هل سمعتم برئيس جامعة يكفر الناس؟

لم يعد بإمكان الأزهر البقاء بعيدا عن معضلة السياسة التي أقحمه في معتركها الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر. ويقول معارضو عبدالفتاح السيسي، الذي استعان بالأزهر في 3 يوليو 2013 لإضفاء شرعية على الإطاحة بحكم الإخوان، إن الرئيس المصـري يرغب في كسب ولاء الأزهر عبر وضع حد لاستقـلالها من أجل توظيفها سياسيا.
الأربعاء 2017/05/10
الأزهر الذي ينقذ الناس من التطرف، في حاجة لمن ينقذه

لندن/القاهرة – عندما كانت جميع قوى المجتمع المصري تتصارع من أجل ضمان مكتسبات ما بعد الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين، كان الأزهر يعيش نشوة الانتصار بعد موجتين ثوريتين أطاحتا برئيسين، لكنهما أبقتا على الإمام أحمد الطيب شيخ الأزهر على رأس المؤسسة التي ينظر إليها على أنها منارة الإسلام السني في العالم.

وخرج الأزهر من هاتين التجربتين القاسيتين أضعف كثيرا من ذي قبل، وكان يبدو مستسلما أمام أي قوة قادرة على بسط هيمنتها عليه. لكن ذلك لم يحدث.

وفي الدستور الذي أقر عام 2014، وأنهى حقبة من عدم الاستقرار في مصر، بات الأزهر يحظى باستقلال تام عن الحكم ويحق له أن يدير شؤونه منفردا، كما لم يفقد أيّا من ميزاته الفقهية التي أهلته للتحول إلى “قاضي شرعي” في البلاد.

وكانت خشية المؤسسة التي يزيد عمرها على ألف عام تتمحور حول تمكّن الإخوان المسلمين من السيطرة عليه تماما، بعدما نجحوا على مدار عقود من الصعود إلى أعلى مواقعه الفقهية، خصوصا بين صفوف هيئة كبار العلماء. لكن الطيب كان ينظر بريبة في الوقت نفسه لنجم صاعد من المؤسسة العسكرية، هو وزير الدفاع عبدالفتاح السيسي، الذي سيصبح لاحقا رئيسا لمصر.

ويعرف الطيب أن تولي جنرال الحكم يعني عودة الأزهر مرة أخرى إلى “محلل” لسياسات الحكومة التي تسير على خطى الرئيس الراحل جمال عبدالناصر طوال أكثر من 40 عاما.

وعبدالناصر هو أول من أقحم الأزهر في العمل السياسي ومنحه نفوذا واسعا في مجتمع كان يشهد تحوّلا جذريا نحو نظام حكم اشتراكي لم يعرفه من قبل.

ولم يعتد الأزهر آنذاك على علاقة مزدوجة مع السلطة سيكون عليه التعايش معها حتى اليوم. وخلال مراسم صعود الملك فاروق الأول للحكم عام 1936، رفض رئيس الوزراء آنذاك مصطفى النحاس باشا أن يلقي الملك الشاب يمين الولاء أمام علماء الأزهر، وأصرّ على القسم أمام أعضاء مجلس الأمة انطلاقا من مبدأ الدولة المدنية.

لكن عبدالناصر، الذي أطاح مع ضباط آخرين بحكم الملكية وأسس الجمهورية عام 1952، احتاج إلى ظهير ديني يضفي شرعية فقهية على تأويلات سياسية تعارضها جماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين.

وعلى عكس الملكية التي كانت تقوم على نهج رأسمالي، كان الأزهر أحد أعمدة زعامة عربية وإسلامية كان يحلم بها عبدالناصر بعد تأسيس الجمهورية الوليدة، لكنها كانت بحاجة إلى تأويل شرعي وقوة دينية ممتدة خصوصا في أفريقيا وجنوب شرق آسيا.

وأسس عبدالناصر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ووزارة للأوقاف، وألغى هيئة كبار العلماء، وعيّن رئيس الوزراء في منصب وزير الأزهر، كما جعل منصب شيخ الأزهر يجرى بالتعيين من قبل الرئيس. ووفقا لقانون الأزهر الصادر عام 1961 اُنشئت كليات ومعاهد تدرس العلوم المدنية كالطب والهندسة.

