هل سنستخدم زووم اليوم.. في الغالب نعم

العالم يشهد عامين من التطور الرقمي في غضون أسبوعين.
الاثنين 2020/11/23
زووم يفرض وجوده في أسواق المال

التطورات التكنولوجية المتسارعة، خلال العقود الثلاثة الماضية، لم تكن كافية لإقناع الشركات على إرسال موظفيها للعمل من المنزل، وتردد الجميع بمن فيهم شركات التكنولوجيا العملاقة في اتخاذ تلك الخطوة. وحده كورونا استطاع أن يجبر الشركات على السير في هذا الاتجاه ليكتشف الجميع فوائده رغم الجدل الذي رافق العملية. فهل نشهد يوما يقول فيه الجميع: شكرا كورونا.

لندن - لم تملك الشركات التي قاومت العمل من المنزل سابقا من خيار، سوى الخضوع للتيار الجديد، ووفق تقرير لـ”بي.بي.سي” كان نصف موظفي المملكة المتحدة  في أبريل 2020 يعملون من المنزل، وقال 68 في المئة منهم إن ذلك حدث بسبب جائحة كورونا؛ لم تملك شركاتهم التي منعت سابقًا العمل من المنزل أي خيار سوى اتباع هذه الطريقة الجديدة للعمل، حفاظًا على سلامة الموظفين والمجتمع.

ولكن، هل يعني ذلك أن ظاهرة العمل من المنزل ستختفي مع انتهاء الجائحة والتغلب على فايروس كورونا؟

مشاعر العزلة

في الغالب، قد تشهد الظاهرة بعض الهدوء، ولكنها لن تختفي، بل على العكس ستجري إعادة تقييمها ودراسة انعكاساتها السلبية والإيجابية على الفرد وعلى المجتمع.

اليوم يجري الحديث بشكل مكثف، عن مشاعر العزلة التي أحدثتها الظاهرة لدى الأفراد وانعكاس ذلك على حالتهم النفسية، ويجري تدعيم ذلك بالإشارة إلى تزايد معدل حالات الإصابة بالاكتئاب.

المناصرون للعمل من المنزل، بما في ذلك مدراء الشركات، يخالفون هذا الرأي، ويقللون من أهميته، ويفضلون الإشارة إليه بوصفه عارضا مؤقتا، سببته انعكاسات الجائحة التي سرقت من الناس فرص الترويح عن النفس.

ما يبدو اليوم بالنسبة إلى الأفراد والشركات وحتى الحكومات معضلة سيكشف مستقبلا عن حلول تعيد صياغة حياتنا اليومية

إغلاق أماكن الترفيه والقيود على السفر، هي السبب حسب رأيهم؛ الموظف الذي كسب المزيد من الوقت لا يجد أمامه فرصة لاستغلاله؛ المطاعم والحانات وصالات العرض السينمائي والمسارح كلها مقفلة. ليس أمامه سوى الانكفاء في المنزل. ولكن، كل هذا سيزول بزوال الجائحة، ليعيد الجميع اكتشاف قيمة العمل من المنزل.

توقع بيل غيتس، الشريك المؤسس لشركة مايكروسوفت، في مقابلة مع أندرو روس سوركين خلال مؤتمر “ديدبوك” انخفاضًا بنسبة تزيد عن 50 في المئة في رحلات الأعمال نتيجة لتفشي فايروس كورونا، وتوقع أيضًا أن يقضي الموظفون 30 في المئة من ساعات عملهم في المنزل.

وأضاف غيتس أنه من الآن فصاعدًا ستخضع طلبات رحلات العمل لمعايير عالية جدًا قبل الموافقة عليها.

وعانى قطاع النقل الجوي كثيرًا من آثار تفشي فايروس كورونا المستجد، وإن صحت توقعات غيتس، فإن انتشار الفايروس سيغير شكل هذا القطاع.

يدرك معظم العالم اليوم إمكانية العمل من المنزل، وأن ساعات العمل الجديدة المثمرة في المكاتب وكذلك السفر للعمل ستتغير بشكل كبير، وسمحت شركة مايكروسوفت لموظفيها في شهر أكتوبر بالاستمرار في العمل من المنزل بصورة دائمة مع منحهم خيار العمل في مكاتب الشركة لبضعة أيام في الأسبوع.

كان على الموظفين أن يطوروا أدوات للتعاون وسبلًا لمشاركة العمل والتفاعل، لاستبدال طريقة التواصل وجهًا لوجه. وازداد مستخدمو برنامج “مايكروسوفت تيمز” بنسبة 70 في المئة، بعدد بلغ نحو 75 مليون مستخدم نشط يوميًّا، وأصبح “زووم” لخدمة مؤتمرات الفيديو، مصطلحًا مستخدمًا في لغة اليوم.

تضافرت عوامل عديدة دون إرادة من أحد، على نجاح الظاهرة، وبعد أن عارضت الشركات ذلك التغيير لفترة طويلة وقاومته، وجدت نفسها تبحث عن بدائل تسهل العمل من المنزل. لتجد ضالتها في التكنولوجيا الرقمية التي تزايد إسهامها في أعمالنا وحياتنا اليومية في الوقت الراهن وأصبحت الضامن لاستمرارية إنجاز العمليات الحيوية وبقاء
التواصل.

