هل صراع الحضارات بريء من صدامات تحكم العالم

يرى يوجين شوسوفسكي، الباحث في مركز ستراتفور للدراسات الأمنية والاستراتيجية، أن نظرية صدام الحضارات رغم أنها أوجدت تفسيرات لبعض الصراعات الراهنة، إلا أنها فشلت في التوصل إلى فهم كامل لها، وتوقع العديد من العوامل المهمّة بالنسبة إلى النظام العالمي لمرحلة ما بعد الحرب الباردة، حيث عاد صامويل هنتنغتون بنفسه إلى منظور مركز الحضارة، بدلا من تبني نموذج جيوسياسي أكثر شمولا ودقة.
السبت 2016/01/16
الحضارات أيضا لها أنياب وتتصارع، أحيانا

واشنطن- صار الحديث عن عوامل دينية وإثنية وحتى قبلية حاضرا بقوة في سياق تفسير الصراعات الراهنة، والتي تشتدّ رحاها بالأساس في منطقتي الشرق الأوسط وأوروبا الغربية، المعروفة تاريخيا بأنها مهد الحضارات، التي تتشابك فيها الصراعات والأزمات، وتتعارض فيها مصالح القوى الدولية وتتلاقى في الكثير من زواياها ومؤامراتها.

وفي سياق استحضار هذا الحديث تبرز بالأساس نظرية المفكر الأميركي صامويل هنتنغتون، المتعلّقة بصراع الحضارات والتي يعتبرها، المؤيدون والمنتقدون على حد السواء، نقطة مفصلية في قراءة الأحداث ومساراتها المتحركة. وتركّز خطوط فكرة صراع الحضارات على نقاط الانقسام الثقافي (الحضاري)، في تفسير النزاعات في العالم الحالي الذي هو عبارة عن خليط متعدد الأقطاب من الدول والمناطق والثقافات والفاعلين.

وقد ورد مصطلح صدام الحضارات لأول مرة سنة 1990 في مقال للمفكّر الأميركي برنارد لويس، بعنوان “جذور الغضب الإسلامي”، ثم استخدم صامويل هنتنغتون هذا المصطلح كعنوان لمقال نشره عام 1993. وقد جاء هذا المقال مكمّلا لما طرحه فرنسيس فوكوياما في كتابه “نهاية التاريخ”.

وبعد ثلاث سنوات أصدر هنتنغتون، الذي هو في الأصل سياسي ومخطط استراتيجي، كتابه الشهير “صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي” عام 1996، لكن الولادة الكبرى للكتاب كانت بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، التي أحدثت زلزالا في العلاقات بين الشرق (المسلم) والغرب (المسيحي).

رؤية هنتنغتون لصراع الحضارات

ليس الإسلاميون هم التهديد الحقيقي للغرب، ولكن الإسلام الحضارة المختلفة التي يؤمن أصحابها بأن ثقافتهم هي الأعلى، ويحسون بحرج كبير بسبب ضعفهم.

لن تكون الأيديولوجيا والاقتصاد أساس المشاكل العالمية في المستقبل، ولكن الثقافة. ستظل الدول تلعب السياسة الدولية مع بعضها بعضا لكنها، أحيانا، ستلعب مع مجموعات حضارية وثقافية مختلفة. لهذا، لن يكون الصراع في المستقبل بين الدول، ولكن بين الحضارات.

الثقافة الأميركية تواجه حصارا من كل الجوانب. قبلنا، واجه الاتحاد السوفيتي نفس الحصار، ولأنه كان متعدد الأديان والأعراق والثقافات، لم تكن عقيدته قوية، انهار. لهذا، علينا أن نفعل شيئين: نمنع التقسيمات الثقافية، ونقوي عقيدتنا.

ورغم أن العالم اليوم يستحضر قراءات هنتنغتون في العديد من النواحي، إلا أن يوجين شوسوفسكي، الباحث في مركز ستراتفور للدراسات الأمنية والاستراتيجية، يرى أن نظرية صدام الحضارات فشلت في التوصّل إلى فهم كامل لها، وتوقع العديد من العوامل المهمة بالنسبة إلى النظام العالمي لمرحلة ما بعد الحرب الباردة، وعاد بنفسه إلى منظور مركز الحضارة بدلا من تبني نموذج جيوسياسي أكثر شمولا ودقة.