وكان عبدالناصر يهدف إلى إضفاء طابع مدني علماني على طلاب الأزهر. لكن رؤيته للأزهر انهارت تماما مع صعود الرئيس الراحل محمد أنور السادات، الذي اعتمد على تنظيمات إسلامية في حصار نفوذ اليسار العلماني، ومهّد الطريق لرؤى متشددة ستتحكم في الأزهر مع الوقت.

واليوم يبدو السيسي، الذي استعان بالأزهر في 3 يوليو 2013 لإضفاء شرعية على الإطاحة بحكم الإخوان، عازما على إلقاء حجر في المياه الراكدة عبر تغيير طبيعة الأزهر، رغم ما تحمله رؤاه من مخاطر.

لكن معارضين للسيسي يقولون إنه يرغب في كسب ولاء المؤسسة الدينية العريقة عبر وضع حد لاستقلالها من أجل توظيفها سياسيا، مقتفيا بذلك أثر رؤساء سابقين حملوا خلفيته العسكرية. وقالوا إن السيطرة على الهيئات الرقابية والقضائية والبرلمان تتمدد لتشمل المؤسسة الدينية، التي تبدو عصية على التغيير.

محمد أبوحامد: الأزهر بشكله الحالي لن يتقدم خطوة واحدة إلى الأمام

مكفرون ومفكرون

لم يتردد رئيس جامعة الأزهر في الحكم على الباحث والإعلامي إسلام بحيري بالردة في لقاء تلفزيوني تم بثه خلال عطلة نهاية الإسبوع. وخلال نفس الحلقة قال أحمد حسني إن الأزهر “لا يمكنه تكفير عناصر داعش لأن التنظيم يقوم بأعمال فردية، لكنهم في النهاية موحدون بالله”.

وأثارت تصريحات حسني موجة غضب عارمة فتحت جرحا عميقا عن تشدد رجال دين يدعون للوسطية، وانتهت بالإطاحة بحسني من منصبه. لكن تصريحاته أعادت أيضا الجدل حول قضية بحيري.

ووضع بحيري وباحثون آخرون الأزهر أمام مأزق فكري لم يكن يتوقعه عندما كان الملايين يتظاهرون في الشوارع والميادين ضد نظامي حسني ومبارك، والرئيس المنتمي للإخوان محمد مرسي.

وفيما انتصب المصريون في صفوف من أجل التصويت على دستور عام 2014 الذي يحظى فيه الأزهر بمكانة تشبه مكانة الجيش، أكد رجال دين نافذون مرارا أن الأزهر اُرغم على القبول بصلاحياته الجديدة من أجل استعادة اليد العليا في معركة أزلية على السلطة الدينية مع سلفيين متشددين في مصر.

وقال عبدالدايم نصير، مستشار شيخ الأزهر آنذاك، إن “السلفيين يريدون جعل الأزهر جزءا من العملية السياسية، نحن ضد ذلك لأننا لا نريد أن نضع القانون تحت طائلة كهنوت ديني يقرر ما هو الصحيح وما هو الخاطئ”.

لكن بعد مرور ثلاثة أعوام، لا يبدو أن نصير كان يعبّر عن الواقع، إذ أشعلت السلطة الدينية المطلقة، التي منحها الدستور للأزهر، “انتفاضة” فكرية في مواجهته.

وحكم على إسلام بحيري، الذي طرح آراء معاكسة لتأويلات الأزهر في الفقه والحديث والشريعة والحدود، بالسجن بعدما رفع الأزهر دعوى قضائية تتهمه بـ”ازدراء الأديان”. لكنه خرج قبل إتمام مدة حبسه وفقا لعفو رئاسي.

ويقول منتقدو الأزهر إنه تعمّد تجاهل صعود متسارع للإسلاميين داخل المؤسسة خلال معاركه لـ”احتكار” الدين في مصر.

ووفقا للصحافي أحمد الخطيب، الذي يواجه تهديدا بالسجن بعد أن نشر سلسلة مقالات انتقد فيها مخالفات إدارية في الأزهر، فإن 12 من أعضاء هيئة كبار العلماء (أعلى هيئة فقهية في البلاد) ينتمون إلى الإخوان المسلمين وتنظيم الجهاد الإسلامي.

