هل ستدخل سوريا مرحلة جديدة

الثلاثاء 2013/10/01

منذ 21 آب، صار واضحاً أن مرحلة جديدة تطلّ على السوريين؛ مرحلة تهدد الإقليم برمّته، سيما وأن الداخل حسم المعارك بدفاع النظام عن العاصمة بشكل رئيسي، وبمحاصرة الكتائب العسكرية لكافة القطع العسكرية وفي كامل سوريا، وبالتالي لم يبق أمام النظام سوى جنيف وبدء مرحلة انتقالية.

من يدقق فيما ارتكبه النظام في 21 آب، وقبل هذا الزمن كان معدّاً لجنيف في 26- آب، سيعرف أن الكيماوي كان بقصد فرض شروط على المعارضة في جنيف، عبر تنبيه النظام للمعارضة ودول العالم، بأنه لن يتخلى عن السلطة أبداً. وبالتالي الممكن الوحيد أمام الجميع، جنيف وتوافق النظام مع المعارضة، وإلا فعليّ وعلى أعدائي الطوفان.

بعد الكيماوي، تحركت أميركا، وخاف حلف النظام بأكمله، فكان لا بد من المراوغة وتفادي العم سام، وهو ما حصل؛ ولكن هذا العم، لم يتراجع أبداً؛ فرغم كل ما قيل عن ضعف أوباما «أبو حسين بالسوري» فإن روسيا فهمت القصد، لم يعد ممكناً الصمت عما يجري في سوريا؛ فالكيماوي خط أحمر ويوضح أن النظام ضعيف، وخطر المجموعات الجهادية أصبح مشكلة على إسرائيل وعلى الإقليم برمته، وبالتالي لا بد من إنهاء النظام والتفرغ لها.

هنا الموضوع، سيما وأن سوريا أصبحت دولة فاشلة، بعد دمار لعامين وتفتيت مجتمعي كبير، وغياب إمكانية فعلية لتحقيق ديمقراطية صلبة في المستقبل، وبالتالي أصبحت سوريا بلداً ممسوكاً وخارج التأثير في المعادلات الإقليمية، ولم يعد مسار الثورة صاعداً، حيث أُربِك بمئة مشكلة ومشكلة، حتى في حال سقط النظام.

إذن هنا مرحلة جديدة تبدأ، ومن الواضح أنها، وعدا تسليم الكيماوي، فهي جنيف وبالاعتماد على جنيف السابق، وهو ما عملت له الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي في تاريخ 26 و27 من أيلول الجاري، وتحدّد نتيجة ذلك موعد 15 تشرين الأول لجنيف، وحتى وإن تأخر الموعد قليلاً ولأسباب متعلقة بتحضير طاولة المفاوضات، فمن الواضح أنه لن يتأخر عاماً إضافياً.

تعقيدات الأرض ربما تخلق إرباكات جديدة، ولكنها لن تعطل مسار جنيف بحال من الأحوال، والتعقيدات قادمة من محاولات النظام خلق اقتتال عسكري بين الكتائب في المناطق المحررة، وهو ما تفتعله «داعش» بالتحديد، وبالضد من بقية الكتائب العسكرية المتعددة الولاءات والمشتّتة، وبالتالي تشكل محاولات داعش للسيطرة على الرقة وإعزاز ومناطق أخرى، محاولة لتشويه المناطق المحررة والثورة، ودفع أميركا وحلفها، لعقد صفقة جنيف، بما يُبقي ويدمج النظام بالمعارضة، فتتشكل بذلك حكومة غاية في الضعف، تستطيع داعش تركيعها في بعض الأماكن، فتبني الأخيرة، سلطتها القروسطية في تلك الأماكن.

