هل غيرت الكويت موقفها نهائيا من الإخوان؟

تحركات الإخوان المسلمين في الكويت موصولة بمشروع إسلاموي عالمي بقيادة تركية.
الثلاثاء 2019/07/16
إخوان الداخل في خدمة التنظيم الدولي

جاء تسليم الخلية الإخوانية المصرية من قبل دولة الكويت لسلطات القاهرة ليمثّل نقلة مهمة في تعامل الجانب الكويتي مع ملف الإسلام السياسي، فالكويت كانت إلى وقت قريب ملاذا آمنا لجماعة الإخوان، ومصدر تمويل سخي للحركات التابعة للجماعة في مختلف الدول العربية وغيرها.

لعل خير تعبير عن أن الكويت طالما مثلت الملاذ الآمن للعناصر الإخوانية، ما ورد في ملف الخلية المصرية في الكويت، من أن زعيمها أبوبكر الفيومي كان يتصل بعناصر الجماعة في مصر، ليقول لهم بالحرف الواحد “الكويت ملاذ آمن لو عاوزين تيجو”، وهو بذلك ينطلق من تجربته الخاصة وتجربة العشرات من أمثاله ممن كانوا يعيشون على الأراضي الكويتية، حيث يجمعون التبرعات ويعقدون الاجتماعات ويجعلون منها منطلقا لتحركاتهم في دول عدة وخاصة قطر وتركيا.

وكان رجال جهاز أمن الدولة بالكويت قد حققوا مع عناصر الخلية البالغ عددهم 8 أشخاص، تبين أن خمسة منهم دخلوا البلاد عام 2013، والثلاثة الآخرين دخلوا في 2017 بعد خروجهم من مصر بطريقة غير شرعية، وبأسماء وهمية عقب صدور أحكام قضائية ضدهم في مصر.

ووفق أغلب المحللين فإن تعامل الكويت مع الإخوان بعد الكشف عن ملف الخلية المصرية سيختلف عما كان قبلها، خصوصا وأن الموضوع يطرح مسائل مهمة منها كيفية تخفي عناصر الجماعة داخل البلاد، وعلاقتها بالجمعيات الخيرية، وبجماعة الإخوان المحلية، وارتباطاتها بالخارج انطلاقا من بلد الإقامة، وأساليب الحركة والتجمع والتمويل والاتصال بالعناصر الإخوانية وخلاياها النائمة في دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، وكذلك دور إخوان الكويت ليس فقط في تأمين نظرائهم القادمين من دول أخرى، وإنما في دعم وتمويل الحركات الإخوانية في دول أخرى مثل سوريا واليمن وتونس وليبيا ولبنان وموريتانيا.

وقد تحدثت صحيفة “القبس” الكويتية أمس الأحد عن تفجير مفاجأة من العيار الثقيل بالكشف عن أن بعض عناصر الخلية يعملون في جمعيات خيرية وإقاماتهم عليها، وجار استدعاء هذه الجهات لمعرفة مدى علمهم بانتماء المتهمين من عدمه، مشيرة إلى أنهم اعترفوا بأن لهم صلة بمنفذي عملية اغتيال النائب العام المصري السابق هشام بركات، حسب القبس الكويتية، وأن مجلس الوزراء سيستعرض في اجتماعه المقبل تقريرا مفصلا من وزارة الداخلية حول تفاصيل الخلية التي ألقي القبض عليها بناء على طلب الإنتربول المصري.

بعد الكشف عن الخلية الإرهابية الإخوانية، يجب على إخوان الكويت بالتحديد، أن يحددوا موقفهم تجاهها بشكل واضح وبلا لبس

ولفتت الصحيفة على لسان مصادر لم تسمها إلى أن الحكومة تتحرك حاليا على أكثر من محور فيما يتعلق بالملف الأمني، حيث تقدم كل الدعم للجهات الأمنية في البلاد لضبط الأوضاع وحماية الكويت من أي خلايا نائمة أو عناصر مشبوهة، فضلا عن استباق الجرائم قبل وقوعها، وضبط كل من له صلة بالمشبوهين أو المتهمين، مشيرة إلى أن الحكومة شددت على أن كل التيارات تحت الرصد ولا تهاون مع أي تحركات تضر بأمن البلاد.

وكانت الداخلية الكويتية ذكرت أن أعضاء تلك الخلية قاموا بالهرب والتواري عن السلطات الأمنية المصرية، متخذين الكويت مقرا لهم، حيث رصدت الجهات المختصة في وزارة الداخلية مؤشرات قادت إلى الكشف عن الخلية.