ومثّلت مناهج تدرس في آلاف المعاهد التابعة للأزهر وعشرات الكليات في الجامعة مصدرا لتأويلات متشددة تبناها لاحقا مئات الطلاب المنتمين للإخوان المسلمين وتنظيمات إسلامية أخرى.

ويقف رجال دين يتبنون تفسيرات تقليدية حجر عثرة في سبيل تحديث هذه المناهج، ضمن دعوة أطلقها السيسي قبل عامين للبدء “بثورة” في مفاهيم الخطاب الديني.

ويقول رفعت السعيد، رئيس المجلس الاستشاري لحزب التجمع (يسار)، إن “مشكلة الأزهر أنه اعتاد البناء المتشدد الذي ينتج عنه متطرفون فكريًا ومتطرفون في تطبيق الدين بحذافيره، دون أي لين في القول والفعل، وهذا ما يدفع الأزهر إلى المزيد من التراجع”.

رفعت السعيد: مشكلة الأزهر أنه اعتاد البناء المتشدد الذي ينتج عنه متطرفون فكريًا ومتطرفون في تطبيق الدين بحذافيره

وأكد لـ”العرب” أن “تركيبة الأزهر صعبة ومعقدة، فالإمام الأكبر شخصية مستنيرة لكنه يدير منظومة بها مناهج بعضها متشدد وتنتج أفكارا مماثلة، فضلا عن هيئة كبار العلماء التي أصبح حتميًا إعادة هيكلتها لتضم شخصيات تنويرية متفتحة وأن تتخلى عن العقليات الجامدة المتحجرة التي تتحكم بها”.

ويكافح رجال دين محافظون لتحويل الأزهر إلى “فاتيكان” بالنسبة للمسلمين، الذين يشكل الدين ركيزة أساسية في حياتهم اليومية.

ودقّت هذه الرؤية ناقوس خطر بين مفكرين وباحثين ومثقفين باتوا يرون في الأزهر خطرا صاعدا على الإبداع وحرية التفكير، وقوة قادرة عل تعطيل حركة تحول متسارعة في المجتمع. كما أثارت قلقا واسعا بين صفوف الأقباط، الذين يعتبرون الأزهر “منارة الاعتدال الإسلامي”.

وقال السيد أمين شلبي، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، لـ”العرب” إن “المتطرفين يفسّرون دعوات إصلاح الأزهر ويقدّمونها للمجتمعات الإسلامية على أنها جزء من المشروع الاستعماري لاستئصال الإسلام وهدم الثوابت، لذلك فهي تواجه مقاومة عنيفة منهم”.

ولا يروق هذا النهج التقليدي لنظام حكم يمثل الضباط العلمانيون، الذين يرون في أنفسهم حماة المجتمع والدولة، قوامه الرئيسي.

وأثار الأزهر حفيظة المؤسسة العسكرية التي تخشى من تطلعه إلى لعب دور الجسر لإطلاق حوار بين الإسلاميين من جهة، ومؤسسات الدولة والمجتمع المدني والأقباط من جهة أخرى.

ويتهم منتقدون للأزهر الطيب بغض الطرف عن نفوذ الإسلاميين المتنامي في المؤسسة انطلاقا من هذا الدور الذي يطلق عليه الطيب “لمّ الشمل”. ومصدر رؤية الأزهر لهذا الدور هو اعتبار أنّ ما جرى في مصر هو “صراع على السلطة” بين نظامي حكم، عليه ألا يكون جزءا من أي منهما.

ومن بين أكثر المنتقدين للأزهر النائب في البرلمان محمد أبوحامد، الذي طرح مشروع قانون يهدّد موقع الطيب الذي حافظ عليه منذ عهد مبارك. وقال أبوحامد لـ”العرب” إن “الفكرين السلفي والإخواني موجودان داخل الأزهر ولا يمكن لأحد إنكارهما، وهذا ما يعيق مسيرته نحو التجديد”.

وأضاف أن “هناك شخصيات قيادية وإدارية وأعضاء بهيئات التدريس لهم أفكار منحرفة، والمشكلة أن هيئة كبار العلماء نفسها بها أقطاب إخوانية، برغم أن ثمة قانونا يصنف الإخوان كتنظيم إرهابي، بالتالي يوجد تعارض بين تركيبة الأزهر بشكلها الحالي والقانون”.

