هل سبعون سنة من الاستقلال… أكثر من كافية للبنان؟

الأربعاء 2013/11/20

يحتفل لبنان يوم الثاني والعشرين من تشرين الثاني- نوفمبر الجاري بمرور سبعين عاما على الاستقلال. يأتي الاحتفال بالذكرى في ظلّ تحدّيات لم يسبق للبلد أن واجهها يوما نظرا إلى التعقيدات الداخلية، وإلى أن الشرق الأوسط يمرّ بمرحلة مخاض يصعب التكهن بالنتائج التي ستسفر عنها.

في أساس التحديات التي تواجه لبنان، الذي لا يمكن عزله عمّا يدور في محيطه، خصوصا في سوريا، وجود رغبة إيرانية واضحة في وضع اليد على الوطن الصغير وتغيير طبيعة المجتمع اللبناني في الوقت ذاته. هدف إيران تحويل لبنان مستعمرة عن طريق استهداف مجتمعه المتنوع المؤمن بثقافة الحياة أوّلا.

لعلّ أفضل تعبير عن هذه الرغبة في تغيير طبيعة المجتمع الإصرار على إفقار اللبنانيين ونشر البؤس في كل أنحاء البلد عن طريق توجيه ضربة قاصمة إلى السياحة وقطاع الخدمات بكلّ فروعه من جهة، وقطع العلاقات مع العرب من جهة أخرى.

مؤسف أن الحكومة اللبنانية وهي برئاسة شخصية سنّية من مدينة طرابلس اسمها نجيب ميقاتي، لم تتنبه إلى خطورة التهديدات التي وجهها «حزب الله»، وهو الذراع الضاربة لإيران في لبنان، إلى المواطنين العرب. كان التركيز على أهل الخليج خصوصا. هؤلاء شطبوا الوطن الصغير من خريطة الأماكن التي يستطيعون تمضية العطلة أو الاستثمار فيها.

هناك ما هو أخطر من ذلك بكثير نتيجة التهديدات التي وجّهها «حزب الله» إلى دول الخليج العربي، وتدخله السافر في الشؤون الداخلية للبحرين وغير البحرين، وذلك من منطلق مذهبي صرف. هناك مواطنون عرب باشروا بيع أملاكهم وتصفية استثماراتهم في لبنان من منطلق أنه لم يعد مكانا آمنا لهم ولعائلاتهم. لا يزال عدد هؤلاء محدودا، لكنّ هذا التوجه يرتدي طابعا في غاية الخطورة في حال لم يوضع له حدّ سريعا.

هذا التطوّر هو الأول من نوعه منذ ما قبل الاستقلال. في عزّ الحرب اللبنانية، كان هناك مواطنون عرب يأتون على الدوام إلى لبنان. صحيح أن عدد هؤلاء كان قليلا، لكنّ الصحيح أيضا أن الغياب عن لبنان لم يدفع أكثرية العرب إلى بيع شققهم أو ممتلكاتهم التي ظلّت تشكل توظيفا مربحا لهم.

أصبح لبنان تابعا لإيران إلى حدّ كبير. ليس صدفة أن احتفالات «حزب الله» في ذكرى عاشوراء هذه السنة ارتدت طابعا خاصا. تميّز هذا الطابع باستعراضات كانت أقرب إلى المسيرات العسكرية أكثر من أي شيء آخر، وذلك من أجل إفهام اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين، أن إيران باتت قدرهم. يفترض باللبنانيين إدراك أنّ لا خيار آخر أمامهم غير الرضوخ لذلك القدر الإيراني، خصوصا أن الانتماء إلى المذهب صار لدى «حزب الله» فوق الانتماء الوطني.