وأضافت أنه من خلال التحريات تمكنت الجهات المختصة من تحديد مواقع أفراد الخلية وباشرت عملية أمنية استباقية، جرى بموجبها ضبطهم في أماكن متفرقة، وبعد إجراء التحقيقات الأولية معهم أقروا بقيامهم بعمليات إرهابية وإخلالهم بالأمن في أماكن مختلفة داخل الأراضي المصرية.

وأوضحت الوزارة أن التحقيقات لا تزال جارية للكشف عمن ساعدهم في التواري وساهم بالتستر عليهم والتوصل إلى كل من تعاون معهم، وحذرت من أنها لن تتهاون مع كل من يثبت تعاونه أو ارتباطه مع هذه الخلية أو مع أي خلايا أو تنظيمات إرهابية تحاول الإخلال بالأمن، وأنها ستضرب بيدٍ من حديد كل من تسول له نفسه المساس بأمن الكويت.

وكان لافتا أن الداخلية الكويتية ذكرت أن “خلية إرهابية تتبع تنظيم الإخوان المسلمين، صدرت بحقها أحكام قضائية من قبل القضاء المصري وصلت إلى 15 عاما”، معتبرة ذلك إنجازا جديدا للقيادة الأمنية، مؤكدة أنها بالمرصاد لكل من تسوّل له نفسه المساس باستقرار الكويت.

تنسيق كويتي مصري لتضييق الخناق على الجماعة
تنسيق كويتي مصري لتضييق الخناق على الجماعة

فالإشارة إلى أن الخلية التي تم ضبطها تنتمي إلى جماعة الإخوان تمثل رسالة واضحة المعالم من سلطات بلد لم يعرف عنه الحزم والحسم في علاقاته بالجماعة التي كانت تتمدد في المجتمع بقوة المال والنفوذ والإعلام وشبكة المصالح والجمعيات الخيرية كثيرة العدد.

وأبرزت صحيفة “الرأي” أن “أعضاء الخلية الثمانية تم ضبطهم وتم تسليمهم إلى مصر على دفعتين بناء على طلب السلطات هناك”، وأوضحت أن العملية الاستباقية التي نفّذتها أجهزة وزارة الداخلية لاقت ترحيبا محليا وخارجيا واسعا، فيما أكدت الوزارة أنها تحقق لمعرفة “من مكّن أعضاء الخلية من التواري وساهم بالتستّر عليهم، والتوصل لكل من تعاون معهم”.

ووفق صحيفة الرأي، فإن “بداية الخيط في القضية كانت بورود معلومات أمنية من السلطات المصرية تتعلق بوجود المطلوبين في الكويت وطلب تسلّمهم، وأهمهم أبوبكر عاطف السيد الفيومي”، مبينة أن “جهاز أمن الدولة، الذي كُلّف بمتابعة الملف، عمل خلال فترة غير قصيرة على إجراء تحرياته وتحقيقاته ومراقبة المطلوبين ورصد تحركاتهم قبل ضبطهم”، كما أن “المضبوطين الثمانية يقيمون في الكويت منذ سنوات طويلة، وأن أسماءهم وردت خلال تحقيقات السلطات المصرية مع عناصر متورّطة في عمليات إرهابية قبل سنوات، حيث اعترفوا بوجود شركاء لهم في الجماعة وتجمعهم ارتباطات سياسية وتنظيمية ومالية، ووردت أسماء أعضاء خلية الكويت في الاعترافات، وأدخل هؤلاء إلى سجل الاتهام في القضايا التي نظرتها المحاكم المصرية وصولا إلى صدور الأحكام عليهم، وهذا ما يفسر دخولهم القضية رغم وجودهم في الكويت منذ سنوات وعدم دخولهم مصر أيضا منذ سنوات”.

وقالت الصحيفة إن “الأحكام الصادرة بحق أعضاء الخلية تتراوح ما بين 5 إلى 15 عاما في قضايا الاعتداءات الإرهابية، ومشاركتهم في أعمال الشغب عقب فض اعتصامي النهضة ورابعة العدوية، في محافظات مصرية عدة”، مردفة أن “التحقيقات والتحريات التي أجرتها السلطات الأمنية في الكويت، كشفت أن أعضاء خلية جماعة الإخوان المسلمين المصرية المضبوطين هم جزء من المنظومة الكبيرة التي يتم رصدها منذ نحو ثلاث سنوات، وتبين عقد خلية الكويت الإخوانية لاجتماعات عدة في تركيا وفي قطر، فضلا عن اجتماعاتهم في الكويت”.

