هل سيفجّر أحمد طالب الإبراهيمي المشهد السياسي الجزائري

الخميس 2017/02/09

كيف نفهم هذه العودة المفاجئة لأحمد طالب الإبراهيمي إلى الحياة السياسية خلال الأسبوع الماضي بعد أن تم اختياره كرئيس شرفي لحزب الحرية والعدالة الذي يرأسه الدبلوماسي والوزير السابق محمد سعيد بلعيد، علما أن مصطلح “الرئيس الشرفي” في العرف الجزائري يعني الزعامة والأبوة المهيمنة؟

على هذا الأساس فإن استقدام أحمد طالب الإبراهيمي ووضعه على رأس حزب الحرية والعدالة، أسوة بحزب جبهة التحرير الوطني الذي اختار الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة رئيسا شرفيا له من حيث الشكل ورئيسا فعليا من حيث المضمون، لا يدخل في إطار التكريم الرمزي للإبراهيمي بل هو محاولة لتسويقه في الحياة السياسية بطريقة غير مباشرة مع العلم أن نظام الرئيس بوتفليقة رفض اعتماد الحزب الذي أسسه الإبراهيمي بمشاركة عدد من الشخصيات ومن بينها محمد سعيد بلعيد نفسه، وذلك بعد انسحابه من الانتخابات الرئاسية في عام 1999 واتهامه للمؤسسة العسكرية بتزييفها لصالح مرشح السلطة عبدالعزيز بوتفليقة؟

نظرا لهذا فإن ترشيح حزب العدالة والحرية لأحمد طالب للرئاسيات القادمة بالوكالة عن الأحزاب الإسلامية الجزائرية ستكون له تداعيات في الساحة السياسية وعرقلة من طرف النظام الحاكم، خاصة وأن حزب الوفاء الذي أسسه قد رفض اعتماده رسميا منذ مدة وجراء ذلك وبسبب عوامل أخرى أعلن اعتزاله للحياة السياسية من أجل التفرغ الكامل لكتابة مذكراته ولإنجاز مشاريع التأليف الأخرى؟

ولكن لا ينبغي استبعاد وجود نية لدى الإسلاميين خوض صراع مرير ضد جماعة الرئيس بوتفليقة في فترة الإعلان عن المرشحين للرئاسيات القادمة، وعلى هذا يبدو أن هناك تنسيقا خفيا تم وراء الكواليس بين حزب الحرية والعدالة ذي المضامين الإسلامية المغطاة بالنزعة الوطنية مع الأحزاب الإسلامية الأخرى على إعادة أحمد طالب إلى المسرح السياسي مجددا.

وبالتزامن فإنه من الممكن القول بأن شروع بعض الأحزاب الإسلامية في عملية الاندماج والتوحيد في الأسابيع الأخيرة الماضية له علاقة بآليات التمهيد التدريجي المحسوب بدقة لتقديم شخصية وطنية إسلامية لها تاريخ مثل شخصية طالب الإبراهيمي كمرشح الإجماع الذي يمثل، ولو على نحو تكتيكي مؤقت، التيارات الإسلامية التي لا تملك حتى الآن داخل صفوفها شخصية سياسية كاريزمية جامعة تتوفر فيها مقومات تؤهلها لخوض المنافسة الجادة في الانتخابات الرئاسية القادمة.

فالأحزاب الإسلامية الجزائرية وجمعية العلماء المسلمين وكذا ما يسمى بالزوايا والطرق الصوفية المنتشرة عبر القطر الجزائري تتوفر لديها نزعة مضمرة تتحرك في عمق سديم لاوعيها الثقافي والقيمي والأخلاقي باتجاه موروث عائلة الإبراهيمي التي لعبت دورا تاريخيا محوريا في تأسيس وقيادة جمعية العلماء المسلمين الجزائرية منذ نشأتها.

من المعروف أنَ البشير الإبراهيمي، والد أحمد طالب، كان رئيسا لها بعد وفاة رئيسها ومؤسسها التاريخي الشيخ عبدالحميد بن باديس. على ضوء هذه الاعتبارات فإن جمعية العلماء المسلمين تعتبر بمثابة الجذر الروحي للحركة الإسلامية الجزائرية رغم تنوع واختلاف توجهاتها في الوقت الراهن.

