هل سيفاوض الحراك الشعبي فسيفساء النظام الجزائري

مصطلح النظام السياسي الجزائري يُختزل من طرف بن بيتور وآخرين في الهياكل والأشخاص، ويستبعد من ذلك تعسفا كل الخيارات السياسية مثل الرأسمالية والبنية الثقافية التي تتحكم في الذهنية العامة.
الخميس 2019/04/18
الكلمة للشارع

نقلت وسائل الإعلام الجزائرية الاثنين الماضي دعوة رئيس الوزراء الجزائري الأسبق أحمد بن بيتور التي نادى فيها بضرورة أن يفاوض النظام الشعب، وأن يفاوض الحراك الشعبي النظام لإيجاد المخرج من الانسداد السياسي الراهن.

ويبدو لنا هنا أن أحمد بن بيتور قد التبست عليه الأمور، حيث أن مفهوم النظام الجزائري عنده غير واضح تماما لأنه ينظر إلى النظام على أنه هو الحكومة والمسؤولون الكبار في الأجهزة التشريعية. هذا ويلاحظ أنه يخلط بين الشعب وبين الحراك الشعبي. فهو قد دعا أيضا إلى تغيير النظام بأكمله، مع العلم أن جميع الفاعلين في النظام الجزائري، راهنا وسابقا، بما في ذلك بن بيتور نفسه الذي شغل فيه في الماضي القريب منصب الوزير، ثم منصب رئيس الوزراء في عهد بوتفليقة، هم جزء من النظام الجزائري الحاكم، وفضلا عن ذلك فإن عبارة تغيير النظام تشمل منطقيا قيادة الجيش الذي زكى عهدات الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة بما في ذلك ترشيحه له للعهدة الخامسة.

ومن الغريب أن مصطلح النظام السياسي الجزائري يُختزل من طرف بن بيتور وآخرين كثيرين في الساحة السياسية الجزائرية في الهياكل والأشخاص فقط، ويستبعد من ذلك تعسفا كل الخيارات السياسية مثل خيار الرأسمالية والبنية الثقافية التي تتحكم في الذهنية العامة بما في ذلك ذهنية المسؤولين الجزائريين الكبار في مختلف أجهزة الدولة.

إلى جانب ما تقدم فإن بن بيتور يقترح أن يتم “تعيين مسؤولين من الحراك الشعبي لتسيير البلاد ووضع برنامج واضح”، وأن “أحسن حل للخروج من الأزمة هو تحديد فترة انتقالية تكون كافية لوضع خارطة طريق مناسبة يتفق عليها الجميع لتسيير كل المراحل المقبلة”.

وفي هذا الخصوص ينبغي طرح السؤال التالي: كيف يمكن تعيين ممثلين عن الحراك الشعبي وهم غير معروفين أصلا؟ وهل هناك جهة معينة وواضحة سواء داخل كل من فسيفساء الحراك الشعبي، أو ضمن فسيفساء النظام الحاكم معا مرخص لها أن تفاوض؟ وبعبارة أخرى هل الحراك الشعبي واضح المعالم والقيادات التي تملك الصلاحيات التي يخول لها أن تمثله رسميا وأن تقوم بفعل التفاوض بسلاسة؟ أم أن هذا الحراك ليس واحدا بل يتميز بتعدد تياراته ومرجعياته وأيديولوجياته وبتناقض أولويات وخطط برامج كل تيار من هذه التيارات وكل مرجعية من هذه المرجعيات، وبذلك نجد الوضع متشابك الخيوط الأمر الذي قد جعل ولا يزال يجعل المواطنين في الجزائر العميقة لا يعرفون بدقة، حتى يومنا هذا، هويات ومكوَنات هذا الحراك الشعبي وهذا النظام الجزائري متعدد الذيول.

ويبدو أن الكلمة التي ألقاها نائب وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش الجزائري أحمد قايد صالح الثلاثاء الماضي قد أزالت بعض اللبس، حيث أوضح فيها أن هناك قوى تعمل على التغلغل بين أوساط الحراك الشعبي وتهدف أساسا إلى تشويهه وبالتالي إلى إسقاط مصداقيته.