أفهمتْ ذلك أم لم تفهمه، فهي تعمل في هذا السياق، وبالتالي شكلت محاولات داعش إحراجاً كبيراً لبقية الكتائب وللجيش الحر، مما اضطر ثلاثة عشر جهة عسكرية لتوضيح موقفها، وأنها لا تعترف بالائتلاف الوطني ولا بأية جهة تعمل في الخارج وليست موجودة بسوريا، وأنها تعمل وفق الشريعة الإسلامية، وكأنها بذلك تنبّه الائتلاف الوطني: إنه ممنوع عليك التفريط بدماء السوريين من أجل أية تسوية، وتنبه في الوقت عينه داعش أنها ليست ناطقة باسم المسلمين، ومن الأفضل الانضواء ضمن تشكيلات الجيش الحر، أو ترك سوريا، أو ستكون الحرب واقعة لا محالة. يبدو أن الخيار الأخير سيتفاقم في الأسابيع القادمة، سيما وأن أجندة داعش غير محلية، وفيها تداخل مع قوى إقليمية وربما مع النظام كذلك.

بيان الجهات الـ13، وهي فاعلة وليست هامشية أبداً، بيان خطير جداً، وهو يفتح لمرحلة جديدة، تنزع سيطرة الائتلاف والجيش الحر عليها، وبذلك تتقدم كجهة مستقلة، وقد تعرقل أية صفقة ممكنة، ما لم تتدخل الأطراف المؤثرة عليها وتجبرها على الخضوع لسياسة الائتلاف، أي لجنيف، ولكن ما هو المقابل؟

هنا يتدخل عامل جديد، قد يربك جزئياً جنيف من ناحية أولى بسبب رفض قطاعات عسكرية له، ولكن قد يعزز ضرورته، فتأخر حدوثه الآن قد يلغيه من أصله من ناحية أخرى، وهو ما يدفع من أجل جنيف قوي، بما يسمح بتشكيل جيش جديد وقوي وقادر على مواجهة داعش، وتصفيتها؛ وهو ما يتطلب دعماً واسعاً وكبيراً للجيش الحر، وإيجاد تفاهمات غير قابلة للمساومة الرخيصة مع الجيش الحر، تجعله هشاً وضعيفاً أمام الحركات الجهادية وتحديد داعش، وبالتالي إمداده العسكري والمالي الكبير.

ما يربك ذلك، التدخل الروسي الفظ، والمصالح الهامشية للدول الغربية في سوريا ولاسيما أميركا، سيما وأنها لا تريد أن تتورط بشكل واسع في سوريا. ولكن ولكل هذه الاعتبارات أيضاً، قد نجد دعما واسعاً، يسمح بتأهيل الأرض أمام جنيف. وبالتالي ليس جنيف هذه المرة قابل للعب من قبل الروس والنظام، ولا من قبل أميركا كذلك.

مشكلة الثورة الأكبر الآن، تكمن في رداءة المعارضة، وانقسامها وتشتتها، ومع بيان الـ13 هناك دخول للكتائب العسكرية على خط السياسة مباشرة، وبالتالي تتعقد هنا اللوحة كثيراً، وهو ما سيضطر كافة هذه المعارضة إلى حركة مكوكية خلال الأسابيع القادمة، تجبرهم عليها الدول الخارجية والإقليمية وخطر التصفية كذلك؛ فالآن زمن الصفقات.

الشعب سيستفيد من هكذا صفقات، فهو سيعود من جديد إلى ساحة الفعل الثوري من جديد، حيث الحرب التي أدخل النظام الثورة فيها أخرجت الشعب من أرض المعركة، ولم تفعل المعارضة شيئاً لصالح الشعب سوى إعلان بلداتهم مناطق منكوبة! وبالتالي بتوقف إطلاق النار وجهنم السماء، سيعاد تشكيل واقع سوري جديد؛ وسيتم رفض هذه الصفقات لأنها ستكون الأرضية لشكل سورية المستقبلي، أي لصالح بناء نظام ضعيف، فمصر وتونس وليبيا تعطينا أكثر من دلالة، وهنا الخطورة.

المرحلة الجديدة مرتبطة بحدوث جنيف، وهو ما تدفع إليه الدول الامبريالية ومن تتبعها من دول المنطقة وضعف النظام ورداءة المعارضة، وسيستفيد منها الشعب بالتأكيد. وبالتالي وبعد تخضيع المعارضة وتحديداً الائتلاف، لأن الهيئة ملتزمة بالخط الروسي تماماً، فالأيام القادمة سيكون فيها حسم لقضايا متعلقة بتشكيلات الجيش الحر وغير ذلك.


كاتب سوري

8