هل صحيح البخاري أسطورة.. مساءلة للتراث الديني المنقول

الباحث المغربي رشيد أيلال: لا نناقش الدين بل التفاعل مع الدين ونرفض تسييسه.
الجمعة 2018/04/27
رشيد أيلال: أحكّم العلم في قراءتي للأحاديث والفتاوى

تونس – عندما أصدر الكاتب المغربي رشيد أيلال كتابه “صحيح البخاري.. نهاية أسطورة”، كان يعلم أنه سيواجه سيلا من الانتقادات، كما قال في تقديمه للكتاب، من محاكم التفتيش ومن دعاة تقديس الشيوخ الذين يحاكمون النوايا ويقفون بالمرصاد ضد كل من يحاول استعمال فكره وعقله ويسائل النصوص الموروثة محاولا تمحيصها.

التقت “العرب” رشيد أيلال على هامش ندوة نظمها مرصد الحريات والسياسات الثقافية بتونس، جددت التساؤل حول إشكالية الموروث الديني؛ هل أن هذا التراث شيء مقدس أم إنتاج بشري قابل للنقد؟، وذلك انطلاقا من كتاب أيلال الذي يسلط الضوء على قضية جدلية في الموروث الديني، وهي قضية الأحاديث المنقولة عن النبي محمد، ومدى صحتها، وصحة ما يسمى بـ“الكتب الصحيحة”، وأبرزها صحيحا الإمام مسلم والإمام البخاري.

كتاب “صحيح البخاري..نهاية أسطورة” أثار جدلا منذ طرحه بالمغرب إلى درجة دعوة رجال دين بمراكش إلى منعه ومقاضاة كاتبه المغربي رشيد أيلال، الأمر الذي يدفع خبراء وباحثين إلى التساؤل حول مستقبل حرية التعبير والفكر والحريات الأكاديمية في العالم العربي. ورغم الضغط يلاقي الكتاب إقبالا كبيرا في المغرب والخارج. ومؤخرا، حقق الكتاب مبيعات هامة بمعرض تونس الدولي للكتاب. وفي لقاء مع “العرب” يتحدث أيلال عن كتابه وما جاء فيه من قضايا مثيرة للجدل ويصفها البعض بالصادمة، داعيا إلى استغلال التطور العلمي للتدقيق في التراث الديني بابتكار منهجية جديدة نتحرر فيها من قيود القدامى. ويعتقد متابعون أنها صدمة مطلوبة لمراجعة التراث الديني، وتجديد الخطاب بما يحفظ للدين قدسيته ويبعده عن شبهات الإرهاب واستغلال السياسيين له

حجج الكاتب

يقول أيلال، وهو عصامي التكوين، إنه اعتمد على علم المخطوطات لشرح وجهة نظره ولتقديم حججه للقارئ. ووصف الكاتب المغربي عزيز شراج، الذي قدم الكتاب خلال الندوة، الكتاب بأنه جريء يدعو إلى التفكير وتحكيم العقل، قائلا “لا يجب أن نجعل عقلنا مصادرا بل يجب أن نعيد كينونة ذاتنا”.

يشرح أيلال ما وصفه بـ“خرافات تحيط بصحيح البخاري ومؤلفه”. ويقول “صحيح البخاري نهاية أسطورة’ هو لفتة أو محاولة لاستنباط أو لأخذ بعض الأمور التي يعرفها الفقهاء ويحاصرونها في معتقلاتهم الأكاديمية راكدة وساكنة في كتبهم لكن العامة لا تعرفها”. ويتابع “قمت في هذا الكتاب بإخراجها من معتقلها لكي يعرفها الناس، فعندما نتحدث مثلا عن تدوين السنة وأن السنة هي الأصل الثاني من التشريع بعد القرآن، يجب الانتباه إلى ما نسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قوله ‘لا تكتبوا عني غير القرآن ومن كتب عني غير القرآن فليمحه”.

ويضيف “لم يبدأ تدوين الأحاديث النبوية حتى أواخر العصر الأموي وبداية العصر العباسي، ومع التدوين بدأ التزوير وبدأ تسييس الدين”.

ويعتبر أيلال أن “صحيح البخاري لم يعد يتماشى مع ما وصلت إليه البشرية من تقدم”، وأنه “من الضروري أن نغير المنهجيات القديمة”، مشيرا إلى أن الظروف المحيطة التي نشأ فيها الحديث مثيرة للريبة حيث تزامنت مع حرب المرويات بين المذاهب وبين السياسيين، فكل فئة تحاول أن تضع أحاديث لتهاجم بها فئة أخرى وتنتصر لنفسها. والكل ينسب هذا للرسول الكريم، لذلك يستنتج أن هذه الظروف هي التي صنعت أسطورة صحيح البخاري.