جماعة الإخوان فوجئت بالموقف الكويتي الذي يعتبر تحولا في بلد لم يعرف بحسمه للعلاقة مع الإسلام السياسي

وقال المحلل السياسي الكويتي وأستاذ التاريخ، سلطان الأصقه، إن الكويت بلد آمن وملاذ لكل الأحرار، لكنه شدد على أن الكويت ليست تركيا وليست مثل أي دولة أخرى شقيقة تقوم بإيواء الإرهابيين والمارقين. وأضاف أن الكويت لديها قوانين واضحة، ولديها علاقات تعتز بها مع مصر وغيرها.

وأوضح الأصقه أن هناك اتفاقيات أمنية بين مصر والكويت تحتم مثل الإجراء الذي صدر بالقبض على الخلية الإخوانية، متابعا أن هذا الموقف جديد من دولة الكويت نحو الإخوان المسلمين، لكنه اعتبر أن الظروف لم تعد تحتمل المواقف والإجراءات الضبابية.

وقال إنه بعد الكشف عن الخلية الإرهابية الإخوانية، يجب على إخوان الكويت بالتحديد، أن يحددوا موقفهم تجاهها بشكل واضح وبلا لبس.

ويبدو أن جماعة الإخوان المسلمين قد فوجئت بالموقف الكويتي الذي يعتبره المراقبون تحولا مهما في سياسات بلد لم يعرف عنه حسمه في العلاقة مع الإسلام السياسي، لذلك حاولت تهدئة الموقف بالقول إنه “لم يثبت عليها يوما أي مساس بأمن الكويت أو استقرارها”، وبالتأكيد على أنها “فوجئت ببيان وزارة الداخلية الكويتية يتحدث عن إلقاء القبض على عدد من المواطنين المصريين العاملين هناك واصفا إياهم بأنهم يشكلون خلية إرهابية من الإخوان المسلمين”. كما زعم الجماعة أن “الأفراد المقبوض عليهم هم مواطنون مصريون دخلوا دولة الكويت وعملوا بها وفق الإجراءات القانونية المتبعة والمنظمة لإقامة الوافدين بالكويت، ولم يثبت على أي منهم أي مخالفة لقوانين البلاد أو المساس بأمنها واستقرارها”.

Thumbnail

ونوهت الجماعة إلى أنها “تدرك يقينا مكانة دولة الكويت المعروفة عبر تاريخها بمواقفها وتعاملها الموضوعي والعادل مع كل من يقيم على أرضها، ويثمنون دائمًا مواقفها المشرفة حيال أحداث المنطقة ومناصرتها الدائمة لقضاياها العادلة، والترفع عن المشاركة في أي سياسات مُجحفة بحقوق الشعوب، والتزام قيم العدل والإنصاف وحماية الحقوق، مما جعلها تحتل مكانة مرموقة بين الدول وأكسبها احترام الشعوب”.

لكن بيان الجماعة يكذبه الواقع الكويتي، حيث يعتبر عدد من الباحثين والمحللين الكويتيين أن ارتباط الجماعة في بلادهم بالخارج وبالتنظيم الدولي للإخوان، جعلها وفق تقارير إعلامية تضغط على وزارة الداخلية من أجل التراجع عن قرارها تسليم الخلية المصرية إلى القاهرة، نظرا للارتباط العميق بين الجناح الكويتي والجماعة الأم في مصر.

وهذا ما يتفق مع تفسير الكاتب الصحافي الكويتي أحمد الجارالله الذي ورد فيه إن “حركة الإخوان المسلمين عندنا ليست حركة وطنية مستقلة، ولا حركة دينية خالصة، بل هي حركة سياسية تابعة تعمل على الالتزام بمواقف خارجية ليس من الضروري أن تتطابق مصالحها (المواقف) مع المصالح الوطنية الكويتية.

وهذا الباب يفتح أبوابا أخرى على أهداف الحركة في الكويت، والتي يمكن اعتبارها أنها أهداف موصولة بمشروع إسلاموي عالمي يسعى إلى الحكم والسيطرة على المجتمع وإقصاء كل المعارضين لهذا المشروع بصرف النظر عن انتمائهم الديني”.

إن ضبط وتسليم أعضاء الخلية الإخوانية لمصر، يعتبران تحولا مهما وحاسما في موقف دولة الكويت من الجماعة، ربما تجاوبا مع التحولات الإقليمية والدولية إزاء الإسلام السياسي، وربما أيضا نتيجة محاولات التغول التي يقودها إخوان الداخل والتي حققت جانبا من أهدافها في التمكين والسيطرة.

12