هل سيحرق الصدر مراكبه مع العملية السياسية

الثلاثاء 2014/02/18

لم يكن متوقعاً أن يقدم الصدر على ما أقدم عليه، حتى لأولئك الذين يمنون النفس بأن يحدث تغيير سريع ومفاجئ في الشارع الشيعي، يسفر عن الإطاحة بالصدر وتياره وجماهيره. حتى أولئك لم يكونوا ليرفعوا سقف أمنياتهم إلى الحد الذي يمكنه اللعب في ساحة خالية من الصدر وتياره السياسي بعد الآن.

الصدر يبدو يائساً ومنكسراً وفاقداً لأي أمل في أن تعيد العملية السياسية التي يشترك فيها تعريفا آخر لشكل البلاد التي لا زالت تئن من جراحات غائرة منذ زمن الدكتاتورية السابقة، وما خلفته من احتلال أجنبي، نسّق لعملية سياسية بنيت بتوافق معلن بين قوى إسلامية شيعية كانت تعارض نظام صدام من الخارج، وقوى كردية ذات مطامح قومية، وحزب سني معارض ينتمي إلى فصيل الإخوان المسلمين.

العملية السياسية منذ البدء تعاني خللاً بنيوياً واضحاً لانفصال القوى السياسية المشكلة لها من أي عمق واقعي في الشارع العراقي، غير أنها نجحت فيما بعد في إيجاد هذا البعد عبر تجذير المسألة الطائفية وإذكاء الصراع القومي. ومع ذلك بقيت فئات واسعة تعيش عزلاً مع الواقع الجديد، منها أنصار النظام السابق ومريدوه، وفئات من السنة الذين رأوا في التحول الجديد حرماناً لهم من حق تاريخي في حكم البلاد، وفئة شيعية لم يستطع قطبا الأحزاب الشيعية من احتوائها، فالمجلس لم يستطع كسب الفقراء والمهمشين ربما لنخبويته، وكذلك حزب الدعوة الذي اقتصر نشاطه السياسي على متحزّبيه فقط، ولذا كانت شرائح واسعة وجدت في الصدر خير ممثل لها في رفض ما يجري، فالرجل خاض صراعاً مُكلفاً مع الواقع الجديد، وكانت جماهيره الواسعة ترفض على الدوام الانخراط والتأقلم مع الوضع الجديد، خصوصاً وأنه جاء بمعادلة “مقدسة” اقتسمت السلطة في عراق ما بعد صدام حسين على القوى التي اشتركت في مؤتمرات المعارضة.

ذكرت في مقال مطول سابق أن دخول التيار الصدري إلى العملية السياسية عقب ممانعة دامية، أعطاها دفعاً للأمام ومنحها مشروعية أكثر، وحرض أطرافا أخرى رافضة لما جرى على الدخول إلى المعترك السياسي، لكن التيار ظل متحفظاً على كل ما جرى، فهو التيار الشيعي الذي أعطى أتباعه إشارة بالرفض للدستور، لاحتوائه على مواد تقود إلى تقسيم البلاد، كما شاع آنذاك، وكان التيار أيضاً من أشد المعارضين- على خلاف حلفائه الشيعة- للمعاهدة الأمنية مع أميركا.

كما اتخذ التيار قرارات مغايرة لقرارات أحزاب الطائفة في بعض القضايا الأخرى، وبدا لونه منفرداً عن لون الجماعة السياسية المذهبية التي تريد أن تضمن- إلى أبعد الحدود- سطوة دائمة في حكم البلاد.

بقي الصدر “المُختلف” بتياره السياسي يشكل علامة فارقة في العمل السياسي بعد 2003 لخصائصه الآنفة الذكر. ولأنه انتهج أسلوباً مقاوماً لكل ما نتج من عملية سياسية، اضطرته ظروف ضاغطة للاشتراك فيها. وإذا كان التفكير الاستراتيجي العميق الذي خططته مراكز القوى السياسية الأميركية قد تحدث عن إمكانية حصول تغيير جذري في شكل العراق، إذا ما استطاعت عمليته السياسية استيعاب الصدر وتياره والقوى السنية الرافضة للمشروع، فإن انغلاق أفق التغيير في العملية السياسية، ودخول أطراف إقليمية كلاعب أساسي على الخارطة، وإحباط الصدر من قدرته وتياره على إحداث تغيير منشود في مجريات الواقع السياسي، وتطور التيار والصدر ذاته ونضج الأوضاع أمامه، كلها معطيات ساهمت في اعتماده لغة أكثر اعتدالا من حيث اللجوء إلى وسائل سياسية أكثر منها عنفية، وإلى تخليه أخيراً عن العمل السياسي واعتزاله الحياة السياسية برمتها، وهو قرار استراتيجي وتاريخي في تاريخ عراق ما بعد 2003.

خروج الصدر من العملية السياسية يجب أن لا يفسر على أنه مجرد لحظة انهزام لتيار حاول صياغة خطاب سياسي مغاير لخطاب الطوائف المتحولة إلى أحزاب، أو قوى تجتهد للحلول كقوى بديلة عن الدولة، بل يجب أن يُقرأ في خانة عجز العملية السياسية عن الاحتواء وإحداث التغيير المطلوب عبر آلياتها الديمقراطية.

ويجب على القوى التي تعد نفسها أساسية في العملية السياسية أن تتوقع حجم الكلفة الباهظة التي ستدفعها جراء هذا الانسحاب، فقرار الدخول إلى العملية السياسية كلف الكثير من الجهد والأثمان، وقراره الأخير بإحراق مراكبه مع العملية السياسية سيكون مسماراً في نعش عملية سياسية انغلقت حتى ضاقت على من فيها، فكيف سيتمكن الطيف المغاير من أن يرى ألوانه على سطحها؟..


كاتب عراقي

9