ويقول إنه حاول تفكيك هذه الأسطورة بلغة الأرقام الصماء التي لا تحابي أحدا ولا تخضع لأيديولوجيا مسبقة، مشيرا إلى أنه أرجع المخطوطات التي قام بدراستها، وهي حوالي 70 مخطوطة من مخطوط صحيح البخاري، وتبين أن هناك فاصلا زمنيا كبيرا بينها وبين عهد الشيخ البخاري وهناك اختلافات كثيرة بينها.

ويبين رشيد أيلال أن صحيح البخاري توحد حتى أصبح نسخة واحدة في القرن التاسع هجري أي بعد وفاة البخاري بـ600 سنة، لافتا إلى أنه كانت هناك إدراجات وإضافات في الكتاب كثيرة جدا بشهادات شيوخ وفقهاء.

ويضيف أن “صحيح البخاري بدأه الكاتب وأكمله التلاميذ وأضافو ما أضافوه”، مشيرا إلى أن “كل فئة تضيف ما تضيفه حسب ثقافتها وانتمائها، حيث أن أخطر ما في الثقافة الفارسية وثقافة اليهود كانت حاضرة بقوة (وأيضا جل من كتبوا الأحاديث كانوا ينتمون إلى هاته الثقافة، إلا الإمام الأحمد)، فثقافة عذاب القبر وغيرها هي ثقافة فارسية”.

وتساءل “لماذا تكفرون بالابتعاد عن كل هذه المرويات على أساس أنها دين وأنها تاريخ، وإذا كانت كذلك يجب أن نمحصها ونتأكد منها بالعلوم التاريخية”.

 ويرد قائلا “أعتقد أنهم أرادوا أن يضعوا سياجا لقطع الرواية  الحقيقية عن البخاري”.

صحيح البخاري.. نهاية أسطورة

قدم لكتاب صحيح البخاري نهاية أسطورة، الباحث المغربي عزيز شراج. ويتحدث شراج عن أسباب إصدار حكم قضائي ضد الكتاب وحظره بالمغرب، مشيرا إلى أن الحرية الثقافية مكفولة منذ عقود في المغرب وأن ما حصل لكتاب رشيد أيلال “استثناء يجب أن يتدارك لأنه جاء إثر قرارات قضائية انطلاقا من لجنة قالت إنه يمس من الأمن الروحي للمواطنين”.

ويوضح شراج أن الكتاب لا يمنع في كامل المغرب بل في مراكش فقط. وقلل من تأثير حملة بعض رجال الدين. وأشار إلى ذلك “فكر فردي لا يجد له صدى في المجتمع”، بل بالعكس الكتاب هو الذي لقي صدى لدرجة أنه طبع في المغرب 3 طبعات في أربعة أشهر وفي تونس حقق أعلى نسبة مبيعات في معرض الكتاب.

وخلص بقوله “إقبال الناس على الدراسات الإسلامية الحديثة يجسد شيئا واحدا وهو أن المواطن العربي المسلم يريد أن يتناغم مع نفسه ومع دينه وفق متطلبات عصره، لا أن يعيش حالة انفصام بين واقعه ودينه”.

واعتبر أيلال أن “علماء أصول الفقه استبقوا السنة قبل القرآن لذلك بات الدين تراثيا: نـأخذ من الموروث وليس من القرآن”.

ويؤكد أيلال أن كتابه يدعو للاستفادة من علوم العصر وذلك بالتثبت من المعلومة حيث تطورت الآليات والمنهجيات العلمية للتحقق منها. ويضيف أن هناك تطورات كثيرة في مجال دراسة اللغة وعلينا أن نستفيد من هذه العلوم. وعن رسالة الكتاب وإلى من يوجهها يقول أيلال إن الكتاب “للحيارى.. لمن حار أمرهم بين تقديس الموروث الديني أو تمحيصه.. هو للمشكك لكي يستيقن.. أما المتيقن بالأساس فلن تستطيع إقناعه ولو جئت بألف دليل.. لذلك أنا أخاطب الذي يحار: هل التراث الديني شيء مقدس أو هو إنتاج بشري علينا أن نمحصه بآليات علمية قوية صارمة على مبدأ أننا لا نناقش الدين بل نناقش التفاعل مع الدين”.

التغلب على الظلامية

عن الانتقادات التي طالته من قبل شيوخ الدين بالمغرب يجيب قائلا “نحن من جعلنا منهم علماء”. ويؤكد أنه سيواصل مسيرته وسيواجههم بالعمل بإصدارات أخرى منها كتاب مفاهيم قرآنية يجب أن تصحح والحرية الجنسية في القرآن.

