هل سقط بلخادم، خادم النظام الجزائري ووجهه الحقيقي

السبت 2014/08/30

عودتنا السلطة بالجزائر على الإتيان بما هو طريف وعجيب. فبعدما ثبتت عبدالعزيز بوتفليقة المريض بقوة الأمر الواقع على كرسي الرئاسة لولاية رابعة، ها هي تسحب من جانبه مساعده في الحكم وعكازه في الحملة الانتخابية. دفعته من بوابة قصر المرادية بجملة في بيان أسال مدادا كثيرا تقول: “أريد أن أعلمكم بشيء أضفته في جدول الأعمال، وهو إنهاء مهام عبدالعزيز بلخادم من رئاسة الجمهورية، ومن حزب جبهة التحرير، وذلك لأسباب كثيرة”.

إنها الجملة التي نسبوها لعبدالعزيز بوتفليقة. فكانت بمثابة المقص الذي قص بها النظام العسكري الرأس السياسي والتنظيمي لعبدالعزيز بلخادم من داخل أروقة الدولة وهياكل الحزب. البيان لم يوضح الأسباب، لكنها متشعبة ومتداخلة، وكانت الكلمة التي وضع بها كَتَبَة البيان النقطة الأخيرة في سجل عبدالعزيز بلخادم.

فهل هو للإيحاء بأن خليفة بوتفليقة لن يكون بلخادم، وبأن كلاهما وجهان متهالكان. وطرد الأول هو تمهيد لإقالات أخرى، والاستغناء على خدمات وجوه لا تنفع. أمور السياسة داخل الجزائر حبيسة رؤية تطبعها دكتاتورية مطلقة، وتحكمُ من طرف المؤسسة الأمنية في كل مخارج ومداخل اللعبة السياسية. نظام يلعب مع الكل بطريقة الضرب تحت الحزام، وتمنطق أصحابه بخناجر المؤامرة ومنطق العصابات.

عبدالعزيز بلخادم يقع ضمن الدائرة المحيطة بالرئيس، وكان وزيره الأول ومستشاره ووزير خارجيته، ولسان حاله في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وكان الرجل يلعب الأدوار التي أنيطت به، كان آخرها الحملة الانتخابية لبوتفليقة في أبريل 2014.

الأجهزة المقررة داخل النظام الجزائري لها حساباتها التي تبني بواسطتها القرار السياسي. وقرار الطرد أو الإقالة أو الركن في الاحتياط، نفخت فيه ظروف سياسية بالداخل والخارج، من ضمنها ترتيبات ما بعد بوتفليقة التي لم تبدأ منذ البارحة. ترتيبات كانت جارية قبل الجلطة الدماغية التي أثرت على قواه العقلية والبدنية، وإخراج بلخادم من الباب الخلفي هو ضمانة لما ترسمه السلطة بالجزائر من سيناريوهات.

غادر بلخادم قبل أن يتوجه قائد القوات الأميركية بأفريقيا “أفريكوم” دافيد رودريغيز إلى الجزائر الذي صرح “تحادثنا مع عديد المسؤولين الجزائريين حول التحديات الراهنة، وتلك التي قد تحدث في المستقبل وذلك بهدف تعزيز التزامنا من أجل عالم أكثر أمنا واستقرارا، وخاصة من أجل أفريقيا أكثر ازدهارا وأمنا وديمقراطية”.

القول بأن تلك التحديات بالعالم وأفريقيا بشكل خاص، والتي تحاول الولايات المتحدة الدخول في صناعة تحولاتها، عجلت بحذف اسم مستشار بوتفليقة حاليا من المشاركة في صياغة إحداثياتها داخل الدولة والحزب. فلم ينس القائمون على صناعة السياسات ما قاله بلخادم عندما كان وزيرا للخارجية عام 2008، بأن “الأميركان يرغبون في بسط نفوذهم في مناطق عدة من العالم، لكن الشعوب الأفريقية التي دفعت ثمن استقلالها غاليا في عهد الرق والعبودية، وفي عهد الاستعمار ترفض التواجد الأميركي”.

ترتيبات الإقالة تمت عندما استدعى مقرر السياسة الخارجية ما قاله بلخادم بأنه “لا يفهم استعداد البعض لبيع هذا المكسب بثمن بخس». لم يردْ بلخادم بيع المواقف إلا بأثمان مناسبة. فهو ابن نظام لا تعنيه القوانين، بقدر ما تعنيه مصالحه ولو على حساب المبادئ. فهو نظام صانع الكل حسب مدى نفعهم لاستمراريته في الحكم.

الإقالة ليست الأولى في الحياة السياسية لعبدالعزيز بلخادم، فقد سبقتها إقالة من رأس الحكومة عام 2009. ولم يفت بلخادم آنذاك الإشادة بقرار بوتفليقة، فصلاحيات الرئيس كما يقول “يستعملها وفق ما يراه ضروريا في إطار التوازنات التي تقتضي هذا التغيير”. نفس الشيء حدث عام 2013، بعد تنحيته من رئاسة الآفلان. وها هي 2014 تأتي مع اختلافات في الشكل والطريقة، أما مضمونها فمتروك لمن يعرف كيف يفكر قادة النظام والتنظيم الحزبي. بلخادم كان الخادم المطيع لسلطة أنتجت صورا لأشخاص يمارسون السياسة، والأكيد أنها ليست حقيقية، إنها تعبير عما عليه هذا النظام، مجرد أحلاف وحلقات متكاتلة، تهاجم بعضها البعض، لا لإسقاط النظام بل لتأبيده.

عبدالعزيز بلخادم القائل “لا ينبغي التقليل من شأن الناس، وكل شيء يبدأ صغيرا ثم يكبر”. ها هو يغادر المركب بعد أن كبر، لكن إلى أي حد يمكن التكهن بعدم عودته إلى المشهد السياسي؟ الرجل كان يغيب، ثم يعود ليلعب دوره، كل شيء محتمل مع تغيير الماكياج. كان خروج بلخادم يوم 26 أغسطس، بعد مسيرة بدأت بالمناورات لإيجاد موقع له في السلطة، فهو ابن التنظيم الحزبي وصنيعة النظام، فهل سيكون مرشح التيار الإسلامي في الانتخابات القادمة؟ فلقد كان رئيسا للمجلس الشعبي الوطني، الذي تم حله مطلع 1992 من طرف الجيش بعد فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ.

لم يتبق سوى التأكيد على أن اللعبة مغلقة بالجزائر، فكل السياسيين يعزفون لحنا واحدا مع النظام، سواء المعارضة أو الموالاة، فالكل يستفيد عندما يتغنى بالعداء للمغرب أولا وأخيرا. ومنهم بلخادم، ففي تصريحاته الأخيرة حول المغرب نلمس أنه يلعب على كل الحبال، فهو من ناحية يؤكد أن “الجزائر ليست لها أي عداوة مع المغرب، وأنه لا مصلحة لديها في معاداة المغرب”، في حين يؤكد أن “موقف الجزائر إزاء الصحراء ثابت ومبدئي بدعم حق الشعوب في تقرير مصيرها”.إنه صنيعة نظام متشبث بالأشخاص المنافقين ذوي الأوجه المُقَنَّعة.


كاتب مغربي

9