هل صمدت التجربة الديمقراطية في تونس بعد عشر سنوات من الثورة

النخب السياسية منشغلة بصراعاتها على حساب حقوق الشعب.
الثلاثاء 2020/10/27
الشعب بين متلازمة مشاكل الزعامة ودعوات الإصلاح

لا يزال الوعد بالديمقراطية قائما في تونس، فالمشهد السياسي بين النخب، ورغم ما يعيشه من سجال على كافة الأصعدة يعطي لمحة على أن هناك آمالا كبيرة في تحقيق الأهداف التي جاءت بها الثورة، ولكن، حتى في ظل هذا المناخ السياسي الجديد، تبدو استراتيجية العديد من الأحزاب العلمانية تقتصر على التصريح بأنها تريد إنقاذ البلاد من الإسلاميين بدلا من التركيز على وضع برامج حزبية مقنعة تلبّي الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية الأساسية.

تونس - يرى مراقبون أن السياسة التونسية بعد الإطاحة بنظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي هي أكثر تعقيدا ولا يمكمن اختزالها في المنافسة الثنائية بين العلمانيين والإسلاميين، حيث تقوّض الخصومة الأيديولوجية والاختلافات الاستراتيجية والانقسامات القيادية في صفوف الأحزاب العلمانية، قوتها في المشهد العام الذي يهدف إلى ترسيخ أسس الديمقراطية.

وكان باستطاعة المعارضة أن تراكم الأنشطة والفعاليات، لأنها ليست مكبلة من طرف الحكومة كما كان الحال في السابق، بل لديها في الوقت الحاضر ما يلزم من الضمانات الدستورية والقانونية، التي ستمكنها من القيام بأدوارها ومهامها، التي ستحتاج إليها، من أجل موازنة المتطلبات والتطلعات وتحويل ذلك كله إلى سياسات عامة.

كما أن توفير قنوات للمشاركة الشعبية والصعود بها إلى درجة من الرقي والتنظيم الفاعل لتحريك وتفعيل الجماهير يبدو أمرا في غاية الأهمية بغية انتزاع القرار السياسي، وتحويل آراء المواطنين إلى خيارات سياسية واقعية تخدم البلاد والعباد.

غير أن ثنائية المعارضة والحكومة التي يرافقها عادة الاختلاف في وجهات النظر حول بعض القضايا الوطنية، ينبغي ألا تخضع لمفهوم إقصائي، بل يجب أن تحكمها ضوابط وقواعد وأصول وآداب تحفظها من الشطط والفوضى وعلل النفوس والطواف حول الذات. فهل يمكن القول إن تونس وهي على أعتاب الذكرى العاشرة من انتفاضة يناير 2011 قد نجحت في تجربتها الديمقراطية.

تحديات بالجملة

مهدي مبروك: الديمقراطية تترسخ بالتداول على السلطة وتوسيع المشاركة
مهدي مبروك: الديمقراطية تترسخ بالتداول على السلطة وتوسيع المشاركة

بعد ثورة 2011، فشلت الأحزاب في تشكيل تحالفات قوية، أو تطوير شبكات إقليمية، أو إنشاء برامج حزبية قابلة للبقاء، وغالبا ما استخدمت الخطاب المعادي لتيار الإسلام السياسي لجذب الناخبين، بدلا من تقديم حلول للتحديات التي تواجهها تونس، بل اعتبر البعض قبل ذلك أن نظام بن علي كان قد قتل كل ما هو نشاط متعلق بالأحزاب حتى لا يخالفونه الرأي.

ومع ذلك، يتفق المراقبون السياسيون على أن التجربة الديمقراطية في تونس لا تزال صامدة بعد فشل “الثورات العربية” في سوريا واليمن وليبيا ومصر، إلا أنهم يرون أن الديمقراطية الناشئة تقف أمام تحديات وصعوبات كبيرة قد تُفشلها، منها الإخفاقات الاقتصادية والاجتماعية والتجاذبات السياسية بين الأطراف الفاعلة.

وهناك أمل في إمكانية تجاوز الصعوبات الراهنة، في حال انفراج الأزمة الليبية ولو جزئيا، وقيام حملة مشروع الثورة والديمقراطية بمراجعة ونقد ذاتيين، لتستمر “الديمقراطية اليافعة” في الدفاع عن نفسها.

ويعتقد مهدي مبروك مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في تونس أنه رغم كل الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، استطاعت تونس أن ترسخ تدريجيا الانتقال الديمقراطي وينطبق على التجربة التونسية تجربة الانتقال الديمقراطي، فالبلد بصدد عبور مرحلة يسميها الخبراء “انتقالا ديمقراطيا”.

وبينما رأى مبروك في حديث مع وكالة الأناضول أن الديمقراطية تترسخ، بالمعنى الليبرالي، بالتداول السلمي على السلطة وتوسيع المشاركة السياسية، بما يضمن التعددية مع احترام حقوق الإنسان، وبينها حق التنظيم، أكد أستاذ التاريخ المعاصر بالجامعة التونسية عبداللطيف الحناشي، على خصوصية التجربة الديمقراطية التونسية في أنها “تجربة انتقال ديمقراطي ناجح إلى حد ما”.

وتبدو التجربة الديمقراطية، وفق الحناشي، ناجحة لاعتبارات منها أنها التجربة الأولى في العالم العربي التي تحققت ودامت لفترة تعتبر طويلة بالنظر إلى بقية الأحداث التي حصلت في عدة دول عربية، فبقية التجارب فشلت وكان مآلها الحروب الأهلية أو الزيغ عن الأهداف الرئيسية للحراك.

