هل دخلت إيران مرحلة ما بعد الدولة الدينية

الاثنين 2018/01/08

من الإجحاف محاولة تفسير الموجة الاحتجاجية العارمة التي يقودها الشباب الإيراني منذ أيام على أنها مجرد انتفاضة خبز. ولئن كانت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السيئة هي الحافز الظاهر لأغلب الانتفاضات فكثيرا ما تكون المحفزات المستترة هي الدافعة للتمرد.

وفي حالة إيران يبدو الأمر واضحا للعيان، فنصف الشعب الإيراني ولد بعد “الثورة” ووجد نفسه تحت حكم غريب عن العصر وقيمه؛ شباب يعيش ذهنيا في عصره، يعرف تماما ما يجري في العالم ويدرك أن تطلعاته وأحلامه مستحيلة التحقق تحت حكم ولاية الفقيه الجاثم على البلد بقوة النار والدين منذ نحو أربعة عقود.

لقد رفض الشعب الإيراني في أغلبيته حكم رجال الدين منذ البداية وكان يعرف أن تلك الثورة المزعومة ليست بثورة. ورأى بأم عينيه مع مرور السنوات أنها كانت مصنعا للفشل والخيبات والآفات الاجتماعية والفقر وتوابعه. فسرعان ما اكتشف الإيرانيون الوجه الحقيقي لنظام الملالي حينما بدأ يطبق ما كان يخفي، فضيّق على الحريات السياسية وغير السياسية ولم يعد بإمكان أي إيراني ممارسة أي شكل من أشكال السياسة إن لم يكن مؤمنا بولاية الفقيه وعودة الإمام وشرعية المرشد الأعلى المطلقة.

لقد اكتشف الشبان الإيرانيون اليوم خدعة المحافظين والإصلاحيين وعرفوا أنّ هذين التيّارَيْن وجهان لعملة واحدة، لا هدف لهما سوى المحافظة على استمرارية النظام القروسطي وتسيير الكبت الجماعي.

في عصر الإنترنت والذكاء الصناعي فرض النظام روحانية شعبوية لم يعرفها بلد قط، ناسيا أن الشبيبة لا يمكن أن تضحي بالحاضر مقابل مستقبل غامض لا يتبين خيوطه حتى خبراء الملالي أنفسهم، إذ بعد أربعين عاما من قيام ثورتهم الإسلامية المزعومة لم يجدوا بعد النظام الاقتصادي الملائم لإيديولوجيتهم المتكلسة.

لا يطالب الجيل الجديد بإصلاح ما لا يمكن إصلاحه، بل هو اليوم يطالب بالعودة إلى قيم العصر والإطاحة بقيم الماضي التي أوصلت بلده إلى الحضيض. لا ينتظر شباب إيران اليوم ظهور السيد الغائب بل ينادي بسقوط من ينوب عنه اليوم: المرشد علي خامنئي ومعه الدولة الدينية برمتها. لهذا الجيل مطالب عفوية عصرية لم يعد يفيد معها الالتجاء إلى الغيبيات ولا إلى الإيديولوجيا الطائفية ولا إلى خدع وأساطير الملالي البائسة. جيل ما بعد الثورة لا يؤمن بفلسفة تحقير الحياة وتمجيد الموت، بل يتطلع إلى العيش والاستمتاع وتحقيق الذات في دولة علمانية يكون فيها الناس سواسية بغض النظر عن دينهم ومذهبهم ولونهم.

إن كان لما حدث ويحدث في إيران منذ 1979 من مزية أو درس ينبغي أن يستخلصه العرب هو كونها كانت مخبرا عرفنا من تجاربه أن ما يسمى “ثورة إسلامية” و“جمهورية إسلامية” و“دولة إسلامية” ما هي إلا أوهام لا يجني منها مجربوها سوى الفقر والاستبداد والفساد والحرب والخراب. يدق المتظاهرون في إيران آخر مسمار في نعش الدولة الاسلامية ليس في بلدهم فحسب وإنما في أذهان من يؤمنون بها في بلدان العرب ويعلنون بداية عهد ما بعد الدولة الإسلامية.

كاتب جزائري

9