هل طريقنا يبدأ من تونس

الجمعة 2014/10/31

عقب الإطاحة بنظام زين العابدين بن علي لم يكن أحد يشكّ بأنّ الأمر يتعلق بموجة جديدة، ربّما هي الموجة الرّابعة، من موجات الديمقراطية، وأنّ أحجارا للدّومينو ستتهاوى تباعا كأوراق الخريف. لكنّ القليلين من أدركوا بأنّ الأمر يتعلق بخريف أولا، وأنّ الفاصل الزّمني بين الخريف والرّبيع لن يخلو على الأرجح من عواصف وأشتية وأعاصير، في حين أنّ مصطلح الرّبيع العربي إن دل على شيء فإنّه لا يدل على حالة قائمة بالذات وإنّما يدلّ على رهان مأمول، ولا شيء مضمون في الأفق، لكن، لابدّ من خوض الرهان بعقل مرن ومفتوح. بكل تأكيد، كانت مصر ضمن الأفق المتوقع لمتتالية أحجار الدومنو؛ وذلك جرّاء احتدام السجال حول مسألة التوريث، وبروز حركة كفاية، ثم أنّ المؤسسة العسكرية نفسها لم تكن متحمسة لشخصية نجل الرّئيس. وفي كل الأحوال بقي هناك سؤالان: أولهما، إلى أي مدى جغرافي ستمتدّ متتالية هذه الثورات الموعودة بالرّبيع؟ ثانيهما، إلى أي مدى سياسي سينجح رهان الديمقراطية داخل مجتمعات تغلب عليها غرائز الغضب والغيرة وقيم الطاعة والجماعة؟

بالنسبة للسّؤال الأوّل لم يكن المسار متوقعا، ولا كان مسارا خطيا يقبل التنبؤ، لكن، يبدو أنّ سوريا كانت الامتحان الأصعب بالنسبة لقوى المشروع الحداثي الديمقراطي. عند العتبة السورية تخلى الكثيرون عن أي رهان على هذا المسمّى بالربيع العربي. وكان هذا خطأ كبيرا.

فعلا، انقلبت الثورة السورية إلى حرب أهلية طائفية دينية تأكل اليابس والأخضر، ووجدت قوى المشروع الحداثي الديمقراطي نفسها محشورة في الزّاوية الضيقة بين جرائم نظام الأسد بحلفائه وجرائم داعش والنصرة بحلفائهما، لكن لا شيء محسوم سلفا. هذه هي القاعدة. وبالنسبة للمدى السياسي –بخصوص السؤال الثاني- فقد أوحت الاضطرابات في ليبيا واليمن بأن “الربيع العربي” قد لا يكون أكثر من فقاعة تلاشت في الفضاء تاركة خلفها مآسي إنسانية وكوارث أمنية غير مسبوقة. وأما بالنسبة لمصر فقد أوحت أرض الكنانة كأنّ منطقتنا لن تتحرّر في المدى المنظور من ثنائية الفتنة أو الاستبداد، أو بتعبير المغاربة، ثنائية السيبة والمخزن؛ فإما حريةٌ بطعم الفوضى والفتنة والتسيّب وإما أمنٌ بطعم التسلط والاستبداد والطغيان. لم يكن هناك ما يدلّ على أنّ العرب قد تجاوزوا نظرية هوبز، حيث الإنسان ذئب لأخيه الإنسان. عندما كانت جل تجارب دول “الرّبيع العربي” توحي بأنّ منطقتنا عادت إلى نقطة البداية، بل إلى الأسوأ، حيث انسداد الأفق السياسي والحروب الأهلية، كانت التجربة التونسية -منبع الثّورات- تمثل الاستثناء الوحيد. ويبقى السؤال: هل ستكون تونس هي الاستثناء الذي يكسر القاعدة؟ (القاعدة هنا بالمعنيين!). يقول الشاعر الألماني الكبير هلدرلين: من منبع الخطر ينبع المنقذ. فهل يصدق هذا القول أيضا على تونس باعتبارها منبع هذه الثورات الخطرة؟

منذ انتصار ثورة الياسمين إلى غاية انتخابات يوم 26 أكتوبر الماضي شكلت تونس نقطة الضوء الوحيدة والمتميزة. فما سر نجاح التجربة التونسية؟

ثمة خمسة مقومات على الأقل، وهي على النحو التالي:

أولا، الإرث البورقيبي الرّاسخ في أوساط المتعلمين. وهو ما شكّل سدا منيعا أمام محاولات الاختراق السلفي للشخصية التونسية، رغم كل المحاولات العنيفة واليائسة في نفس الآن.

ثانيا، المرأة التونسية المعتزة بشخصيتها الوطنية والمتمسكة بمكتسباتها الحداثية. وقد كان مشهد تلك الطالبة التونسية التي صعدت إلى سقف الجامعة لتتحدى بمفردها ذلك الإرهابي الذي استبدل علم تونس بعلم الخلافة الأسود مشهدا بالغ العمق والدلالة عن الشخصية الوطنية للمرأة التونسية.

ثالثا، الجيش التّونسي الذي تفرغ لحماية الوطن دون أن يتورط في الصراع على السلطة، ذلك الجيش الذي قرّر منذ لحظة هروب بن علي أن يتفرّغ لحماية المؤسسات الحيوية للدّولة وحدود الوطن تاركا السياسة لأهل السياسة، وبذلك ضمن حماية “الكعكة” دون أن يطالب بنصيب منها.

رابعا، الطبقة المتوسطة القوية بفعل مستوى التنمية الاجتماعية في تونس، وقوة التعليم العمومي. ومعلوم أن الطبقة الوسطى هي حامل المشروع الحداثي الديمقراطي، وتمثل الحاضن الاجتماعي للنخب، للأحزاب السياسية، ولمؤسسات المجتمع المدني.

خامسا، المجتمع المدني الذي يعدّ في تونس من أقوى المجتمعات المدنية عربيا، وقد لعب دورا رياديا إبان حكم الإسلاميين في ممارسة النّقد والمراقبة والضغط. وبذلك فإنه قام بدوره كسلطة مضادّة حالت دون تسلط الإسلاميين وتغول السلفيين.

عود على بدء، هل يبدأ طريقنا من تونس؟

أيا يكن.. ستبقى تونس هي الأفق الممكن والمطمح المرتقب، أفق قريب بالنسبة للبعض، وأفق بعيد بالنسبة للكثيرين.

6