هل دخلت ورش الكتابة الإبداعية العربية قفص الاتهام

مازالت ورش الكتابة الإبداعية مثار جدل، بين الرفض والقبول، فهل يتمّ في هذه الورش إخراج الكتابة من مناطق الإلهام إلى مناطق التعرف على عناصر الضعف والقوة لدى المنتسب للورشة؟ وهل الموهبة شرط ضروري؟ ففي كتاب “تقنيات الكتابة: القصة القصيرة والرواية”، ترجمة رعد عبدالجليل جواد، والذي هو عبارة عن مجموعة من المقالات لكتّاب معروفين توضح أن كتابة القصة والرواية عملية منظمة تستند إلى برامج وخطط من خلال تقنيات مرحلية وأخرى إستراتيجية تمتد على طول العمل وتحتويه بالكامل. أيضا هناك تجربة رائدة في مجال ورش الكتابة الإبداعية وهي “محترف الكتابة” بإشراف الروائية نجوى بركات.
الثلاثاء 2016/01/05
ورشات الكتابة أصبحت تجارة عالمية

لسنا هنا في مجال محاكمة أيّ أحد، بل طرحنا موضوع ورش الكتابة كقضية تحتمل وجهات نظر متعددة.

يوضح القاص الليبي فوزي الحداد بأن الورش الإبداعية نظام عملي بدأ يتسع رويدا رويدا في العالم الإبداعي حاليا، وهي تهدف إلى تدريب المبدعين الذين يمتلكون قدرا من الموهبة أو الذين لهم تاريخ كتابي معروف، فهي لا تعلم الكتابة وإنما تهتم بتقنيات الصناعة الإبداعية.

وقد ظهرت مؤخرا ورش أكثر تخصصا مثلا ورش الكتابة الروائية. وبطبيعة الحال ينخرط في هذه الورش المهتمون بالكتابة الروائية ممن يمتلكون القدرة على ذلك، ولا يتمّ فيها التركيز على اللغة بقدر التركيز على الأسلوب، وعلى استجلاء مناطق القوة السردية التي تتيح للروائي انفتاح نصه على الكتابة دون عوائق تقنية.

ويضيف: نعم تفيد في تعلم التقنيات الكتابية لأن هذا هو هدفها، لكن كما قلت سابقا يشترط توفر قدر من ملكات الكتابة والموهبة للنجاح في الورشة والخروج بنص ناجح وناضج، في الآونة الأخيرة خرجت من رحم هذه الورش روايات رائعة نالت جوائز عالمية. ومن هنا جرى تسليط الضوء عليها أكثر حتى أن لجان الجوائز العالمية بدأت تهتمّ بإقامة هذه الورش أكثر من اهتمامها بالمؤتمرات النقدية.

ويتابع الحداد: أنا مع هذه الورش بشرط أن تكون أكثر تخصصا، مثلا ورشة الكتابة القصصية أو الروائية أو حتى النقدية… ينضمّ إليها من يهتمّ فعلا بموضوع الورشة وله ممارسات كتابية فيه. لأن الهدف من هذه الورش ليس مجرّد التعلم وإنما إخراج أعمال جليلة وناضجة بعد أن تكون الورشة قد شذبتها ونقحتها.

تقنية وتدريب

للمترجمة العراقية ميادة خليل رأي مختلف في موضوع الورش الإبداعية، حيث تقول: لكل ورشة للكتابة الإبداعية أهداف معينة، لكنها تشبه دروس تعلم لغة جديدة، بإمكانك أن تتعلمها وحدك بالتمرين. أظن أن مثل هذه الورش مفيدة لأهداف أكاديمية، إعلامية أو إدارية، وتكون مفيدة أيضا في حالة من يريد كتابة الأدب، سواء قصة أو رواية أو نثر، بلغة مختلفة عن لغته الأم، عندها سيكتشف نقاط قوته وضعفه في التعبير عن فكرته.

أحمد التهامي: الورش الإبداعية نظام عملي بدأ يتسع

وتضيف خليل: لازمت هذه الورش الصبغة التجارية وخاصة في أميركا، حيث أصبحت مشروعا مربحا، ويدعون في هذه الورش أشهر الكتّاب، ليقدموا نصائح من خبراتهم مع الكتابة إلى المنتسبين. فهذه الورش تُعلم تقنيات الكتابة بكل تأكيد، مهما اختلفت أهدافها، لكن إذا أراد الكاتب البدء في كتابة قصة مثلا، هل سيلجأ إلى هذه التقنيات التي تعلمها؟ لا أظن. وهذا يقودنا إلى سؤال آخر، هل التحق كبار الكتاب الذين نقرأ لهم ونحبهم، بهذه الورش؟ رغم أن منهم من يقوم بالتدريس فيها. لا أظن.

وتؤكد ميادة خليل أن متطلبات الكتابة الإبداعية تختلف عن الكتابة عموما. والتدريب الوحيد على الكتابة هو ممارسة الكتابة، ومنها يكتشف الكاتب بنفسه قدرته وأسلوبه الخاص. فلست ضدها ولا معها.

الكتابة انعتاق

الشاعر المصري جابر طاحون، بدأ حديثة بالتأكيد على أنه لا يحبذ الورش الكتابية، موضحا أنه يمكن القول بأنها تخلّ بقاعدة الكتابة الوحيدة وهي أن لا قواعد لها، وذلك هو الجمال في فعل الكتابة إذ أنها نوع من الانعتاق/ الحرية.

ويضيف طاحون قوله: الورش مرتبطة بالمُحاضر بأمر أشبه بالمقامرة. قد تنضمّ للورشة أحيانا بدافع اسم المُحاضر، طبعا لا أنفي أن الرغبة الأولى هي الكتابة، لكن عوامل كثيرة تخضع لها الورش في ظني أنها إجحاف للكتابة وقد تضرّ الملتحق إن لم يكن المحاضر على درجة عالية من الوعي بحرية الكتابة.

ويتابع: قد تقصقص الكتابة ريش الملتحق وتخرجه في صورة من قالب جماعي/ الورشة، القالب المصبوب من المُحاضر. الورش قد تعلم التقنية أو تحسّنها وهي أمر يمكن تداركه بمجهود شخصي وتمارين دون حاجة للورش. قد يرى البعض أن الورش تكون مثل تفاعل الأصدقاء لكن مجرد صيغة الورشة تقتل بساطة ورحابة تفاعل الأصدقاء، وتقتل الطاقة الداخلية للكتابة فيكون الأمر أشبه بصف دراسي. الطريقة الوحيدة لتعلم الكتابة هي ممارسة الكتابة دون صبغة من أحد.

السيناريست الليبي أحمد التهامي، والذي يشرف الآن على ورشة كتابة القصة الواقعية يقول: هذه الورش مفيدة في تعلم تقنيات الصف والتعلم بحسب الفيلسوف الفرنسي باشلار، ففيها يتمّ تعديل ما هو موجود أصلا من معلومات، والتي تكون إما غير دقيقة وإمّا مختلطة باعتبارات غير عملية. فهذه الورش فرصة للتخلص من معيقات الكتابة بالتدرب اليومي على الكتابة وفقا لمنهج منضبط. وبتوفر الموهبة فإن الورش تفيد في تعلم تقنيات الكتابة القصصية وفق ضوابط علمية.

15