هل سوريا حقل تجريبي للانحطاط القيمي؟

الثلاثاء 2013/10/29

ما هو مدهش وغريب حقا هو تكاتف وتآلف كل المجتمع الدولي حول إبقاء الأزمة السورية في حالتها الأزموية العميقة، وكأني بهم قد اتفقوا على تدمير الشعب والبنى التحتية والمؤسسات والتراث والحياة بشكل كامل، دون أن تكون لهم ردود أفعال تجاهها توازيها أو حتى تقترب من حجمها المهول سواء كانت ردود الأفعال هذه شعبية أو إقليمية أو عربية أو محلية. رغم أن رد فعل الشعب داخل سوريا ارتقى إلى مستوى لا بأس به من التظاهر والاحتجاج على القتل، وهو معذور لأنه يعيش القتل اليومي المزمن طوال الأزمة السورية التي أضحت تراجيديا الشرق العربي في القرن الواحد والعشرين.

إن العالم بهذا السكوت عن مأساة هذا الشعب وتركه وحيدا يواجه القتل بشتى أنواع الأسلحة حتى الكيماوية منها، يوقّع على نهاية حقبة الشعارات الدولية والغربية من حقوق الإنسان والديمقراطية والمواطنة ومحاكمة مجرمي الحرب. إنه سقوط أخلاقي مريع، ولحظة فارقة عجيبة على كل كاتب أن يتوقف عندها متأملا ماذا حدث ولماذا حدث؟ لا زالت الأجوبة لدى الكل تتهرب من كشف المغزى والمضمون وتختفي في تفاصيل الحدث، ولا تشفي غليل السائل الباحث عن علاج لوضع يقتل فيه ابناؤه وإخوانه حرقا بالنيران المصوبة إليه، أو جوعا بسبب الحصار الخانق المضروب على لقمة عيشه التي تبقيه حيا على المقاومة للظلم والاستبداد، أو غرقا بقوارب الموت هربا من جحيم المحرقة التي وقف العالم ساكتا صامتا تجاه مجازر بشعة ترتكب بحقه وبحق أبناء بلده. كل هذا الصمت العالمي يقابله على الصعيد الداخلي تشرذمات وانقسامات داخل القوى العديدة التي تدعي أنها مع الثورة، وهي مجرد ادعاءات فارغة لأنها بممارساتها الميدانية تخدم الاستبداد لا الثورة، فالصراعات الجارية بين قوى إسلامية متشددة وبعض فصائل الجيش الحر، وكذلك الصراع بين «الب ي ده» متمثلة بقوات حماية الشعب الكردية وهذه القوى، لا يخدم الثورة لا من قريب ولا من بعيد، بل يضرها ويضربها بالصميم، ويثبت نظرية النظام التي أطلقها في الأيام الأولى للثورة من أن الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت ما هي فعل إلا عصابات مسلحة وقوى سلفية وأن الأقليات بعيدة عنها وأنه أي النظام حامي هذه الأقليات ومدافع عنها. رغم التجاهل الدولي للشعب السوري كان على المعارضة أن تعوض ذلك بالاعتماد على الداخل وبفهم سياسة النظام وإستراتيجيته في تحييد الأقليات والقوى العلمانية ومحاولة إصباغ الثورة بصبغة السلفية والتطرف، وهو- النظام- الذي كان يستجدي التطرف والعنف والتدخل الخارجي، وهي كانت لاءات ثلاث للثورة في بدايتها وحتى بعد ستة أشهر من هذه انطلاقها وباعتراف النظام نفسه.

مجمل الحصيلة التفاعلية في الداخل والخارج تفضي إلى نتيجة مفادها هو أن يترك الشعب السوري لمصيره البائس وتحمل نتائج الكارثة الإنسانية لوحده دون مساعدة أحد من الخارج في ظل انقسامات حادة بالداخل، حتى أن المساعدات الإغاثية من أدوية وأغذية تمنع من العبور أمام مرأى ومسمع العالم، إذن العالم ترك الشعب السوري وحيدا في انحطاط قيمي واضح المعالم والتجليات، وسوريا أصبحت حقل تجريبي لهذا الانحطاط، أتمنى أن يجد السوريون جوابا للأسباب الحقيقية لهذا الانحطاط.


كاتب سوري

9