في الذكرى السبعين للاستقلال، فقدت هذه الذكرى اللبنانية مضمونها بعدما قرّر حزب مذهبي، هو كناية عن ميليشيا تابعة لإيران تأتمر بها، الذهاب إلى الحرب في سوريا دفاعا عن نظام معيّن. فمهما تحدّث الأمين العام لـ»حزب الله» السيّد حسن نصرالله عن أنّه ذهب إلى سوريا دفاعا عن سوريا ولبنان ودفاعا عن فلسطين، يظلّ أنه ذهب إلى سوريا للمشاركة في حرب يشنّها نظام على شعبه.

هذا النظام فئوي ولا شيء آخر غير ذلك، وهو يتسلّح بالرابط المذهبي وبتحالفه مع ايران ليتابع حربه على شعب يسعى إلى استعادة كرامته والعيش بشكل طبيعي مثله مثل أيّ شعب آخر في العالم.

لا يمكن الاستخفاف بالصيغة اللبنانية التي استطاعت الصمود في وجه الوجود العسكري الفلسطيني في مرحلة ما بعد توقيع اتفاق القاهرة المشؤوم عام 1969، وهو اتفاق أخذ البلد إلى حرب أهلية وإلى حروب للآخرين على أرضه. نعم، صمد لبنان. صمد في وجه الاحتلال السوري الذي استمرّ تسعة وعشرين عاما. ترافق صموده مع محاولة جدّية لإعادة الحياة اليه بعد توقيع اتفاق الطائف في العام 1989 ثم إعادة اعمار بيروت ووسطها والمباشرة في عملية إعادة بناء البنية التحتية للبلد كلّه.

كان هناك مشروع عربي للبنان، مشروع ذو مفهوم حضاري في الأساس، عمل الرئيس رفيق الحريري على تنفيذه خطوة خطوة. شمل هذا المشروع حماية المؤسسات التعليمية في لبنان ورفع مستوى التعليم فيها، أيّ الاستثمار مجددا في الإنسان اللبناني وتمكينه من الحصول بسهولة على فرص عمل داخل البلد وخارجه، خصوصا في الخليج القريب من لبنان. استطاع رفيق الحريري- بكلّ بساطة- إعادة لبنان إلى خريطة المنطقة دون الدخول في صدام مباشر مع النظام السوري، الذي كان يعمل في كلّ وقت على عرقلة الاعمار وتأجيج الصراعات المذهبية والطائفية.

يتبيّن اليوم أن المطلوب، أكثر من أي وقت، ضرب هذا المشروع الذي كان رفيق الحريري- الذي اغتيل في العام 2005- رمزه. كذلك، يتبيّن اليوم بوضوح ليس بعده وضوح لماذا كان مطلوبا اغتيال رفيق الحريري، أي قتل المشروع العربي في لبنان وإحياء المشروع الإيراني الذي يستهدف تفريغ البلد من مؤسساته التي لم تعد قادرة على حماية أيّ خليجي أو عربي يزور لبنان أو يستثمر فيه.

لم يعد الموضوع موضوع مواطن خليجي يتعرّض لمضايقات في لبنان. هناك ما هو أبعد من ذلك، هناك مشروع يصبّ في إخضاع اللبنانيين وإذلالهم عن طريق إفقارهم وتدمير مؤسسات دولتهم وتهجيرهم. لم يعد في الإمكان تشكيل حكومة لبنانية دون ضوء أخضر من طهران. كان نجيب ميقاتي تجربة إيرانية ناجحة إلى حدّ كبير في هذا المجال. ليس بعيدا اليوم الذي لن يتمكّن فيه اللبنانيون من انتخاب رئيس جديد للجمهورية.

المؤسف أن النائب المسيحي ميشال عون الذي ليس سوى أداة من أدوات إيران، يساهم في ضرب المؤسسات اللبنانية كي لا يعود لبنان دولة عربية مستقلة تمتلك قرارها الوطني… وذلك كي يأتي قريبا يوم يقال فيه أن سبعين سنة من الاستقلال، أو شبه الاستقلال أكثر من كافية للبنان.


إعلامي لبناني

8