هل روسيا عدوة لأميركا

الأربعاء 2017/04/05

سلسلة من التساؤلات يثيرها السيل المتواصل لعمليات الكشف عن قيام أعضاء من إدارة دونالد ترامب باتصالات مباشرة مع روسيا أثناء الانتخابات الرئاسية لسنة 2016 وبعدها، تتمحور حول: هل يعد هذا مشكلة ذات أهمية؟ وهل أن روسيا هي فعلا عدوتنا؟ وقد يأتي الجواب مفاجئا.

إن نعت روسيا بأنها عدو في هذا الوقت بالذات ليس بالأمر الدقيق، وبدل ذلك من الأنسب نعتها بأنها خصمنا. قد يبدو ذلك تمييزا صغيرا، لكنه تمييز معبّر. الخصم هو منافس استراتيجي، وهو ند يتنافس من أجل التفوق ويناضل من أجل بلوغ الهدف نفسه. في حين أن العدو هو المقابل العدواني، أي أنه عدو يسعى إلى تدمير خصمه.

أساسا لا ريبة في أن مصالح موسكو وأهدافها تتعارض بشكل مباشر مع القيم الغربية والديمقراطية، والأهم من ذلك أنها تتعارض مع النظام العالمي الليبرالي. ويتضارب جل ما تفعله روسيا أو تتمنى تحقيقه بشكل مباشر مع المنظومة الدولية التي ساهمت الولايات المتحدة في تركيزها من أجل إدارة الصراعات وتعزيز التعاون.

لماذا إذن تعتبر روسيا مجرد منافس للولايات المتحدة، بدلا من أن تكون عدوا لا لبس فيه للنظام الذي تسانده تاريخيا؟ هذا التمييز ينبع من حدوث تغيير في القيمة التي تمنحها الولايات المتحدة لمُثلها التقليدية الخاصة بها. لكن قبل الدخول في موضوع القيم الأميركية المتغيرة، دعنا نتفحص كيف تنظر روسيا إلى علاقتها مع الولايات المتحدة.

انطلاقا من نزاعاتنا المتعلقة بحرب كوسوفو، إلى خلافاتنا المتعلقة بالسلوك الأميركي في الحربين في العراق وأفغانستان، وصولا إلى اللوم الأخير الذي وجهته موسكو إلى الغرب عن انهيار حكومة موالية لروسيا في أوكرانيا، من الواضح أن روسيا تنظر إلى التصرفات الأميركية على أنها تشكل تهديدا لمصالحها. وبناء على ذلك فإن المشروع الفكري الذي يعتبر روسيا صديقة للولايات المتحدة لا يتوافق مع الحقائق الأساسية التي نعرفها حول العلاقات الدولية والسلوك المتبع مؤخرا.

يتضمن السلوك المريع لروسيا في الشرق الأوسط، دعم نظام سوري يستخدم الإعدامات الجماعية والأسلحة الكيميائية ضد شعبه، وقائمة الصحافيين الروس الذين حاولوا كشف الحقيقة وقُتلوا جراء جهودهم قائمة مرعبة. وبالطبع ليست الولايات المتحدة بمنأى عن اللوم في ما يتعلق بالأرواح التي أزهقت نتيجة لسياستها الخارجية، لكن انتهاكات الدولة الروسية تتجاوز كثيرا مدى الخروقات الأميركية الحديثة.

الارتباك والتفكك في السياسة الأميركية يوفران فرصة لدفع الأجندات الروسية إلى العالم الغربي، وهذه الحالة التي تعاني منها السياسة الأميركية تعد أمرا حاسما لبلوغ روسيا أهدافها، إذ أن بذر ضعف الثقة في المؤسسات الغربية يسمح لموسكو بتعزيز الأيديولوجيات والمسارات التي تدعم مصالحها. ونذكر من بين هذه المسارات دعم الحكومات التسلطية ودعم القوميين على أساس إثني، ودعم حكم السراق الذين يستخرجون الموارد لمكاسب شخصية.