ويطرح شوسوفسكي في قراءته الحديثة لنظرية هنتنغتون ومقاربتها مع الأحداث الراهنة في العالم، سؤالا رئيسيا ينطلق منه هو لماذا تتصادم الحضارات؟ ويستهل إجابته بطرح تعريف هنتنغتون للحضارة، والذي يقول فيه إنها أوسع وأشمل من الهوية المشتركة بين مجموعات من الناس، وهو يقسّم العالم إلى تسع حضارات: الغربية والأرثوذكسية والإسلامية والأفريقية والصينية والهندوسية والبوذية واليابانية والأميركية اللاتينية. وتوقّع أن تشكّل هذه الانقسامات الحضارية العلاقات بين الدول بعد نهاية الحرب الباردة.

وفي هذا الإطار الأوسع، وصف كتاب “صدام الحضارات” عددا من المحاور الرئيسية، اثنين منهما مناسبان للحالة الراهنة للنظام العالمي. وتوقّع المحور الأول أن الحضارة الغربية (في المقام الأول تتكون من الولايات المتحدة وأوروبا الغربية) سوف تجد نفسها أمام تحد متزايد مع غيرها من الحضارات، خاصة الصين والعالم الإسلامي. ويتمحور التوقع الثاني حول خطوط الصدع بين الحضارات والمناطق الجغرافية، حيث أن اثنين أو أكثر من الحضارات المميزة توجد على مقربة من بعضها البعض، وسوف تكون المواقع الرئيسية للصراع في عصر ما بعد الحرب الباردة متقاربة.

الغرب يواجه المزيد من التحديات

ادعى شوسوفسكي أن الاشتباكات بين الغرب والعالم الإسلامي سوف تشتد مع انهيار التنافس الذي كان سائدا زمن الحرب الباردة. ولاحظ بذكاء أن سقوط الاتحاد السوفيتي والكثير من الحركة الشيوعية العالمية في أوائل التسعينات هو بمثابة “إزالة عدو مشترك للغرب والإسلام وترك كل منهما بمثابة تهديد محتمل للآخر”.

وأكّد أن العالمية المشتركة للثقافتين الغربية والإسلامية، والتي تتبنى وجهات نظر تقوم على الاعتقاد بأن جميع البشر يمكن أن يلتزموا بها، من شأنها أن تولد التنافس والصراع بين الثقافتين. حتى أنه ذهب إلى أبعد من ذلك لتحديد الطريقة التي سوف يدور بها هذا الصراع: “حرب إرهابية في مواجهة القوة الجوية”.

وجاء الدعم لنظرية هنتنغتون، وفق شوسوفسكي، بعد أحداث 11 سبتمبر عام 2001، عندما شنّ تنظيم القاعدة هجماته ضد الولايات المتحدة وما نجم عنها من حروب لاحقة في أفغانستان والعراق. وقد وضعت هذه الأحداث القوى الغربية أمام مسار تصادمي مع العديد من الدول والجماعات داخل العالم الإسلامي، إلى جانب صعود الحركات الجهادية الراديكالية، وتزامن ذلك مع غرق الولايات المتحدة في الصراعات بجميع أنحاء الشرق الأوسط.

يوجين شوسوفسكي: هنتنغتون أفرط في تقييم الطبيعة الحضارية للنزاعات في العالم

وفي الوقت الذي طوّرت فيه الولايات المتحدة طريقتها في الحرب على الإرهاب، مقارنة بما كانت عليه خلال العقدين الماضيين، لا شك أن ديناميكية مشابهة لصراع إسلامي-غربي محتمل أصبحت دافعا هاما في النظام العالمي الحديث. وفي الواقع، الهجمات الأخيرة للدولة الإسلامية في باريس، والتي جاءت وسط تزايد الضربات الجوية الغربية على سوريا، يبدو أنها خير دليل على صدق تنبؤات هنتنغتون.

لكن مع ذلك، يرى شوسوفسكي، الباحث المتخصص في الشأن الأوروبي ودراسات الاتحاد السوفييتي السابق، أن التنوع الهائل في العالم الإسلامي يعد بمثابة مضاد هام لنظرية هنتنغتون. فالإسلام دين أكثر من 1.3 مليار شخص في جميع أنحاء العالم، وفي الكثير من الحالات لديهم القليل من القواسم المشتركة مع بعضهم البعض مقارنة بما يمتلكونه مع نظرائهم من غير المسلمين.