وفي هذا الإطار قام قائد الأركان بتوجيه آخر إنذار إلى مدير الاستعلامات السابق في المخابرات الجزائرية، وهو الجنرال المتقاعد محمد مدين الذي يدعى باسم حركي سري وهو توفيق، متهما إياه بأنه يعمل مع جماعته على تأجيج الأوضاع والدفع بالأزمة الجزائرية إلى الانفجار العنيف. يمكن أن يفهم الناس من هذا أن النظام الجزائري له أضلاع كثيرة منها الضلع الواضح للعيان، ويتمثل في الطاقم السياسي والتنفيذي والمالي المركب والمعقد جدا وهو المحسوب على عبدالعزيز بوتفليقة، وهناك أيضا الضلع المتمثل في الشخصيات الكبرى التي تنتمي إلى الحرس القديم ضمن جهاز المخابرات والتي تخلص منها بوتفليقة بعد أن فكك جهاز المخابرات العسكرية “الدياريس”، وأدى ذلك إلى إقالة زعيمه التقليدي الجنرال توفيق المعروف بأنه صانع رؤساء الجزائر على مدى سنوات طويلة على الرغم من أن محيط بوتفليقة قد ادعى حينذاك أنه قد أحيل إلى التقاعد فقط.

ولكي نقدم للقراء موقف المثقفين والإعلاميين الجزائريين من دعوة رئيس الوزراء السابق بن بيتور فقد قمنا بسبر آراء نخبة منهم كعينات، وهدفنا من ذلك هو تقديم وجهات نظرهم المختلفة وأحيانا المتباينة لقرائنا بخصوص مقترح بن بيتور وحول توفر أو عدم توفر المناخ الملائم لإجراء التفاوض بين النظام الجزائري وبين الحراك الشعبي.

وفي هذا الشأن أكد لنا الأديب الجزائري ميلود خيزار أن “دعوة رئيس الحكومة الأسبق أحمد بن بيتور (حكومة الأشهر العشرة التي فُرضت عليه عناصرُها)، تعبّر عن رؤية خاصّة لطبيعة الأزمة، من طرف شخصيّة لديها اعتبارها الأخلاقي والفكري ولو أنها تظل، سياسيا، مشوبة بعلاقتها بالنظام. التفاوض يعني أولا تحديد الأطراف واعترافها بشرعية ‘تمثيل الطرف المفاوض’، وقناعتها بأن لا حلّ خارج التفاوض الذي يعني، ضمنيّا، استعداد كل طرف للتنازل من أجل تجنب الكارثة. شخصيّا، لا أرى بوادر ذلك الاستعداد ولا تلك القناعة لدى طرف السلطة، التي تناور وتتآمر لفرض أجندتها على شعب كامل يرفضها جملة وتفصيلا، بل إنه يربط الحل برحيل النظام الذي أنتجها، لا يوجد شعب شريف يفاوض على سيادته في اختيار قياداته ولا على حريته في ممارسة هذه السّيادة، لا أرى أي معنى ولا أي جدوى لمقترح التفاوض بهذا الخصوص”.

وفي هذا السياق يلاحظ أن الكاتب الجزائري رمضان نايلي يلتقي مع خيزار في أن “الدعوة التي تقدم بها رئيس الحكومة الأسبق أحمد بن بيتور والمتمثلة في فتح باب الحوار مع السلطة، تبدو حاليا صعبة التحقق، ذلك لأن الحراك الشعبي بكل أطيافه يرفض الحوار مع السلطة، وكل ما يصدر عنها يعتبره مناورة لتجديد النظام السابق لنفسه، بل والأكثر من ذلك هي مطالبته برحيل كل رموز السلطة وبقايا نظام بوتفليقة، لذلك لا يمكن أن يكون هناك حوار وطني شامل مع سلطة تقودها شخصيات مرفوضة شعبيا”.

ولكن الإعلامي الجزائري فيصل شيباني له وجهة نظر مختلفة وتتلخص في قوله إن “دعوة رئيس الحكومة السابق أحمد بن بيتور هي عين العقل وذلك للعديد من الأسباب يبقى أهمها على الإطلاق إيجاد حل للانسداد الحاصل حاليا، فلا يمكن أن يخفى على أحد أن البلاد الآن في أزمة، ناهيك عن حالة الفراغ الكبير في مؤسسات الدولة من بينها البنك المركزي الذي يبقى دون محافظ بعد تعيين محافظه الأخير وزيرا للمالية وقس على ذلك في مؤسسات كثيرة للدولة تعيش حالة فراغ مخيفة من شأنها أن تدخل البلاد في متاهات نحن في غنى عنها، بالتالي أقول إن رأي أحمد بن بيتور صائب جدا وحسب مصادر مؤكدة فإن حتى الرئيس بوتفليقة قبل الاستقالة كان يبحث عن حوار جدي مع ممثلين من الحراك، ولكن تبقى دائما مشكلة كبيرة يصعب إيجاد حل لها وهي تعنت الشارع الذي يرفض أي ممثل ناطق باسمه ما يجعل فتح باب الحوار بين النظام وممثلين عن الحراك الشعبي على الأقل في الوقت الراهن شيئا يصعب الوصول إليه إلا إذا قدم النظام شخصية بديلة عن الوجوه الموجودة حاليا في الساحة تلقى القبول عند الشارع الجزائري”.

9