هل سقطت شرعية حكومة النهضة باغتيال محمد البراهمي

الثلاثاء 2013/07/30
حمة الهمامي… الحكومة الحالية فشلت ولابد من حكومة إنقاذ

أبان اغتيال المنسق العام لحزب التيار الشعبي محمد البراهمي بالرصاص أمام  بيته بحي الغزالة من ولاية أريانة، شمال شرق تونس العاصمة، في ثاني عملية اغتيال سياسي بعد الثورة، عن أن المشهد السياسي التونسي بدأ يترنح نحو السقوط وأن حكومة الترويكا التي تسيطر عليها حركة النهضة ذات الميول الإخوانية أصبحت عاجزة على تأمين حياة المواطنين وبث الطمأنينة في النفوس. مما جعل الأوضاع تتجه نحو الاحتقان والتصعيد، فقد تصاعدت الاحتجاجات في أغلب مناطق تونس و رفعت شعارات تطالب بإسقاط الحكومة وحل المجلس الوطني التأسيسي.

وعم الغضب الشديد شوارع تونس، مما ينبئ  بأن شرعية الحكومة باتت على المحك وأن السقوط أصبح يتهددها.

ويذهب البعض إلى أن اغتيال البراهمي عمق الهوة بين حكام تونس والمجتمع الأمر الذي سيفجر ثورة ثانية لن تهدأ إلا بعد الإطاحة بحكومة النهضة التي تنكرت لوعودها السياسية وفشلت حكومتها في تحقيق أبسط مطالب التونسيين. ونعرض هنا لقرائنا الأفاضل موقفين متباينين من قضية الشرعية بعد اغتيال البراهمي الأول لمنجي الرحوي النائب في المجلس الوطني التأسيسي عن الجبهة الشعبية الذي يرى أن الحكومة الحالية فقدت شرعيتها وأصبح من الضرورى إنهاء عمل المجلس التأسيسي وإجراء انتخابات. والثاني لرئيس الحكومة علي العريض الذي يذهب إلى  أنه ضد الدعوات التي تستغل الظرف لإحداث الفراغ، والدفع بالبلاد نحو المجهول دون رسم أفق مستقبلي.

منجي الرحوي: أصبح من الضرورى إنهاء عمل المجلس وإجراء انتخابات

يرى منجي الرحوي النائب في المجلس التأسيسي عن الجبهة الشعبية أنه لم يعد هناك مبررات للحديث عن شرعية الحكومة الحالية بعد عملية اغتيال محمد البراهمي.

ويؤكد الرحوي أن الكتلة الديمقراطية بالمجلس ستتقدّم بمشروع قانون ينهي شرعية المجلس في شهر أكتوبر 2013 .

ويشدد الرحوي على أن كتلة النهضة والكتل المتحالفة معها تتعمّد إطالة فترة عمل المجلس بشكل غير مبرر مشيرا إلى أن كلفة عمل المجلس أصبحت باهظة واعتبر أنه أصبح من الضروري إنهاء عمل المجلس وإجراء انتخابات لندخل على حدّ تعبيره في مرحلة استقرار سياسي .

وكان الرحوي قد أكد على ضرورة حلّ المجلس التأسيسي بقوله: ما حاجة الشعب لمؤسسّة لا تحمي الثورة وما جدوى مؤسسة مثل التأسيسي طالما لم تلبِّ حاجيات الشعب واستقرار البلاد وحماية السيادة الوطنيّة.

و دعا النائب عن حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد إلى مليونية تمرّد سلمية على غرار مصر قصد تصحيح المسار وضد الإعلان عن الدستور.

وقال الرحوي: إن المعارضين لمشروع الدستور أرادوا خلال الجلسة العامة تبليغ موقفهم وعدم رضاهم عن النسخة النهائية لمشروع الدستور بتلاوة بيانهم، غير أن بن جعفر حال دون ذلك.