وقد أشارت وسائل إعلام محلية في تونس إلى أن كتاب “صحيح البخاري نهاية أسطورة” تصدر مبيعات معرض الكتاب الدولي الذي انعقد في بداية الشهر الجاري، بعدما تصدر المبيعات في مجموعة المكتبات بالمغرب، قبل صدور أحكام بمصادرته ومنع طباعته.

ويعتقد رشيد أيلال أن “رجال الدين لم يجعلوا الإنسان محور المعادلة وهذا هو الخطأ الذي وقعوا فيه بل جعلوا الأساطير هي المحور.. الإنسان يجب أن يكون خاضعا في حين أن الدين جاء لإسعاد الإنسان لذلك كانت ختم النبوة التي تعني ببساطة أن البشرية باتت قادرة على أن تصل بنفسها إلى الحقائق الكبرى”.

ويقول “نحن مع دراسة السنة والتعلم منها فكيف لا نتعلم من أعظم بشر الذي أحيا أمة من العدم؟، لكن يجب أن نتأكد هل أن الرسول قال هذا، هذا ما أردت قوله في الكتاب.. ما اختلف وناقض القرآن يجب أن ننتبه له.. الدين لا يملك سلطة الإكراه لكن الدولة تملك ذلك بالقوانين”.

ويقول “الدين هو اقتناع عقلي.. هنا أريد أن أشير وألمح له”.

ويتحدث الكاتب المغربي من منطلق تجربته في حزب العدالة والإحسان المغربي، ويقول عنها “أنا أعتبر الفترة التي قضيتها في الحزب وهي 7 سنوات عندما كنت أبلغ من العمر 15 عاما إلى غاية 22 سنة إحدى حلقات تكويني لأنني دخلت إلى الإسلاموية (الإسلام السياسي) وعرفت حقيقتها وكيف تجري الأمور.. اكتشفت الحقائق لذلك غادرت هذا التيار، وأغلب من انضم إليه غادره وسيفعل كثيرون ذلك في المستقبل”.

وعن دعوات التكفير التي يطلقها أنصار الفكر الظلامي يقول “لا نستطيع تكفير شخص لذلك أعتقد أن العلاقات الإنسانية لا يجب أن تقام على أساس الدين، بل العلاقة يجب أن تكون وفق مشترك إنساني وهو ما دعا إليه القرآن..  المشترك الإنساني هو التثاقف والتعارف والتفاعل بين الشعوب”.

وأكد أيلال “إننا نستطيع أن نتغلب على الظلامية لأن العالم بدأ يرفضها فهي تؤذي الناس لذلك مآلها الزوال”، مضيفا “فقط علينا أن نكون نحن في مستوى الأنوار ألا نتحول إلى كهنوت جديد يدعي أنه متنور ويمارس الظلامية في الآن ذاته”، مشيرا بقوله “إذا أردنا أن نصل إلى نتيجة جديدة علينا أن نبتكر منهجية جديدة ومن يبتكرون ذلك هم المتحررون من المنهجيات القديمة أي العصاميون..معظم المجددين عصاميون”.

وأردف “الأنوار إزاحة للظلمة واستعمال للعقل.. ما أقوله هو نسبي وهو سر تجدد العقل البشري وأنه عندما ينتج العقل البشري فكرة يأتي عقل آخر ليدحضها أو يصححها وبهذا تتطور البشرية. فالظلامية تدعي المطلق سواء كانت دينا أو إلحادا أو أن تدعي التنوير أيضا بادعاء طرف واحد امتلاكه للحقيقة.. هذا شكل آخر من الظلامية الذي يجب أن نحاربه”.

وبين الكاتب المغربي رشيد أيلال في ختام الندوة أنه يؤسس حاليا لمشروع فكري وصفه بما بعد الشحروية نسبة للمفكر محمد شحرور ومحورها “حول الأنبياء الجدد الذين يجب أن نتبعهم ونستمع إليهم لأن وحي الله لم ينقطع في الكون وهؤلاء الأنبياء هم ‘العلماء’.. علماء الفيزياء، الطب والفلسفة وكل العلماء والمختصين بمجالات آخرى”.

ويتابع “هم أنبياء  ليس على أساس أنهم مقدسون، بل على أساس أنهم يواصلون اكتشاف وحي الله في الكون وهذه هي المرحلة الجديدة التي دخلت فيها الإنسانية.. لذلك ختم الله النبوة لأن البشرية أصبحت راشدة تقدر أن تعرف حقائق الله في الكون بنفسها.. لذلك الله تعالى عندما أجاب عن الأسئلة
التي تشغل بال الإنسان أجاب بالقرآن.. أليس هذا ما فعله العم داروين عندما استنطق الأرض… وهذا ما توصل له علم الحفريات مؤخرا بالمغرب عندما تم التعرف إلى أقدم جمجمة”.

Thumbnail
12