هل صحيح أننا لسنا جاهزين للديمقراطية

الجمعة 2013/10/18

في حديث له عن الإصلاح السياسي في بلاده، تبرع الرئيس المصري السابق حسني مبارك (وهو ليس الوحيد) في اعتبار الديمقراطية الغربية غير مناسبة، كما هي عليه، لواقع مصر، وأنه يجب انتهاج ديمقراطية تتسق مع ثقافة وظروف وخصوصية البلد.

قبل ذلك، اجتهد معمر القذافي في ليبيا على اعتبار الديمقراطية أوdemocracy نهج «ديمو الكراسي» على حدّ قوله، وأخرج لليبيين اختراع «الجماهيرية» الذي ثبّت ديكتاتوريته وأودى به ونظامه بعد عقود من الحكم. الرجل اعترف أن الجماهيرية نظامٌ يصلحُ للبلدان الأسكندينافية المتطورّة، وأنها غير صالحة للشعب الليبي بمستواه الراهن (آنذاك).

مورست الديمقراطية، بمعناها الانتخابي، بشكل مشوّه في أغلب الدول العربية، بحيث تم استخدامها لتجميل الديكتاتوريات وإسباغها شرعية تمحض الزعيم ونظامه بالحدّ الأدنى من الغطاء الأخلاقي، وبالحدّ المقبول لمقارعة العالم. تولّت الديمقراطية المقززة توفير نسبة الـ 99 بالمئة، للزعيم هنا وهناك، وحتى الـ 100 بالمئة وفق آخر انتخابات رئاسية شهدها العراق في عهد الرئيس صدام حسين.

لم تعر أنظمة الاستقلالات في العالم العربي كثير اهتمام للعبور نحو الديمقراطية بطرازها الغربي. رفعت تلك الأنظمة شعارات وطنية استقلالية فرضتها ظروف التحرر من الوصاية والاستعمار، ثم شعارات إيديولوجية فرضتها اصطفافات الحرب الباردة بين غرب وشرق، وصولا إلى شعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة» الشهير الذي سوّق لنُظُمِ «إزالة آثار العدوان» والتحرير الموعود، ضدّ كل المنادين بالحريات والتعددية والمشاركة في إدارة شؤون البلاد.

تاريخياً، ترعرت الفكرة الديمقراطية كأداة من أدوات التمرد على دولة السلطنة العثمانية، وهي بهذا المعنى أداة مستوردة وليست إنتاجا محلياً. راجت الديمقراطية في المنطقة كفكرة تأنسُ لها القوميات والأقليات في محاولة لتحسين سبل العيش والتعايش مع الأغلبيات. وضمن ذلك السياق، لم تكن مكان إجماع عفوي، بل استوجب تمريرها بذل جهود جبارة مقارنة بالمجتمعات الأخرى في العالم. فلا الأنظمة الملكية ارتاحت للديمقراطية، ولا تلك التي أثمرتها انقلابات عسكرية أحبتها، ولا التيارات الداعية لعودة الخلافة آمنت بها.

وإذا ما كانت الثقافة الإسلامية العامة في المنطقة بشّرت بمفهوم الشورى نموذجا بيتيا بديلا لمفهوم الديمقراطية الأجنبي، فإن تيارات الإسلام السياسي، بشخوصها وأدبياتها ومشاربها، اعتبرت الديمقراطية بدعة غربية، معتبرة أن السيادة لله وليست للعباد، فيما ذهبت اجتهادات المتطرفين إلى تكفير الديمقراطية وأفتت بقتل المقترعين. لكن منطق الأشياء في العالم الراهن يفيدُ بتلاقح الثقافات وتأثّر الأمم بتجارب بعضها البعض، كما أن قانون الوجود يكرّس رواج الناجع وزوال العاجز (حسب قانون داروين على الأقل).

ربما هذه المعادلة تفسّر انهيار النموذج التوتاليتاري في العالم واكتساح المفهوم الديمقراطي للغالبية العظمى من دول العالم، حتى بات الاستثناء (الديكتاتورية) يؤكد القاعدة (الديمقراطية). ومنطق الأشياء هذا، هو الذي جعل من الخيارات الديمقراطية لدى دول الربيع العربي قدراً آلياً، بصرف النظر عن جهوزية المجتمعات وتوفّر الشروط الموضوعية لخوض غمار تلك التجربة في إدارة السياسة وضمان التداول السلمي على السلطة.

لم يستسلم فقهاء الفلسفة السياسية في العالم للديمقراطية بصفتها ترياق كل زمان. والمُجْمَع عليه أنها أحسن الموجود، لكنها لا تشكّل مثالية مقدسة. لكن اجتهاد المجتهدين في هذا المضمار، يسهب في التدليل على التمرين الديمقراطي بصفته سياقا كاملاً يطال مفاهيم وثقافات وعادات وأعرافا ومؤسسات، بحيث تختلط التربية والتعليم في إنتاج مسلكيات فردية وعائلية وجماعاتية تقبل بقواعد اللعبة على عللها.