لكن التجربة الديمقراطية التونسية، التي تقارب إكمال عقدها الأول، تواجه مصاعب قد تعصف بها، فهي مصابة بعلل من شأنها أن تُضعِف أو تُربِك التجربة الديمقراطية المتعثرة، حيث أن النخب السياسية التي تشوّه الديمقراطية وتكاد تختزلها في قضية انتخابات وتداول سلمي على السلطة. ويحذّر مراقبون من أن هذا الإرباك إذا تواصل ربما ينهك المسألة الديمقراطية، أي قضية القيم.

والمتابع للمشهد السياسي يقف على أمر مهم وكأن الديمقراطية في هذه الحالة تُختزل وتفقد ما في جوهرها، أي القيم الديمقراطية من ثقافة مدنية عميقة وحق الاختلاف وهذا ينفر جمهورا واسعا، ويجعل الأمر كأننا أمام محترفين سياسيين معنيين بالديمقراطية لشأنهم الخاص.

كما أن تلك الأمور تفقد الديمقراطية حاضنتها في مناخ إقليمي مضطرب، ورأى الحناشي أن الأزمة السياسية للديمقراطية التونسية تمثلت في تجاذبات سياسية حادة داخل الأطراف الفاعلة في المجتمع السياسي وظهر ذلك بشكل كبير في البرلمان.

والآن البرلمان أكثر سوءا من المجلس التأسيسي وأعطى انطباعا سيئا على السلوك السياسي للنخبة السياسية الجديدة. وقد أدّت المصادقة على الدستور التونسي الجديد في يناير 2014، والانتقال إلى حكومة من التكنوقراط، في نواح كثيرة، إلى إعادة السياسة التونسية إلى المربع الأول وخسارة اللاعبين مكتسباتهم التي حققوها في السابق.

استقطابات وشعبوية

ماذا تغير
ماذا تغير

شهدت تونس على مدى السنوات العشر التي مضت نقاشا استقطابيّا بصورة متزايدة بشأن الدستور والتوجه السياسي للبلاد مستقبلا حيث شهدت البلاد إخفاقات سياسية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي.

ويؤكد الحناشي أن أسباب هذا الفشل الاقتصادي ليست محلية، قائلا “نحن في إقليم مضطرب، خاصة الأزمة الليبية، وتونس من المناطق التي تضررت كثيرا من هذه الأزمة على المستوى الاقتصادي، ليبيا كانت ولا زالت وستكون دائما الفضاء الحيوي للاقتصاد التونسي”.

ومنذ سنوات، يعاني البلد الغني بالنفط من صراع مسلح، كما أن وجود أطراف أخرى استغلت هذا الظرف وتمددت اقتصاديا وحالت دون وجود الرأسمال التونسي في ليبيا، فعلى الصعيد الاجتماعي، مثلا، كل العمال التونسيين في ليبيا رجعوا إلى تونس وهذا ضاعف الأزمة الاقتصادية.

عبداللطيف الحناشي: النخب السياسية تشوّه التجربة وتكاد تختزلها في أمور معينة
عبداللطيف الحناشي: النخب السياسية تشوّه التجربة وتكاد تختزلها في أمور معينة

كما أثرت المسألة الأمنية، إضافة إلى الإرهاب الذي أدى إلى انعكاسات كبيرة على الاقتصاد التونسي، فضلا عن ارتفاع أسعار النفط في السنوات الأولى للثورة إلى حدود 2016 كانت له تداعيات كبيرة على تونس، وولدت أزمات لها طابع اجتماعي، مثل الاعتصامات، سواء في الحوض المنجمي في محافظة قفصة أو الكامور في محافظة تطاوين الآن جعلت التجربة تتعثر رغم النجاحات على الصعيد السياسي.

واعتبر مبروك أن أغلب التجارب تؤكد أن الديمقراطية تتعافى كلما تحقق الرخاء الاقتصادي فالأزمات الاقتصادية الحادة في إيطاليا وإسبانيا وألمانيا يستفيد منها اليمين، الذي يتنازل عن الحقوق الإنسانية، كالتعاطف مع اللاجئين، ولذلك فإن الانتقال الديمقراطي يترسخ كلما تحقق الرخاء الاقتصادي وتحققت العدالة بين المواطنين وبين الجهات.

وثمة عدة نظريات تؤكد أن توسيع المشاركة السياسية والتداول على السلطة والقيم الإنسانية ترتبط بالرخاء الاقتصادي، فبمليون عاطل عن العمل يصعب التمسك بالديمقراطية والانتقال الديمقراطي، وفق المحلل السياسي مبروك، وهذا إخفاق كبير يجعل الغاضبين على الديمقراطيين والمتحسرين على الاستبداد عددهم يتوسع. فقد بلغت نسبة البطالة حوالي 18 في المئة خلال الثلث الثاني من هذا العام، بنحو 746.4 ألف عاطل عن العمل، وفق إحصاء نشره معهد الإحصاء الحكومي.

وفي خضم ذلك، يستفيد الخطاب الشعبوي من نظام سياسي فيه علل ومن نظام انتخابي فيه علل ومن وعود لم تفلح النخب الحاكمة في تجسيدها، كما أنه ينهك الديمقراطية، ويدفع بأطروحات أقرب إلى الفوضوية، التي تقدم نفسها كأنها حل للمعضلة الديمقراطية، وهي ليست حلاّ.

ويقول الحناشي إن النخبة السياسية التي جاءت بعد 2011 سواء في السلطة أو المعارضة، ساهمت في إعطاء رؤية سلبية للمواطن، لأنها كانت في الانتخابات تقدم منسوب وعود مرتفعا يصعب تجسيده”. وأقر بوجود نوع من الخيبة والإحباط لدى الناس وصل حد النخبة التي ساندت الثورة وآمنت بها أمام هذه الصراعات حتى بين أبناء الثورة وبروز مجموعات متطرفة من هذا الجانب وذاك.

7