هل ضمنت اتفاقية سيداو حقوق المرأة المسلمة وحمتها من التمييز

حقوق المرأة هي جزء لا يتجزأ من الحقوق الأساسية للإنسان، وهو ما يفترض ألا يُتعامل معها بشكل استثنائي، غير أن عدم التزام العديد من الدول بميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الذي يقر بأن للنساء والرجال حقوقا متساوية وبأنه لا يجوز التمييز بين أفراد المجتمع على أساس الجنس، جعل التمييز ضد المرأة مستمرا إلى يومنا هذا، وهو ما دفع العديد من المنظمات الدولية إلى المطالبة بإمضاء وتنفيذ اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة في جميع أنحاء العالم.
الأحد 2015/10/04
اتفاقية مناهضة التمييز ضد المرأة وسيلة تشريعية دولية لرفع الظلم عن النساء

لندن - تبنت الاتفاقيات والمعاهدات الدولية الدفاع على حقوق المرأة وعدم المس بها لأن في ذلك مساسا بإنسانيتها وكرامتها، خاصة في حال لا مساواتها بالرجل في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والمدنية، فقط لكونها امرأة.

هذا ما تناولته على وجه التدقيق والتفصيل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “سيداو” الهادفة إلى مكافحة اللامساواة وحرمان المرأة من أي نوع من حقوقها على أساس الجنس لا غيره من المعايير.

تاريخيا نشأت هذه الاتفاقية المناهضة للتمييز ضد النساء عام 1967، حين اعتمدت الجمعيّة العامة للأمم المتحدة إعلان القضاء على التمييز ضد المرأة وبدأت لجنة مركز المرأة في الأمم المتحدة سنة 1972 استطلاع رأي الدول الأعضاء في المنظمة حول شكل ومضمون اتفاقية دولية تعنى بحقوق المرأة لكونها إنسانا وفردا في المجتمع.

وأنهت اللجنة المكلفة بصياغة نص الاتفاقية بمركز المرأة سنة 1979 إعداد النص. وبعد ذلك تم اعتماد الاتفاقية وعرضها للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة المؤِرّخ في 18 ديسمبر 1979، ودخلت حيز التنفيذ بتاريخ 3 سبتمبر 1981.

غير أن بعض الدول لم توقع على هذه المعاهدة والبعض الآخر وقع عليها لكن بتحفظات على عدد من بنودها. هذه الاتفاقية المسبوقة باعتراف وإقرار دولي بأن المرأة تتعرض للتمييز ولا تتمتع بنفس الحقوق التي يتمتع بها مواطنوها الرجال في عدة دول في العالم، وتعتبر من منظور حقوقي نسوي بمثابة الأداة التشريعية لتحقيق العدالة بين الجنسين، وقد جاءت في شكل وثيقة دولية لضمان حقوق النساء تلزم الدول الموقعة عليها بتحقيق المساواة بين المرأة والرجل على جميع المستويات وتتكون من ديباجة و30 بندا.

وتعرف الاتفاقية مصطلح التمييز ضد المرأة بأنه “أي تفرقة أو استبعاد أو تقييد يتم على أساس الجنس ويكون من آثاره أو أغراضه النيل من الاعتراف للمرأة، على أساس تساوي الرجل والمرأة، بحقوق الإنسان والحريات الأساسية في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية أو في أي ميدان آخر، أو إبطال تمتعها بحقوقها وممارستها لها بصرف النظر عن حالتها الزوجية”.

وحتى اليوم وقعت على الاتفاقية أكثر من 180 دولة، وكانت السويد أول دولة وقعت عام 1980 وكانت أحدثها قطر في عام 2009. وتعد الولايات المتحدة الأميركية الدولة المتقدمة الوحيدة التي لم تصادق على اتفاقية السيداو إضافة إلى دول أخرى منها من لم تنضم إليها مثل إيران، والسودان، وبما أن الأخيرتين لا يوجد فيهما اعتراف بحقوق المرأة فإن عدم انضمامهما للاتفاقية ليس مستغربا ولكن عدم توقيع الولايات المتحدة يثير استغراب عديد الجهات الحقوقية، بما أن هذه الدولة تقدم نفسها للعالم على أنها راعية لحقوق الإنسان وداعمة للمساواة ولحقوق المرأة.