الإبراهيمي من أقطاب حركة التحرر الوطني وينظر إليه كوجه من الوجوه الإسلامية المعتدلة التي تتناقض مع الاتجاه العلماني وكشخصية سياسية ذات تكوين علمي وثقافي

لكي ندرك مدى ارتباط شخصية أحمد طالب بفسيفساء التيار الإسلامي الجزائري بمختلف تنوعاته وانتماءاته، وكذلك وجود بعض الاختلافات بينه وبينها ينبغي التذكير بأن والده الشيخ البشير الإبراهيمي يعد من بين أوائل وأبرز الشخصيات الإسلامية التي تتميز بالتوجه الإسلامي الليبرالي، وبالدعوة إلى فصل الدين عن الدولة في عهد الاحتلال الفرنسي للجزائر ويشهد على ذلك كتابه الذي أنجزه في عام 1947 وخصص فيه أكثر من 99 صفحة لتسويغ ضرورة فصل الدين عن الحكم السياسي الاستعماري، الأمر الذي أثار ولا يزال يثير بعض الخلافات بين أوساط الإسلاميين الجزائريين حول موقفه هذا رغم أنه موقف محسوب تاريخيا على مرحلة الصراع المرير ضد الاحتلال الفرنسي.

لا شك أن موقف فصل الدين عن الدولة مرفوض لدى أقطاب التيار الإسلامي الجزائري وإن كان بعض رجال الدين الجزائريين يرون أن الفصل الذي دعا إليه الشيخ البشير الإبراهيمي في مرحلة تاريخية معقدة لا يعادي الدين من حيث المبدأ من جهة، ومن جهة أخرى فإنهم يرون أن رئيس جمعية العلماء المسلمين قد وظف دعوة فصل الدين الإسلامي في الجزائر عن الإدارة الاستعمارية كتكتيك مرحلي قصير المدى للحفاظ على الهوية الإسلامية للشعب الجزائري، وقصد محاربة عمليات التنصير واستراتيجيات فرنسا لهدم أسس الثقافة الروحية الوطنية.

وبهذا الفهم يرى هذا الفريق من رجال الدين الجزائريين أن موقف البشير الإبراهيمي لا علاقة له بالموقف العلماني الغربي، وإنما هو دعوة إلى إنزال الإسلام إلى الحضن الشعبي الجزائري وإخراجه من طوق وصاية الحكم السياسي الاحتلالي.

من الضروري الإشارة هنا إلى أن أحمد طالب الإبراهيمي مصنف ضمن أقطاب حركة التحرر الوطني وينظر إليه أيضا كوجه من الوجوه الإسلامية المعتدلة التي تتناقض مع الاتجاه العلماني وكشخصية سياسية ذات تكوين علمي وثقافي. رغم كل ما تقدم فإن طالب الإبراهيمي معروف أيضا بأنه قضى 23 سنة في الحكم، الذي تميز بالدكتاتورية العسكرية والأمنية بغطاء الحزب الواحد اللاغي للتعددية الحزبية ولحرية الرأي في فترة بعد الاستقلال، كوزير للثقافة وللخارجية وكمستشار لدى رئاسة الجمهورية في مرحلتي هواري بومدين والشاذلي بن جديد.

وفضلا عن ذلك فإن أحمد طالب مقرب جدا، في مرحلة التعددية الحزبية، من فسيفساء التيار الإسلامي بما في ذلك جناح جبهة الإنقاذ الإسلامية المحظورة بعد إلغاء المرحلة الثانية من الانتخابات التشريعية، رغم الاختلاف بين الركيزة الفكرية المؤسسة لشخصيته السياسية والعقائدية ذات الأبعاد الثلاثة وهي الإسلام والقومية العربية والوطنية. فهو يختلف جوهريا مع مضامين البنية العميقة للخط العقائدي لحزب حركة مجتمع السلم “حمس” ذي التوجه الإخواني العالمي، الذي يعتبر الوطنية بعدا مناقضا لمشروعه المتمثل في بناء الدولة الإسلامية الكونية.

وزيادة على ذلك فإن أيديولوجيا أحمد طالب هذه تتباين مع عقيدة فسيفساء التيار الأمازيغي الذي يدعو جزء منه إلى الهوية المؤسسة على الوطنية بلغتيها العربية والأمازيغية والإسلام الوطني المعتدل، ومع عقيدة جزء آخر منه والذي يدعو إلى تطبيق العلمانية المحضة وإلى انفصال الأمازيغ عن العرب واستحداث دولة خاصة بهم كما عند الحركة المدعوة بـــــحركة “الماك” الأمازيغية.

إلى جانب هذه التباينات فإن أحمد طالب الإبراهيمي يختلف عن الاتجاه العروبي الأصولي الذي يرفض تشبثه بدور اللغة الفرنسية في المنظومة التعليمية الجزائرية وبالازدواج اللغوي المرحلي الذي برره بقوله “الازدواج اللغوي سيتواصل في الجزائر سنوات بل عشرات السنين. لأن التعليم باللغتين هو وحده الذي يضمن النجاح والتوفيق في المرحلة الانتقالية من التعليم الاستعماري إلى التعليم الوطني الأصيل”.

كاتب جزائري

9