ويضيف النائب في المجلس التأسيسي أن النسخة النهائية لمشروع الدستور وقع فيها تحايل على اللجان التأسيسية كما تم خرق النظام الداخلي، مشيرا في ذات السياق إلى أن هناك تراجعات عميقة في المضمون وخاصة فيما يتعلق بالحقوق والحريات.

ويذهب المنجي الرحوي إلى أنه من مواصفات الحكومة الناجحة أن تكون حكومة ثورية وأن تتمتع بالكفاءة والقدرة على إدارة المرحلة الانتقالية.

ويتساءل الرحوي كيف تواصل الحكومة الحالية بعد الثورة تنفيذ المشاريع الاقتصادية لبن علي، لقد اقترحنا تجميد القروض التي كان بن علي يستبد بها الشعب التونسي لمدة 3 سنوات، كما فعلت الدول التي حصلت بها ثورات خاصة مع وجود أصوات صديقة لتونس داخل البرلمان الأوروبي دعت صراحة إلى إلغاء ديون تونس التي تثقل كاهل الميزانية وتوظيف تلك الأموال لتنمية المناطق الفقيرة.

ويرى الرحوي أن مشروع الدستور لم يكن في تطلعات الثورة التونسية والدستور ليس فقط إعلان مبادئ بل يجب أن يضمن الدستور المبادئ والحقوق والحريات.

ويذهب الى أن أغلب الحقوق والحريات كما وردت في مشروع الدستور مقيدة وأن الدور الاجتماعي للدولة غير واضح وأن الصياغة مشوشة وأن توازن واستقلال السلطات غير كاف وهناك عدم اعتراف بعدم استقلالية السلطة القضائية (تركيبة المحكمة الدستورية التي لن تشتغل إلا بعد 3 سنوات).

كما لم يحدد الدستور موقع النيابة الخصوصية من القضاء والسلطة التنفيذية وعدم الاعتراف بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية وعدم الاعتراف بدور المعارضة وحمايتها وعدم التوازن بين رأسي السلطة التنفيذية وعدم تخصيص رئيس الجمهورية بصلاحية حل مجلس النواب وأن الأحكام الانتقالية هي أحكام انتقامية.

ويرى الرحوي أن من نادوا بمجلس تأسيسي طالبوا بدستور جديد والنهضة كمعطى سياسي جاءت بعد التأثير الإعلامي لقناة الجزيرة والمال السياسي، كما أنها استفادت من عديد المعطيات الداخلية.

ويعتقد النائب في المجلس أن  الشعب التونسي ذكي جدا ويمارس السياسية دون أحزاب بشكل مذهل، ويمكن أن يحدث المعادلة الصعبة، فقد انتخب النهضة لأسباب أخلاقية ويمكن أن يسحب منها الثقة لأن تلك المعايير الأخلاقية سقطت بعد المطالبة بالتعويضات وجشعهم في التعامل مع السلطة.

ويرى أن الشعب التونسي لم يعد يحتمل المزيد من الأخطاء التي ترتكبها الحكومة لذلك ومع تردي الوضع الأمني فإن شرعية الحكومة ليس لديها ما يبررها أو يدعمها وسط هذه المطالبة الشعبية بسقوطها.

علي العريض: هناك من يهدد مسيرة عملية الانتقال الديمقراطي

يذهب علي العريض إلى أن هناك العديد من الدعوات لإسقاط الشرعية وإحداث فراغ سياسي ودفع البلاد نحو المجهول. وقال خلال مؤتمر صحافي: "نحن ضد الدعوات التي تستغل الظرف لإحداث الفراغ، والدفع بالبلاد نحو المجهول دون رسم أفق مستقبلي".

ويضيف العريض أن هناك من يريد "إفشال الربيع العربي، واستنساخ تجارب بعض البلدان الأخرى بتونس، ونحن ضد هذه الدعوات"، وذلك في إشارة إلى الدعوات إلى حل الحكومة والمجلس التأسيسي، وتشكيل حكومة إنقاذ وطني.

وأشار رئيس الحكومة خلال ندوة صحفية بقصر الحكومة بالقصبة إلى أنه سيقع الكشف عن قاتلي محمد البراهمي في الأيام القادمة ووصف الاغتيال بالسياسي بامتياز.