ويمكن للمرء أن يجادل بأن بلدانا مثل تونس وماليزيا وتركيا لديها الكثير من القواسم المشتركة مع الغرب مقارنة بالقواسم التي تملكها كل من أفغانستان أو المملكة العربية السعودية. ولكن المشكلة في مفهوم هنتنغتون للصدام الحضاري الواسع بين العالم الإسلامي والغرب، هو أنه يفترض وجود “غرب” واحد وموحد و”فضاء إسلامي” واحد موحد، في حين أن الفروق والاختلافات داخل العالمين لا حصر لها.

وبما أن هنتنغتون أفرط في تقييم الطبيعة الحضارية للنزاعات في العالم الإسلامي، فقد فشل في معالجة العديد من الضرورات الجيوسياسية التي تقف وراءها، بما في ذلك فتح شقوق في الإسلام على غرار التراجع الذي شهده في عهد سايكس بيكو، وإضعاف قدرة الدول المركزية على احتواء الانقسامات.

وفي الوقت الذي يرجع فيه هنتنغتون توسع العالم الإسلامي إلى النمو الديمغرافي، قال إن الفضل في صعود الصين في فترة ما بعد الحرب الباردة يعود إلى التوسع الاقتصادي. وفي الوقت الذي بدأت فيه الصين تبرز كقوة اقتصادية كبرى، وصفها هنتنغتون كبلد “ناشئ تدريجيا له مجتمع من المحتمل أن يكون الأكثر تحديا للغرب في النفوذ العالمي”. وقال إن الصين سوف تترجم في النهاية قوتها الاقتصادية المتنامية إلى قوة سياسية وعسكرية، والتي بإمكان بكين أن تستخدمها لتحدي موقف الولايات المتحدة المهيمنة في شرق آسيا.

وعلى غرار العالم الإسلامي، تعتقد الحضارة الصينية في نفسها أنها متفوقة على الغرب، وتوقع هنتنغتون أنها سوف تسعى إلى تحدي الغرب ومخططاته للسيطرة على النفوذ العالمي. فالمقاومة الصينية للسيادة الغربية تنبع من قيمها الكونفوشيوسية، التي تؤكد على أهمية التسلسل الهرمي والسلطة والتوافق وسيادة الدولة على المجتمع والتي تتعارض مع المعتقدات الأميركية من حرية ومساواة وديمقراطية وفردانية.

يوجين شوسوفسكي يرى أن نظرية صدام الحضارات فشلت في التوصّل إلى فهم كامل لها، وتوقع العديد من العوامل المهمة بالنسبة إلى النظام العالمي لمرحلة ما بعد الحرب الباردة
والهوة بينهما تجعل الهيكل السياسي على النمط الغربي يتعارض مع التقاليد الثقافية والحضارية الصينية، تماما كما يتعارض مع رفض العالم الإسلامي للفصل بين الدين والدولة. ونتيجة لذلك، تصبح العلاقة بين الحضارتين علاقة مواجهة على نحو متزايد، ومع توسع القوة الاقتصادية والعسكرية للصين، تبدأ بكين في متابعة دورها كقوة إقليمية مهيمنة.

التنبؤ بأن التوتر بين الصين والغرب سوف ينمو بعد نهاية الحرب الباردة أصبح بالفعل أمرا صحيحا. ولكن المنطق الذي استند إليه هنتنغتون في ذلك كان قليل الإقناع. الكونفوشيوسية ليست هي التي خلقت الاحتكاك بين الصين والولايات المتحدة؛ ولكن التجارة والأنماط الاقتصادية هي التي فعلت ذلك.

وبنفس الطريقة، لم تكن الثقافة اليابانية الفريدة التي أدت إلى صراع بين بقية دول آسيا والولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية، ولكن المصالح الجيوسياسية مثل تأمين خطوط الإمداد للاقتصاد الذي كان يعتمد بشكل كبير على واردات المواد الخام.

تقلب على خطوط صدع الحضارة

لا ينكر شوسوفسكي أن بعض تكهنات هنتنغتون صدقت، وبأن الصراع بين حضارات العالم المختلفة سيندلع على الحدود التي تفصل بينها، ففي السنوات التي تلت الحرب الباردة مباشرة، كان لديه عدد من الأمثلة للاستفادة منها.