كل هذه الأشياء تتعارض بشكل مباشر مع القيم الأميركية، فهي تتضارب مع مفهومنا التقليدي للحريات الأربع (التحرر من الحاجة، والتحرر من الخوف، وحرية العبادة، وحرية التعبير) مثلما عبّر عنها الرئيس فرانكلين ديلانو روزفالت. من الصعب إيجاد مثال آخر لبلد تتعارض أخلاقه الأساسية بشكل مباشر مع المشروع الأميركي بنفس الدرجة كما هو الحال مع روسيا.

لماذا إذن لم نعد نستطيع تصنيف روسيا كعدو واضح لنا بالنظر إلى الأمثلة الكثيرة للسلوك المعادي للديمقراطية والمعادي لليبرالية الذي مارسته الدولة على مواطنيها وبقية العالم؟

كيفية نظر الولايات المتحدة إلى روسيا لها علاقة مباشرة بمدى القيمة التي نعطيها نحن الأميركيين إلى أشياء من قبيل الحرية والديمقراطية والليبرالية الاقتصادية وحماية الحلفاء التقليديين في حلف الناتو. هل الأميركيون يهتمون فعلا بما يجري في سوريا؟ هل نحن مستعدون للدخول في حرب لمجابهة العدوان الروسي في أوكرانيا، أو لاتفيا؟ هل نهتم لمنظومة دولية منفتحة ترتكز على التجارة الحرة والسياسة الليبرالية؟ إن الأجوبة الصادقة والصريحة عن هذه الأسئلة ربما تجعلنا أقل اختلافا عن روسيا مما نحن مستعدون للاعتراف به.

من الواضح جدا أن الولايات المتحدة فشلت في الوقوف أمام العدوان الروسي الصارخ في سوريا وأوكرانيا، وكذلك الفشل في الحفاظ على المثل الأميركية واضح أيضا بشكل مؤلم في واقع الولايات المتحدة اليوم الذي نشهد فيه اختباء المهاجرين أثناء الحملات الأمنية خشية انتزاعهم من عائلاتهم واجتثاثهم من الحياة التي يعيشونها.

الفشل الحقيقي لواشنطن هو عجزها عن صياغة مشروع ليبرالي يفضي إلى التقدم، وهو فشل يجعلنا أشبه كثيرا بروسيا مما نحن مستعدون للإقرار به.

إن فشل الولايات المتحدة في دعم نظام العالم الليبرالي الذي أحدثته يكشف عن حدوث تغييرات في حالنا وعن انحطاط السياسة الخارجية الأميركية التقليدية أكثر مما تكشفه أفعال الأنظمة والمجتمعات المنافسة. إن الشعبوية التي هيمنت على الحياة السياسية الأميركية مؤخرا لا تتمكن من فعل ذلك إلا عندما لا تجد ما يعترض طريقها، وعندما لا توجد أيديولوجيا بديلة تقدم طريقا تقدمية تعتمد على الوقائع.

إن التحول في اتجاه نظرة انعزالية وأنانية لدور الولايات المتحدة في هذه المنظومة العالمية هو المأساة الحقيقية في زماننا هذا، فعوضا عن السعي إلى تحقيق التقدم والتغيير المستقر والإيجابي على الصعيد الدولي أصبحت الولايات المتحدة تخاف من أي تدخل قد يجعلها تبدو مسؤولة عن مستقبل دولة أخرى. ستواصل روسيا في تشكيل تهديد للنظام الدولي الليبرالي، لكن كذلك هو الحال التي ستكون عليها الولايات المتحدة عندما تتجرد من مثلها ومصالحها في الخارج.

سيستمر التنافس الاستراتيجي في نحت العلاقات المستقبلية بين الولايات المتحدة وروسيا، لكننا لن نكون أعداء حقيقيين مرة أخرى حتى تعيد الولايات المتحدة اكتشاف قيمها الخاصة بها.

رئيس كرسي دونالد بران

6