وسحب البرلمان قانون أبوحامد الثلاثاء بعد لقاء رئيس البرلمان علي عبدالعال، القريب من السيسي، بشيخ الأزهر، إثر تفاهمات لم يُعلن عنها.

قلق إقليمي

يتبنى كثير من أعضاء هيئة كبار العلماء أفكارا متشددة تتسق مع روافد تنظيمات الإسلام السياسي الفكرية.

سحب قانون الأزهر من البرلمان يبدو كإزاحة بندقية كانت مصوّبة إلى ظهر الأزهر

ولم تقف عواقب اتجاه الأزهر نحو أقصى اليمين الفكري عند مصر فحسب، لكنها امتدت لأبعد من ذلك بكثير. وتنظر دول إقليمية نافذة بحذر إلى المعركة الدائرة في مصر حول شكل وموقع الأزهر في المستقبل، إذ أحيا الربيع العربي سؤالا وجوديا في العالم الإسلامي حول “دور الدين في المجتمع، ومن يملك شرعية تحديد دوره؟”.

وتتمحور مخاوف أنظمة حكم عربية، أيّدت الإطاحة بنظام الإخوان المسلمين، من تحوّل الأزهر إلى قوة صاعدة في مواجهة مؤسسات الحكم العلمانية في مصر. كما يتخوف قادة عرب من رؤى متشددة يتبناها رجل الدين المثير للجدل يوسف القرضاوي، وهو أزهري أصبح مرجعا فكريا للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين.

وقال مسؤول عربي كبير في دولة تضم الملايين من المسلمين السنة لصحيفة “واشنطن بوست” إن “هناك خشية على مستوى العالم العربي من سيطرة الرؤى الأيديولوجية للقرضاوي ورجاله على الأزهر بغض النظر عمّن يشغل موقع الإمام الأكبر”.

وأضاف “المسلمون السنة قد يصبحوا تحت سيطرة هذه الرؤى الفكرية، ليس فقط في منطقة الشرق الأوسط، لكن أيضا بين الأقليات المسلمة في أوروبا وحول العالم”. ويخشى السيسي من إثارة حنق شيخ الأزهر، الذي يحظى بنفوذ معنوي لدى مئات الآلاف من المسلمين الذين يأتون إلى مصر من كل بقاع الأرض لدراسة العلوم الفقهية في جامعة الأزهر.

وإذا ما تحوّل الصراع المحلي الطابع إلى “مسألة إسلامية”، فبمقدور الطيب وضع الحكومة المصرية في حرج بالغ على مستوى العالم الإسلامي. ويقول دبلوماسيون مصريون إن السيسي يتعاطى بصبر مع قضية إصلاح الأزهر، ويدرك أن اختراقه من قبل الإسلاميين المتشددين استغرق عقودا، وأن إصلاحه قد يستغرق عقودا مماثلة.

وفي القاهرة، حيث حرارة الصراع تبدو ملحوظة أكثر من أي وقت مضى، يقول دبلوماسي على صلة وثيقة بمنطقة الخليج إن “المسؤولين الخليجيين يعرفون أن الإخوان المسلمين أرادوا طوال عقود بسط نفوذ مطلق على الأزهر، ويعرفون أنه لو حصل ذلك فيمكن القول إن الإسلام المعتدل قد مات”. وأكد لـ”العرب” أن “ذلك تحدّ كبير للمنطقة”.

وفي وقت تحارب فيه دول المنطقة تفسيرات متشددة للشريعة أقرّها تنظيم داعش، الذي يواجه انتكاسات عسكرية في ليبيا والعراق وسوريا، بات آخر ما تحتاجه دول المنطقة اليوم هو صعود قوة بديلة تقود قمعا فكريا ودينيا من نوع آخر.

ويبدو سحب قانون الأزهر من البرلمان كإزاحة بندقية كانت مصوّبة إلى ظهر الأزهر. لكن لا يبدو أبوحامد، الذي خسر المعركة ضمن حرب طويلة الأمد، مستعدا للاستسلام.

وقال لـ”العرب” إنه لن يتنازل عن أعادة تقديم مقترحه إلى البرلمان، حتى لو كان هناك رافضون له من في الأزهر أو البرلمان، “لأن الأزهر بشكله الحالي لن يتقدّم خطوة واحدة إلى الأمام”.

7