هل فطم فيسبوك وتويتر الجماهير عن إدمان كرة القدم

تتحول مواقع التواصل الاجتماعي يوما بعد يوم إلى قوة جماهيرية هائلة، إذ باتت قادرة على تحييد قنوات تلفزيونية وبرامج حوارية لطالما حظيت بمشاهدات عالية. ومؤخرا بدأ الاهتمام بكرة القدم وأنشطة رياضية أخرى بالانحسار في عدة دول عربية، وانصب الاهتمام في المقابل على فيسبوك وتويتر ويوتيوب وإنستغرام.
الثلاثاء 2016/02/09
ما فائدة الكرة لو اختفى الجمهور

كانت أصوات الجماهير الصاخبة تعلو بالأهازيج المخصصة لكل فريق أثناء احتدام مباريات الدوري المصري، قبل أن تتحول مدرجات ملاعب كرة القدم إلى أماكن مهجورة.

وقبل احتجاجات يناير 2011 التي أسقطت نظام الرئيس حسني مبارك كان الإعلان عن مباراة بين فريقي الأهلي والزمالك، الخصمين اللدودين، كفيلا بإسراع الملايين من جماهير الفريقين إلى المنازل والمقاهي والحد من الزحام الشديد الذي بات أحد ملامح القاهرة الرئيسية.

لكن منذ ذلك الحين أدت اشتباكات متلاحقة راح ضحيتها قرابة مئة شخص في ملاعب كرة القدم إلى قرار إقامة المباريات من دون جمهور، وخفت معها تدريجيا شغف المصريين بأخبار كرة القدم المحلية.

وساهم الاهتمام المتصاعد بالأحداث السياسية في المنطقة العربية على نطاق واسع في تعزيز شعبية مواقع التواصل الاجتماعي التي وفرت لعشاق كرة القدم القدرة على متابعة مسابقات دولية محتدمة.

لكن خبراء قالوا إن نسب المشاهدة الأعلى على مواقع التواصل الاجتماعي تتمحور حول أخبار كرة القدم وكل ما يرتبط بها من معلومات عن الفرق والبطولات والنجوم ولقطات أهداف المباريات سواء المحلية أو الأوروبية أو الدولية. ويعني هذا أن مواقع التواصل الاجتماعي نقلت شغف مشجعي الكرة من الملاعب إلى العالم الافتراضي.

وقال بركات عبدالعزيز المتخصص في شؤون الإعلام لـ”العرب” إن مواقع التواصل الاجتماعي “ساهمت في زيادة الاهتمام والتفاعل مع الرياضة ونجومها، لكن الفارق الوحيد أن التشجيع الرياضي انتقل من الملاعب والمقاهي إلى الإنترنت، فبعد أن كان التفاعل حول المباراة بين عشرات الآلاف من المشجعين في الملعب الرياضي أو بين رواد المقاهي، أصبح بين الملايين على مواقع الإنترنت”.

ويستشهد عبدالعزيز بحجم كبير من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي قبل وبعد أي مباراة هامة قد تحدث صخبا كبيرا بين الجماهير.

وأبعد الانتقال إلى مواقع التواصل الاجتماعي الأنظار عن المدرجات. ووصل الأمر إلى تعاقد بعض الفرق في دول خليجية مع مشجعين من المقيمين الأجانب لشغل مساحة من المدرجات.

بركات عبدالعزيز: مواقع التواصل ساهمت في زيادة الاهتمام والتفاعل مع الرياضة ونجومها، لكن الفارق الوحيد أن التشجيع الرياضي انتقل من الملاعب إلى الإنترنت

وتحول غياب الجماهير عن الملاعب إلى نقاش واسع النطاق في وسائل الإعلام السعودية، في حين تواصل مصر إقامة مباريات الدوري من دون جمهور استجابة لمطالب أجهزة الأمن.

وقال صفوت العالم أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة لـ”العرب” إن الشباب في دول عربية عدة “وجد في وسائل التواصل الاجتماعي عالما قادرا على احتواء شغفه وغضبه، في الوقت الذي طردتهم فيه الملاعب. حتى الاهتمام الجماهيري بقضية لاعب ما، ومؤازرته كان له صدى أكبر عندما تم تدشين الحملة لصالحه على تلك المواقع”.

