هل فشل صائد الذباب الأميركي

السبت 2015/09/26

لم تبد الولايات المتحدة الأميركية امتعاضا كبيرا وانزعاجا وهي تراقب القوات الروسية تبدأ بالوصول إلى سوريا، إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط تحديدا، ولم ترفع واشنطن عصاها الغليظة التي تلوح بها عادة في مثل هذه الحالات، لكنها اكتفت ببعض التصريحات الخجولة وبدا كأنها تستسلم للأمر الواقع، وغير قادرة على مواجهته.

وإذا كان الرئيس الأميركي باراك أوباما قد رسم في ما مضى مجموعة من الخطوط الحمراء التي لا يسمح بتجاوزها وخاصة في ما يتعلق بالموضوع السوري، وأشهر تلك الخطوط كان تأكيده على أنه لن يسمح باستخدام الأسلحة الكيميائية من قبل قوات النظام، وقد سمح وراقب وسكت، إلا أنه هذه المرة اكتفى بأن هز رأسه وانصرف يلملم أوراقه لمراجعة ما تبقى من عهدة ولايته الثانية والتي لم يستطع خلالها أن ينجز أيا من المشاريع التي وعد بتنفيذها، بل حتى إن إخراج القوات الأميركية من العراق الذي نفذه خلال ولايته الأولى ويريد أوباما أن يتعامل معه كنصر تم تحقيقه، لم يلبث هو الآخر أن باء بالفشل وقد بدأت القوات الأميركية تعود، شيئا فشيئا، إلى العراق، وإن من باب ضيّق وبأعداد أقل، هذه المرة لطرد الإرهاب الداعشي الذي كانت سياسة واشنطن الإقصائية والعبثية التي اتبعتها في العراق أبرز المسببين في ظهوره واستفحاله.

ولن يكون مستغربا والحالة هذه أن يجد البيت الأبيض نفسه مضطرا إلى الإبقاء على أعداد أكبر من الجنود في أفغانستان أيضا كي لا تفلت الأمور المنفلتة أصلا، وتعود أميركا إلى نقطة الصفر.

بطبيعة الحال لا يمكن التعامل مع الولايات المتحدة الأميركية وهي تملك ما تملك من مراكز الأبحاث والمستشارين والجواسيس على أنها لا تدري ما الذي تفعله، وتصوير تصرفات الرئيس الأميركي وكأنها عبث أو تخبط، لكن كذلك لا يمكن الركون إلى مسلمة أن كل ما يجري هو بتدبير واتفاق بين موسكو وواشنطن.

فالحقيقة أن تراجع الدور الأميركي في المنطقة وانحسار قدرة واشنطن على الحسم، وتسرب الملفات من بين أيديها واحدا بعد الآخر، كل هذا جعل الروس يغتنمون الفرصة للانقضاض على المنطقة التي ينظرون إليها باعتبارها نقطة حيوية جدا بالنسبة إليهم، وهي قادرة على تقريبهم أكثر وأكثر من المنطقة التي أخرجوا منها سلميا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي الذي كان يعقد الصداقات والتحالفات مع بعض دولها، وإذ يتناسب هذا الامتداد الروسي مع رغبة الرئيس فلاديمير بوتين في الثأر لفشله في أوكرانيا بسبب ما أطلق عليه وقتها المؤامرة الأوروبية الأميركية ضد بلاده، فإنه بلا أدنى شك يرى الوقت سانحا الآن لرد الصاع صاعين.

فسوريا وفق كل المعطيات باتت ساحة مفتوحة لتصفية الصراعات، وخرجت من معادلة الحل وإن بشكل مؤقت، بل إن تصريحات أوروبية وأميركية تحديدا تميل إلى إرجاء الحل الذي كان متفقا عليه ويقضي برحيل الأسد عن السلطة أولا، فقد رأى وزير الخارجية الأميركية جون كيري أن الأسد يمكنه أن ينتظر لبعض الوقت، وهي المرة الأولى التي تتخلى فيها واشنطن عن هذا الشرط الأساسي كمقدمة لإنهاء النزيف السوري، ولن يكون مستغربا لاحقا أن تتفق موسكو وواشنطن على آليات جديدة لحل سياسي قد يتضمن الأسد، وإن لفترة مؤقتة تمكن الروس بالمقابل من أن يقولوا بأنهم لم يخرجوا خاسرين، ولم يرضخوا للشرط الأميركي. مع العلم أن موسكو نفسها قد أبدت في مرات سابقة عدم تمسكها بالأسد، وقد لوحت للدول الغربية بتلك الورقة إبان فترة القطيعة غير المعلنة بين الجانبين.

وسط هذه المعمعة من الاحتمالات وفشل الولايات المتحدة في إدارة معاركها الصغيرة والكبيرة، وأشهرها معركتها ضد تنظيم داعش في العراق وفي سوريا، يتصدر توقيع الاتفاق النووي مع إيران أي تصريح يصدر عن إدارة أوباما، ويتم التسويق له على أنه الحدث الأهم الذي حققه رئيس بدأ عهده بالرئاسة بقتل ذبابة صغيرة في البيت الأبيض، وفشل بعدها في اصطياد الذباب الكبير.

كاتب سوري

8