ويضيف العريض أنه كون فريقا تقنيا أمنيا كبيرا لفك رموز الاغتيال السياسي موضحا أن هناك العديد من دعاة الفتنة وبعض الإرهابيين يريدون إفشال الربيع العربي.

وتوجه العريض بنداء إلى الشعب التونسي بعدم الاستجابة الى دعوات بعض السياسيين بالخروج إلى الشارع وإسقاط الحكومة الشرعية المنتخبة عن طريق الصندوق. و دعا رئيس الحكومة التونسيين إلى "عدم الخروج على السكة" وإلى عدم التظاهر لأن هناك أطرافا تريد أن تستغل الوضع لتهدد مسيرة عملية الانتقال الديمقراطي.

و استنكر رئيس الحكومة، عملية الاغتيال، واصفا إياها بأنها اغتيال سياسي بامتياز، وأن الحكومة لن تلتزم الصمت، وستكشف عن مرتكبي الجريمة.

كما ندد العريض بدعوة بعض الأطراف السياسية إلى العصيان المدني للرأي العام في الأيام القليلة القادمة، مشيرا إلى أنه تم تكليف مجموعة من خيرة الإطارات الأمنية للكشف عن الجناة. وقال إن هذه الحكومة هي حكومة شرعية ومنتخبة عبر صناديق الاقتراع.

واستهجن رئيس الحكومــة دعوات بعض الأحزاب السياسيــة إلى حل الحكومة وتشكيل حكومة إنقاذ وطني، وكذلك حل المجلس الوطني التأسيسي وتكليف لجنة خبراء بإعداد الدستور وعرضه على الاستفتاء.

كما يرى رئيس الحكومة في حوار إذاعي له " إنّ ما يعرف بحركة " تمرّد" استنساخ و استيراد لشيء أجنبي لن يقدم لبلادنا إلا ما لا تحمد عقباه".

وأبدى العريض احترازه من "تمرد " في ما يخص  طبيعة علاقات هذه الحركة ومن يقف وراءها ويموّلها مرجحا أن يكون الفشل هو مآل هذه الحركة وفسر ذلك بـ"أن الشعب التونسي واع ولا يقبل الذهاب إلى المجهول". وأضاف رئيس الحكومة أنّ "تمرد" خطر على المسار الديمقراطي وسعي لإفشاله .

ولم يستبعد رئيس الحكومة وجود بعض الشخصيات والأحزاب التي تريد الركوب على الأحداث التي تعيشها مصر واتخاذها أداة لإرباك مرحلة الانتقال الديمقراطي في تونس لأن شعارها في ذلك كان دائما «الصدام الصدام حتى يسقط النظام » حسب قوله وهي أطراف لا تقبل المنهج الديمقراطي والاستمرار في اتجاه التوافق.

ويعتقد العريض أن التصريحات الصادرة عن رئيس كتلة حركة النهضة بالمجلس الوطني التأسيسي الصحبي عتيق   خلال المظاهرة التي  نظمتها حركة  النهضة لمساندة الشرعية في مصر، "غير موفقة وكانت نتيجة حماسه في الدفاع عن الشرعية في مصر".

وعن الوضع الأمني  طمأن العريض التونسيين مشددا على أن  الوحدات الأمنية "مجنّدة وترصد كل معلومة وتوقف كل من له صلة بموضوع الإرهاب في الشعانبي أو في غيره…"مازلنا نلاحق المجموعة الإرهابية بمختلف الأساليب… ولم نلق القبض على أطراف جديدة".

ويرى العريض أن المرحلة الانتقالية قد شارفت على النهاية من خلال القرب من الانتهاء من صياغة الدستور وإعداد اللجان الانتخابية وأن الأمور تتجه إلى الانفراج وأن كل الدعوات التي تنادي بإسقاط الحكومة وحل المجلس التأسيسي ستنسف كل تلك الجهود.

