هل غاية الإبداع الفني التسلية والترفيه

العمل الفني يحتفظ بحضوره رغم مرور القرون، لأنه لا يخاطب ذكاءنا فقط بل يحمل في طياته حياة ملغزة.
الخميس 2020/11/26
هنري ماتيس صرح أنّ لوحاته ينبغي أن تزيل الغم

قبل بضعة أسابيع، دعا رئيس الحكومة التونسية رجال الثقافة إلى الترويح عن نفوس عامّة الناس للتخفيف عمّا يعانونه من كورونا وجرائرها. وقد أثار تصريحه ذاك موجة من السخرية، لأن الثقافة في مجملها ليست وسيلة للتسلية وتزجية الوقت، بل هي عامل توعية وتثقيف قبل كل شيء. ولكن ألا ينتظر المتلقي من الإنتاج الثقافي، فنّا ومسرحا ورواية وسينما، ما يسليه وينسيه همومه؟ ألا يجد في ذلك فسحة للهروب من معيش مثقل بالمشاكل؟ أم أن الثقافة برمّتها جدّ لا يقبل الهزل؟

عادة ما تستعمل الثقافة خرجا يوضع فيه كل شيء، خاصة لدى غير العارفين الذين لا يميزون التقاليد الموروثة من الأعمال المبتكرة، ولا فنون الرسم من الكتابة الإبداعية، يستوي عندهم المبدع والمتعلم، والروائي والمدرّس الأكاديمي.

 ولا نعتقد أن المقصود برجال الثقافة في حديث الوزير هم المفكرون والباحثون والدارسون والمؤرخون والنقاد.. وإنما رجال الفن تحديدا، أي أولئك الذين يمارسون الخلق والابتكار، ويعرضون إنتاجهم على الناس. والسؤال هل غايتهم من ذلك التوعية أم الترفيه؟

مع التسلية وضدها

منذ عصر الأنوار طُرحت مسألة دور الفنان المبدع في المجتمع، رساما كان أو مسرحيا أو أديبا، وذهبوا في تأولّها مذاهب شتى.

في “الأفكار” يخلع بليز باسكال على الترفيه معنى تراجيديا، إذ يرى فيه كيفية يتعامى عبرها الإنسان عن حقيقة وضعه، لأن التسلية في نظره هروب مردُّه إلى بؤس الوضع الاجتماعي والإنساني بعامة.

فالإنسان يعلم أنه فانٍ وتلك حقيقة ينوء بحملها ويتألم منها ولو سرًّا، ما يجعله يميل إلى كل ما ينسيه تناهيه، وفَناءَه المحتوم، لأن الفن يلهيه عن التأمل في وضعه من خلال ألوان وأشكال تخلب نظره وتسحر لبّه، وتلك المتعة، على وجازة مدّتها فهي عارضة عابرة، ترغمه على استعادتها مرارا وتكرارا دون أن يتخلص من فزعه الوجودي.

الفن لا يمكن حصره في الترفيه، لأن الترفيه غالبا ما يستخدم لوصف الأنشطة التي لا هدف من ورائها غير الإمتاع

 أما جان جاك روسّو فكان يدين الفنانين الذين يعدّلون أعمالهم على أهواء الشعب دون الاهتمام بحقيقة المشاعر، فلا يتوانون، للحصول على الإعجاب، في تعويد الناس على الذوق الرديء، وبدل أن يطوروا الآداب العامّة والأخلاق، يعملون على إفسادها.

ولكن بعض المبدعين يعارضون هذا الرأي، فشاتو بريان مثلا كان يوصف بالساحر الذي يفتن قراءه، ومن البديهي أن “المسحور” يكون معلقا بين الحقيقة والخيال، بين اليقظة والمنام، ولا يكون له من الوعي ما يؤهله لإدراك الواقع الذي يعيش فيه.

كذلك ماتيس حين صرح بأن لوحاته ينبغي أن تزيل الغم عن الفكر المجهَد للإنسان المعاصر. وألكسندر دوما الذي اعترف بأنه كتب رواية “الفرسان الثلاثة” لمجرد التسلية، وكان حتى في أواخر عمره يجد لذة في قراءتها بروح من ينأى عن الجدّ وينشد الهزل.

كما نجد بعض المفكرين مثل إيمانويل كانْت، قد منح في تقسيمه للفنون الجميلة مكانة لفنون الترفيه التي تزين اليومي وتجعله أمتع للبصر، فالمتعة في رأيه لها علاقة وثيقة بالفن.

