر العراقيون وطنهم باعتباره فكرة تجمعهم تحت ظلالها، قبل أن يخسروه باعتباره أرضا تكالبت على اقتسامها حفنة من تجار الدم الذين تستروا بشعارات الديمقراطية والعدالة والحرية، وحتى شعاراتهم الطائفية التي رفعوها لم تكن سوى خديعة لجأوا إليها لتضليل العوام من الطوائف التي ينتمون إليها، بهدف الاستمرار في مشروع تدمير فكرة الوطن وتشظيتها داخل الوجدان الجمعي قبل أن يتمكنوا من تحويلها إلى حقيقة ملموسة على أرض الواقع.

المشروع الأميركي نجح في تدمير الضمير الجمعي بعد أن كان يحمل في داخله ممكنات العيش المشترك بين مكونات المجتمع العراقي

إن معركة الأميركان العسكرية للسيطرة على العراق بلدا وشعبا وإمكانات، إذا ما نظرنا إليها من خلال الحسابات العسكرية ومقارنة مع معارك أخرى سواء في التاريخ الحديث أو القديم سنجدها من أبسط المعارك ليس بالنسبة إلى الأميركان فحسب بل بالنسبة إلى غيرهم أيضا، لأنها حُسمت خلال أقل من أسبوعين (21 مارس – 9 أبريل 2003).

وفي الحقيقة فإن الأميركان أنفسهم لم يكن في حساباتهم أن المعركة ستنتهي بهذه السرعة بعد أن كانوا قد جندوا لها دعما وإسنادا من قبل أكثر من أربعين دولة شاركت أغلبيّتها بجيوشها، فإذا بالعالم يصحو فجأة على حقيقة لم يكن يتوقع أن يراها أمام عينيه عندما وجد العراق يهزم عسكريا وكأنه بلد بلا جيش ولا شعب، وإلا كيف يمكن تفسير هذا السقوط السريع الذي تفاجأ به الأميركان مثلما تفاجأ به العراقيون وكأنه صدمة. وسيكون سقوط الموصل بعد 12 عاما الصدمة الثانية التي ستكمل بنتائجها تدمير ما تبقى من روابط بين العراقيين، وليصبحوا الأقرب إلى أن يكونوا قبائل منعزلة لا يعرف بعضها البعض وكل واحدة منها تنتهز الفرصة للنيل من الأخرى.

إن معركة الأميركان الحقيقية ضد الشعب العراقي بدأت في اللحظة التي غطى فيها ذاك الجندي الأميركي في 9 أبريل 2003 تمثال صدام حسين الشاخص في ساحة الفردوس وسط بغداد، قبل أن تسحب التمثال دبابة أميركية بالسلاسل وتسقطه على الأرض.

كانت تلك أول خطوة أقدم عليها الأميركان في معركتهم الحقيقية ضد العراقيين، ولم تكن أسلحتهم فيها أسلحة تقليدية من طائرات ودبابات وأسلحة متطورة أخرى، إنما اعتمدوا على سلطة سياسية مصطنعة أشد فتكا دفعت المجتمع العراقي المحبط والمصدوم نتيجة ما شهده من حروب وكوارث إلى انتهاج أنساق سلوكية طفيلية أشاعت في منظومة الفرد الأخلاقية أبشع صور الفساد المالي والإداري، واستبعدت منه الفاعلية السياسية التي يمكن أن يلعبها في تحقيق السلم والأمن الاجتماعيَّيْن.

خلاصة ذلك أنهم تمكنوا من الإجهاز على فكرة الوطن في داخله، لتحل بدلا عنها مشاعر انتماء فئوية منفلتة لا تقف أمامها أي حدود أخلاقية أو قانونية أو وطنية، حتى أصبحت فكرة التوسع والتمدد والاستيلاء على حقوق الآخرين مسألة شائعة وقابلة للتداول والنقاش بين القادة والزعماء، مثلما هي شائعة بين المواطنين.

تكفل بإنجاح هذه المهمة قادة الأحزاب، بكل انتماءاتهم الدينية والقومية، حتى أصبحت قطاعات واسعة من الشعب تردد وراءهم مثل الببغاء قاموس مفرداتهم وتحولت يوما بعد آخر من مفاهيم لفظية إلى قناعات وممارسات ومشاعر يومية، بذلك تمكنت من أن تقسِّمهم وتجزئهم إلى إخوة أعداء، وما عادوا يشعرون بتعاطف متبادل إزاء ضحايا ينتمون إليهم، كانوا يسقطون هنا وهناك بفعل عمليات إرهابية طالما ليسوا على ملتهم ومذهبهم ودينهم، حتى أن السخرية من معتقدات الآخرين باتت أمرا طبيعيا في ما بينهم، ولعل مواقع التواصل الاجتماعي أفضل عينة لهذا الانحدار والاحتدام المجتمعيَّيْن.

في مقابل ذلك وجدنا، ومن باب النكاية بشركاء الوطن، تعاطفا واحتراما ومراعاة لمعتقدات جماعات وشعوب أجنبية البعض منها تعبد روث البقر أو تقدس زواج المرء من الكلاب رغم أنها تعيش في مناطق بعيدة جدا عن العراق.

رمزية حركة الجندي الأميركي وهو يغطي وجه تمثال صدام حسين بالعلم الأميركي كانت في لحظتها تشير إلى أن العراق بملامحه الواضحة التي كنا نعرفه بها قد اختفى تماما وأصبحنا أمام عراق آخر يشوب ملامحه غموض موحش ومريب، واكتشفنا بعد عام 2011، بما شهدته منطقة الشرق الأوسط من اضطرابات سياسية وعسكرية، أن العراق كان نسخة البروفة النهائية قبل الطبع (كما في لغة الصحافة) لتُستنسخ منها في بلدان عربية نسخ أخرى كما في سوريا وليبيا واليمن، وربما القائمة ستطال غير هذه البلدان، فالأيام مازالت حبلى بالكثير من الأحداث والمفاجآت.

فهل بعد هذا الخراب الشامل الذي أصبحنا عليه يحق لدعاة المقاومة الإسلامية، خاصة المشاركين في العملية السياسية، أن يصدعوا رؤوسنا وهم يرددون على مسامعنا أن الأميركان خسروا معركتهم في العراق؟

كاتب عراقي

9