وتعلل الولايات المتحدة الأميركية رفضها للتوقيع على اتفاقية سيداو بأنه يوجد في الكونغرس الأميركي قاعدة ترفض فرض أي تشريعات خاصة بالأحوال الشخصية على الأميركيين، وأن ما ورد في اتفاقية مناهضة التمييز ضد المرأة يعتبر شكلا من أشكال التدخل في الشؤون الداخلية للولايات المتحدة. كما أن قضايا الأحوال الشخصية ومنها تحديد النسل شأن شخصي لا ينبغي للقوانين أن تحكمه.

أما بعض الدول العربية الإسلامية مثل المغرب وتونس ومصر ولبنان فقد صادقت على الاتفاقية مع تقديم عدد من التحفظات على بعض البنود، وعموما تشترك الدول المسلمة في معرضة بعض بنود الاتفاقية التي ترى فيها تناقضا مع الثقافة الاجتماعية ومع الشريعة الإسلامية مثل تلك التي تتعلق بالمساواة في الإرث.

وبما أن الاتفاقية لا تقف عند التوصيات والنصح بل تتجاوزها لمطالبة الدول المصادقة عليها بتكريس مفهوم المساواة بين الجنسين في تشريعاتها المحلية، وإلغاء جميع الأحكام التمييزية في قوانينها، والقيام بسن أحكام جديدة للحماية من كل أشكال التمييز ضد المرأة، فإن هذه الشروط وغيرها في تفعيل وتنفيذ بنود اتفاقية سيداو جعلت عددا من الدول العربية تتردد في المصادقة عليها وتطبيقها، ورفعت لأجل ذلك تحفظاتها على بعض موادها.

وفي قراءات قانونية لهذه الاتفاقية يبدو للدول العربية المسلمة أن هناك بنودا تتناقض أو تتعارض مع المعطيات الثابتة في هذه الدول خاصة منها ما يمس الجانب الديني والثقافة المحلية وما يمكن أن يؤثر على الهوية، ومن أبرز الانتقادات الموجهة للسيداو أنها تراعي في بنودها مقومات العولمة وتهمل كل ما يتعلق بالهوية والثقافة والخصوصية وهذا ما يخص المادة 2 التي تطرح قراءاتها إشكالية العلاقة بين الخصوصية الثقافية وبين مبادئ الاتفاقية التي تقوم أساسا على إلغاء التمييز.

تحفظات من هذا النوع جعلت جل وجهات نظر الدول المسلمة للاتفاقية متقاربة من حيث تأثير بنودها على الثقافات المحلية بكل ما تضمه من مكونات، يأتي على رأسها الدين والتاريخ والثقافة الاجتماعية بعاداتها وتقاليدها وإرثها الثقافي والاجتماعي الذي يكاد يتداخل في مفهومه لدى الغرب بالإرث المبني على العقلية الذكورية.

ومن أبرز مواضيع التحفظات على بنود الاتفاقية تلك التي رفعت ضد المادة 9 وغيرها من المواد التي تمس إما الثوابت في الشريعة الإسلامية أو قوانين الأسرة مثل الزواج وجنسية الزوجة ومنح الجنسية للإبن ومشاكل الإرث والحضانة والوصاية والولاية والقوامة وتعدد الزوجات والطلاق إلخ..

كما أن الدعوات الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة أو عن بعض الدول للمصادقة على اتفاقية السيداو تشكل طريقا لمراجعة التحفظات الصادرة ضد بعض بنودها في إطار مراعاة القضايا الراهنة، ومن بينها تمكين المرأة في جميع نواحي التنمية المستدامة وحمايتها في ظل الحروب والنزاعات التي تضر بأمان وحقوق المرأة في المقام الأول.

20