 وقد يكون الفنان سابقا لعصره، يصوغ عملا صياغة لم يسبقه إليها أحد، فيوجه ذائقة الجمهور، ويسمو به إلى ما هو روحانيّ بدل التكيّف مع رغائبه، وهو ما قام به بعض الفنانين الطلائعيين في بداية القرن الماضي، مثل الروسي فاسيلي كادينسكي حين أبدع لوحة تجريدية عام 1913، إذ كان لا يبحث عن الترويح عن الناس، لأنه يشعر أن له مهمة أسمى من حيازة إعجابهم هي إيناس المتلقي بمقاربات فنية حديثة، فالتسلية والترفيه وإحداث المتعة عنده ليست غاية المبدع. والذي يكتفي بتلك الغاية، قد يسيء إلى المتلقي بشكل أو بآخر، وهو ما نبّه إليه روسّو في رسالته إلى دالمبير حول عروض الفرجة، حين أكدّ أن المسرح يُخرج الأهواء التي ليست فينا، ويثير ما هي كامنة بداخلنا. “فالفنان، حين يرغب في إثارة الأعجاب، غالبا ما يُذكي نوازعنا السيئة”. ويخلص روسو إلى أن الترفيه مفسدة.

الالتزام في الفن

المبدعون منقسمون إلى اليوم بين من يتبنى التسلية ومن يرفضها
المبدعون منقسمون إلى اليوم بين من يتبنى التسلية ومن يرفضها

في الطرف المقابل، يعتقد دعاة الالتزام أن للفنان دورا تجاه المجتمع، فواجب الفنان في رأي جان بول سارتر مثلا هو أن يقترح على المتلقي صورة عن مجتمعه وواقعه، حتى يساهم في تنمية وعي أفراد المجتمع بوضعهم وملامح بيئتهم المتنوعة، باعتباره إسفنجة تتضمخ بمحيطها، لأن الفن في المخيال الجمعي متصل بالعبقرية، وبصورة مبدع منفرد ينجز ابتكارات ويتوصل إلى اكتشافات.

ومن ثَمّ، لا يمكن حصر الفن في الترفيه، لأن الترفيه غالبا ما يستخدم لوصف الأنشطة التي لا هدف من ورائها غير إمتاع الناس وتسليتهم بشتى الوسائل، كما هو الشأن مع عروض السيرك، ومسرحيات الـ”وان مان شو”، والمنوعات التلفزيونية، والأفلام الكوميدية، وكلها تهدف إلى خلق أجواء تساعد الناس على الهروب من واقع بائس أو كئيب أو مرهق.

أما أدورنو وهوركهايمر، مؤسسا مدرسة فرنكفورت، فقد أكّدا أن الثقافة الجماهيرية والتذوق البرجوازي للفن قد يسيئان إلى رسالة الفنان، حين يفقد وسائل الصمود أمام شروط الترفيه التي يفرضها مجتمع الاستهلاك، وكانا قد لاحظا في منفاهما الأميركي كيف تحولت الثقافة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية إلى صناعة، تبحث عن الرواج بأي وسيلة، شأن كل بضاعة. فيما كان برتولد بريخت يسعى عبر أعماله المتعددة إلى إيقاظ وعي المتلقي المأخوذ بالوهم المسرحي، لأن دفع الإنسان إلى التفكير في مكانة الفن داخل المجتمع هو المهمة الحقيقة للفنان.

 ولكن الفنان الذي يستغل عمله لتوجيه رسالة ما، ألا يحيد عن غايته الأولى، أي الابتكار، فيخون جوهر الفن؟ وإذا لم تكن له من مهمة غير الترفيه عن الناس بلا غاية أو مطمح، فما الذي يميزه عندئذ عن المهرجين الذي يجهدون في محاولة انتزاع البسمة بأي وسيلة؟

معادلة لا يزال أهل الفن أنفسهم حتى يوم الناس هذا منقسمين حولها، مختلفين بشأنها. وكل إناء بما فيه يرشح. قد نروّح عن أنفسنا بقراءة قصة أو رواية أو قصيد، دون أن يعني ذلك أن صاحبها قصد الترويح عنا. أي أن الغاية المضمرة قد تتحقق عن طريق المتلقي نفسه.

وأيا ما يكن موقفنا من الفن وغاياته، فالأصيل هو الباقي، أم المتهافت فيذهب جُفاء. فالعمل الفني الحق، كما يقول أندري مالرو، هو ما يظل محتفظًا بحضور ما برغم مرور القرون، لأنه لا يخاطب ذكاءنا فقط بل يحمل في طياته حياة ملغزة. ماتت مونا ليزا، وما زالت الجوكوندا تذهلنا. وقضى رواة ‘ألف ليلة وليلة’ نحبهم، وما زالت شهرزاد حاضرة في ذاكرتنا على مرّ الأجيال.

14