في إهمال السياق الكلي هذا لمصلحة ما هو تقني يتقزّم إلى عملية انتخاب وصناديق اقتراع، تم اختزال الديمقراطية المستحدثة في دول الربيع العربي، بل حتى اجتزاؤها وبتر شروطها الأساسية. وإذا ما كان الهمّ الأول للديمقراطية هو حماية الضعيف والأقلي، فقد وفّرت عمليات الانتخاب المرتجلة على أنقاض الأنظمة البائدة، قاعدة انطلاق رحبة للتيارات والمشارب التي تتمتع بالخبرة والتنظيم والمال، مهملة بتقصّد خبيث تلك الشابة والصامتة والتي شكّل حراكها اللافت لَبِنات التغيير ووقوده.

بمعنى آخر، اقترفت الديمقراطية المرتجلة إثم إعادة توزيع السلطة على من لا ينتسبون لفكرة التغيير، بمعناها المتصالح مع الحداثة والمستقبل، وبالتالي اغراق الثورات عبر شدّها للأسفل بحبال التشدد الذي يستوحي الأمس نموذجا للغد.

ولئن كانت شروط المنطق والعصر لا تتيح إلا التمسك بخيار الديمقراطية، وإذا ما كانت الشروط البيولوجية تمنعنا من الاستسلام لمقولة أن جنسنا وثقافتنا وتجاربنا عصيّة على التجربة الديمقراطية الكونية، فإن فوضى ما أنتجته صناديق الاقتراع خلال العامين السابقين، يجعلنا نتأمل بتمعن سبلا وسيطة تنقل مجتمعاتنا من عَفن التجربة السياسية المشوّهة منذ رحيل العثمانيين، وبعدها الاستعمار والوصاية الغربيتين، نحو أخرى حديثة تضع العرب على السكة الطبيعية (وليس المتكلفة) لشروط العصر.

لا يمكن الركون لصناديق الاقتراع حين تلتهم مجتمع المقترعين نسبة أمّية مقلقة ترفع حاجزا ما بين المواطن والمعلومة (يصل عدد الأميين في المنطقة إلى أكثر من 100 ميلون). كما لا يمكن التسليم بعزف الصناديق حين تنحصر خيارات المقترعين بمعايير كيفية غير موضوعية من نوع انتخاب «اللي يخاف ربنا». كما لا يمكن الاستكانة لخيارات الكتلة الناخبة التي أصابتها آفات المذهبية والطائفية والعنصرية. كما لا يمكن التصفيق لنُخب تفرزها الصناديق وفق سلطة المال وقانون الانتخاب، وهما معايير كيفية يفرضها منطق الأقوياء والأمر الواقع.

الشورى في الإسلام عملية تستفتي وجوه الأمة وقاماتها. وهي بالمعنى الحديث اقتراع غير مباشر يروم الصالح العام ويأخذ في الاعتبار مصالح القوى والتيارات والجماعات والأطياف. والاقتراع غير المباشر كان السمة الرائجة في الديمقراطيات الغربية، إلى أن انتقلت جميعها بعد الحرب العالمية الثانية، ومن خلال تحوّل منطقي طبيعي، نحو الاقتراع المباشر الذي يستفتي كل المواطنين.

هل تحتاج المنطقة العربية إلى العودة للاقتراع غير المباشر، وفق منطق الشورى في الإسلام؟

لا نستطيع القطع في الرفض أو القبول. لكن الأزمات السياسية الكبرى (وبعضها كارثية منتجة لحروب أهلية) التي شهدتها مصر وتونس وليبيا واليمن والعراق.. الخ، تدفعنا إلى تأمل صيغ صادمة تدفع عن تلك البلدان شرور التبسيط والشعبوية التي قد ترفع إلى الحكم بذور فشل وفتنة وتخلّف، تقود حتماً إلى تمجيد المنقرض من ديكتاتوريات أو التمسك بديكتاتوريات تجهد للبقاء.

وإذا ما كانت مؤسسات سياسية أو عسكرية أو إدارية بإمكانها أن تلعب دور الضامن لاستقرار المجتمع، أو تؤمّن حماية له من عبث الصناديق، فإن تدخّلها لطالما سيعتبر معطّلاً لعمليات سياسية يأنس ويروّج لها الحاكمون الجدد (ناهيك عن تناقض ذلك مع نزوع الناس لإنجاح التجربة الديمقراطية بالمعنيين النظري والمثالي). وعليه فلا مهرب من التفكير ملياً بأدوات جريئة خلاقة في الدستور والقانون والممارسة يقدم وجبة استثنائية ومؤقتة توازن ما بين الاستقرار والأمن والازدهار من جهة، والحريات والتعددية والديمقراطية من جهة ثانية. هي صيغ تغلق نهائياً أبواب العودة للديكتاتورية، كما تمنع الصناديق من فرض الفوضى إلى حدّ العفن.

المهمة صعبة، وقد تكون مستحيلة، لكنها دعوة للاجتهاد.


صحافي وكاتب سياسي لبناني

9