ساعدت التكنولوجيا أيضًا المنظمات على تطوير نفسها لتناسب تغير سلوك المستهلكين، كالحاجة الملحة إلى الشراء إلكترونيًّا من المنزل. حيث تؤدي منصات التكنولوجيا والبرامج الوسيطة وتحليلات البرامج دورًا أساسيًّا في الوصول إلى تطلعات المستهلك وتطوير تجربته وتبسيط الأنظمة وأتمتة المهام وتنمية الأعمال والاستفادة من الطلب المتزايد.

ثورة صناعية جديدة

تطبيق زووم لخدمة مؤتمرات الفيديو أصبح مصطلحا مستخدما في لغتنا اليومية
تطبيق زووم لخدمة مؤتمرات الفيديو أصبح مصطلحا مستخدما في لغتنا اليومية

تخطو العديد من الشركات نحو الانتقال إلى التحول الرقمي. وهذا ما أكده نائب المدير التنفيذي لمؤسسة “تك يو كي” أنتوني ووكر لقناة بي.بي.سي “شهدنا عامين من التحول الرقمي في غضون أسبوعين. أثبتت الاستبيانات التي شارك فيها العديد من مديري الأعمال أن التحول الرقمي كان ضروريًّا لأعمالهم بسبب جائحة
كورونا”.

وسرَّع تأثير فايروس كورونا في مجتمعاتنا التحوّل الرقمي إلى درجة لم يتصورها أحد. لا نتحدث فقط عن تزايد مهارات استخدام منصة زووم وتطبيق واتساب بسهولة، فنحن نشهد تسارعًا عالميًّا عظيمًا في الاعتماد على التكنولوجيا في عالمنا الجديد.

هذا أشبه بثورة صناعية جديدة، لأن الشركات تنظر بعناية إلى حاجات ورغبات المستهلكين والموظفين، ما يزيد الاستثمار في التكنولوجيا، وقد يحل هذا العديد من المشكلات ويخلق فارقًا حقيقيًّا.

في مواجهة هذه التغيرات، كان على الشركات أن تضمن استمرارية عملها في ما يخص الشحن والمراسلة، منذ اندلاع الجائحة. مثلًا: إذا كان العمل يتطلب إرسال المئات من الفواتير والرسائل للزبائن أو يتضمن إرسال سلعٍ كبيرة الحجم، فلا بد من توفر العمليات الفعالة والتكنولوجيا اللازمة في مكان العمل التقليدي، أما في حال العمل من المنزل، فستصبح تلك العمليات معقدة.

واجهت الشركات تحديات استمرار العمل ونتيجةً لذلك، ازداد التحول الرقمي والاستثمار في نقل التكنولوجيا والبرمجيات. ومع أن التحدي الاستراتيجي الأكبر يكمن في الحفاظ على سلامة الموظفين، حدد 35 في المئة من المديرين أن تكييف أعمالهم مع الواقع الجديد والاستجابة لمطالب الزبائن هي التحديات الأساسية أمامهم الآن.

وقال 40 في المئة من المديرين إن أحد أبرز التحديات التي واجهتهم كان عدم ملامسة الموظفين للسلع، وأنهم واجهوا تحديًا في إصدار مستندات مهمة كالفواتير والملاحظات والرسائل الرسمية وإرسالها للزبائن.

وأكد التقرير أن الشركات تتجه إلى الاستثمار في التكنولوجيا والبرمجيات خلال 6-12 شهرًا القادمة للمساعدة على حل هذه المشكلات وتطوير المهام والتكيف مع أحوال السوق المتغيرة التي ازداد تغيرها في ظل جائحة كورونا.

عجلة التغيير

صورة

خلال 6 أشهر القادمة تخطط 40 في المئة من الشركات للاستثمار في حلول برمجية للشحن والإرسال يمكن تطبيقها في عدة مواقع.

وتزداد سرعة التحول خصوصًا بين تجار التجزئة، فخلال 12 شهرًا القادمة يخطط 70 في المئة من تجار التجزئة للاستثمار في أدوات التقارير التحليلية لضبط الإنفاق على البريد وزيادة الكفاءة، ويخطط 68 في المئة منهم للاستثمار في برمجيات لتتبع البريد والطرود كبيرة الحجم، و74 في المئة في حلول برمجية للشحن والإرسال يمكن تطبيقها في عدة مواقع، و60 في المئة في الخزائن الذكية التي لا تحتاج إلى تلامس.

تستثمر الشركات في الأدوات والتكنولوجيا اللازمة لحل مشكلات معينة لتزيد من مرونتها ولتحمي منظماتها وموظفيها والزبائن من الخطر ولتسرع عجلة التغيير.

 ما هو مؤكد بعد كل الذي حصل، وقد يحصل خلال الأشهر التي ستسبق انتهاء الجائحة، أن التبدلات لن تكون حدثا عارضا، بل ستشكل الوجه الذي ستجري وفقه الأعمال، وهي ثورة صناعية جديدة وفق كل المقاييس، وإن انقسمت الآراء حولها.

ما يبدو اليوم بالنسبة للأفراد والشركات وحتى الحكومات معضلة، سيتكشف مستقبلا عن حلول تعيد صياغة حياتنا اليومية، وستكون تلك الحلول الأفضل للبشرية ضمن قائمة من الأحداث التي غيّرت في الماضي مجرى التاريخ، ومنها اختراع العجلة والطباعة، والمحرك الانفجاري.

هل نقول بعد مضي عدة أعوام شكرا كورونا. لأنها غيّرت حياتنا إلى الأفضل؟

12