وفي أوائل التسعينات، اندلعت الحروب اليوغوسلافية وانخرط الصرب الأرثوذكس والكاثوليك (غربا) الكروات والبوشناق (شرقا) في معركة دامية اندلعت على أسس حضارية. وبعد فترة قصيرة، أعلنت كل من أرمينيا ذات الغالبية الأرثوذكسية وأذربيجان التي معظم سكانها من المسلمين الدخول في حرب حول إقليم ناجورنو كاراباخ، وحصل كلا الجانبين على دعم خارجي من رعاة في نطاق قيمهم الحضارية، في حين دعم الأتراك إخوانهم في الدين والثقافة في أذربيجان، وهب الروس إلى مساعدة الرفاق الأرثوذكسيين في أرمينيا. وشكلت كل هذه الحالات دعائم لنظرية هنتنغتون.

لكن، توقع هنتنغتون أيضا أن الاشتباكات سوف تجري في مناطق أخرى مع التحذير من أن التوترات من المرجح أن تنضج تحت السطح لفترة من الوقت قبل أن ينتم تجسيدها في النهاية في شكل صراعات. ومن بين هذه الأماكن أوكرانيا، التي وصفها بأنها “دولة مشقوقة بين ثقافتين مختلفتين”، مضيفا أن “خط الصدع الحضاري بين الغرب والأرثوذكسية قد يخترق قلب أوكرانيا لعدة قرون”. وهناك احتمال بأن يتم “تقسيم أوكرانيا على طول خط الصدع إلى كيانين منفصلين، وسوف يندمج الكيان الشرقي مع روسيا”.

ويبدو أن هذا الأمر أصبح مشهودا اليوم، حيث تم تقسيم أوكرانيا بالمعنى الفعلي، بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم واندلاع الصراع الانفصالي في شرق البلاد. ولكن باستخدام نفس المنطق حضارة مركزية، كما توقع هنتنغتون “إذا كانت الحضارة هي ما يهم.. العنف بين الأوكرانيين والروس غير محتمل”.

وذهب هنتنغتون إلى استنتاج أن السيناريو الأكثر احتمالا هو بقاء أوكرانيا موحدة ومستقلة، أما إذا تم تقسيمها فسوف تتعاون بشكل وثيق مع روسيا. وما أحداث العامين الماضيين إلا تجسيد واضح لهذه التوقعات، والتي تبيّن أن العنف بين الأوكرانيين والروس يمكن أن يحدث في الواقع، وأن المحفّز لصراعهم يصل إلى ما وراء الاختلافات الحضارية. بدلا من ذلك، خضع الصراع لمصالح جيوسياسية: حتمية تأمين روسيا لمنطقة عازلة في المحيط السوفيتي السابق، في حين تسعى الولايات المتحدة إلى حرمان روسيا من منطقة عازلة ومنع صعودها كقوة مهيمنة في أوراسيا.

مستلزمات التعايش الثقافي

يختم شوسوفسكي قراءته لنظرية صدام الحضارات لهنتنغتون، مستخلصا أن هذه النظرية فشلت في محاولتها تقديم الاختلافات الحالية بين الحضارات كتفسير شامل للصراع العالمي، فهذا النموذج غير صالح للاستخدام لفهم عالم اليوم. فالأبعاد الجيوسياسية لا تقر بأي موضوع كوني معين، ولكن تدرس كيف تتقاطع الجغرافيا مع العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية داخل المجتمعات وفي ما بينها، وهي وسيلة أكثر فعالية من تحليل العلاقات الدولية.

وحرص شوسوفسكي، في نهاية تحليله، على التأكيد أن قراءته ليست تشويها لكتاب “صدام الحضارات”، الذي يحمل العديد من الأفكار التي قدمت سياقا مفيدا لفهم العديد من الصراعات التي حدثت على مدى الـ20 عاما الماضية، والتي يمكن أن تكون مناسبة إلى اليوم، من ذلك أنه يرى أن “مستلزمات التعايش الثقافي تتطلب البحث عما هو شائع لدى معظم الحضارات بدلا من تعزيز الميزات العالمية لحضارة واحدة”.

وفي عالم حضاري متعدد مسارات البناء ينبغي “التخلي عن الشمولية وقبول التنوع والبحث عن القواسم المشتركة”. وبطبيعة الحال، البحث عن القيم المشتركة وقبول الاختلاف مع الآخرين لن يقضي نهائيا على الصراع الذي كان قائما طوال التاريخ البشري. ولكن أي جهد للتخفيف من ذلك في عالم يزداد ديناميكية هو بالتأكيد، كما يقول هنتنغتون، أمر يستحق المتابعة.

7