حكومة إنقاذ وطني بديلا منتظرا

عاشت تونس في ظل حكم النهضة الإخوانية الكثير من الصعوبات والمشاكل سواء على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي. ويرجع المحللون ذلك إلى أن أداء حكومة الترويكا كان مهزوزا ولم تقدر على مجاراة مطالب التونسيين وتلبية طموحاتهم المتعددة بعد ثورة الياسمين.

وكانت تفتقر إلى الحد الأدنى من الحس السياسي القادر على الخروج بالبلاد من أزمتها والوصول بها إلى بر الأمان.

فكان الإرباك والتردد واعتباطية القرارات هي العناوين التي طبعت المرحلة الحالية تحت ظل قيادات إخوانية حاولت جاهدة العمل على السيطرة ووضع اليد على دواليب الدولة ومؤسساتها دون مراعاة الأوليات ومطالب الشعب التونسي خاصة شريحة الشباب المهمشين والمفقرين والمحرومين الذين أشعلوا الثورة وكانوا وقودها.

ونتيجة لذلك الإرباك والأداء المهزوز لم تفلح حكومة الترويكا بقيادة حركة إخوانية ساعية إلى التمكين في الخروج بتونس من أزمتها وحل المشاكل العديدة والمختلفة.

ولعل القطرة التي أفاضت الكأس إضافة إلى الوضعية الاقتصادية المأزومة هي استباحة دماء التونسيين وغياب الأمن والخوف الذي بات يسكن في القلوب والفوضى التي أصبحت تهدد السلم الاجتماعي.

فبعد اغتيال المناضل اليساري شكري بلعيد وعدم قدرة الحكومة بكل أجهزتها التوصل إلى الجناة، جاءت عملية اغتيال مؤسس التيار الشعبي محمد براهمي لتزيح كل حصانة كانت تتدثر بها حكومة النهضة وتفتح المجال أمام الشعب التونسي ليقرر رفع يده منها والمطالبة بحكومة تعيد القطار إلى سكته وتعيد الأمن إلى القلوب وتعمل على إكمال ما تبقى من المرحلة الانتقالية.

وكان الجيلاني الهمامي القيادي فى الإئتلاف الحزبي اليساري المعارض "الجبهة الشعبية"، قال إن أحزاب المعارضة في بلاده المنضوية في إطار "جبهة الإنقاذ الوطني"، بدأت الأحد، مشاورات مكثفة لتشكيل حكومة تونسية جديدة.
وأوضح في تصريحات للصحافيين على هامش مشاركته في اعتصام النواب المنسحبين من المجلس التأسيسي، أن هذه المشاورات ستتمحور حول اختيار رئيس جديد للحكومة التونسية "يكون من الشخصيات الوطنية المعروفة بكفاءتها واستقلاليتها".

وبحسب الجيلاني الهمامي، فإن "جبهة الإنقاذ الوطني" قرّرت تنفيذ العصيان المدني السلمي فى كل الجهات و"احتلال مقرات المحافظات والاعتصام بها بعد أن فشلت حكومة الترويكا في إدارة شؤون البلاد على جميع الأصعدة".
يُشار إلى أن "جبهة الإنقاذ الوطني" تأسّست يوم الخميس الماضي في أعقاب الإعلان عن اغتيال المعارض محمد براهمي، وهي تتألف من 30 حزبا سياسيا ومنظمة أهلية، أبرزها "الجبهة الشعبية"، والاتحاد من أجل تونس.
وقال مؤسسو هذه الجبهة إنهم سيعملون على تشكيل "هيئة وطنية عليا للإنقاذ الوطني تقوم بالإستعانة مع خبراء القانون الدستوري بإستكمال صياغة الدستور في غضون شهرين وعرضه على الاستفتاء الشعبي".
كما أكدوا في البيان التأسيسي لهذه الجبهة، أنهم سيشكلون "حكومة إنقاذ وطني محدودة العدد لا تترشح للانتخابات القادمة وترأسها شخصية وطنية مستقلة متوافق عليها تتخذ ضمن برنامجها مجموعة من الإجراءات الاستعجالية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية وتعد لانتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة".

12