وكان العالم يشير إلى قضية محمد أبوتريكة لاعب النادي الأهلي السابق الذي حجزت السلطات المصرية على أمواله بعد اتهامه بالتورط في تمويل أنشطة تابعة لجماعة الإخوان المسلمين المحظورة في مصر.

وتحولت مواقع كتويتر وفيسبوك إلى مساحات شاسعة لتظاهر الملايين المتعاطفين المصريين والعرب مع أبوتريكة، وهو أمر لم يكن ممكن الحدوث في الفضاء الواقعي.

وقال العالم “احتلال مواقع التواصل الاجتماعي لمساحة كبيرة في حياة الشباب في العالم العربي أدى إلى تراجع اهتمامهم بالرياضة وكرة القدم بشكل خاص، بعدما أفسحت أمامهم مجالات جديدة للاهتمام”.

التشفير والثورة

ساهم في فتح هذه المجالات أيضا موجة عاتية من تشفير القنوات الرياضية وإجبار متابعيها على تسديد اشتراك شهري ظل مرتفعا بالنسبة لأغلب الأسر العربية.

وحدث ذلك في وقت تشهد فيه المواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي التي تغطي أخبارا وتعرض لقطات مصورة من مباريات تلك البطولات نسب مشاهدة مرتفعة، تعدت ملايين المشاهدات يوميا.

وقالت دراسات إن ارتفاع نسب مشاهدة المباريات ومقاطع منها على الإنترنت هو نوع من الرفض الجماهيري لتحول كرة القدم إلى سلعة تجارية بواسطة قنوات متخصصة تحقق أرباحا طائلة.

وفي بادئ الأمر هيمنت مجموعة قنوات “art” المملوكة لرجل الأعمال السعودي صالح كامل على البطولات العالمية. وتحولت السيطرة على الفضاء الرياضي العربي لاحقا إلى قنوات الجزيرة المملوكة لقطر. وتحول اسمها لاحقا إلى “بي إن سبورت”.

وعاقبت الجماهير العربية قنوات رياضية لاتباعها نهج التشفير الذي اتسع نطاقه كثيرا، وظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي صفحات تقدم تغطيات تفصيلية للمباريات. وتطور هذا لاحقا إلى قيام صفحات أخرى بعرض لقطات فيديو تقدم ملخصات لتلك المباريات وهو ما جذب المزيد من جماهير كرة القدم.

الأولتراس قضت على رغبة الجماهير المصرية في العودة إلى المدرجات

ولجأ العديد من الجماهير لإنشاء شبكات واسعة لكبلات يتم من خلالها مشاركة المباريات مقابل دفع اشتراك شهري، في ما بات يعرف في مصر بـ”الوصلة”. وزاد ذلك لاحقا من حدة النقاشات على مواقع التواصل الاجتماعي التي عكست متابعة دقيقة لقواعد واسعة من الجماهير.

وفي المقابل أخذت متابعة قنوات إخبارية وأخرى تعرض برامج حوارية وتناقش الأوضاع السياسية في المنطقة في الانحسار شيئا فشيئا.

ويقول إكرام بدر الدين أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة لـ”العرب” إن “الأحداث التي شهدها العالم العربي وما نتج عنها من انتشار حالة الإحباط واليأس نتج عنه ازدياد الاهتمام بالرياضة والغناء وغيرها كمتنفس من الواقع النفسي المؤلم الذي يعيشه العالم العربي، مثلما أن بعض الأنظمة السياسية قبل مرحلة الثورات اهتمت بالرياضة وركزت عليها لصرف انتباه الشباب عن العمل بالسياسة”.

وأكد أن كرة القدم ما زالت تحتل أولوية كبرى لدى المشاهد العربي ولم تتأثر سلبا بالأحداث السياسية أو بأزمات بعض الدول العربية، كما ضرب مثلا بالعراق، قائلا “على الرغم مما يعيشه هذا البلد من صراع دموي بين الدولة والتنظيمات الإرهابية، أو بين التنظيمات نفسها، فإن النشاط الرياضي ومباريات كرة القدم مستمرة بشكل طبيعي وبحضور الجماهير”.

لكن متخصصين في متابعة الأنشطة الرياضية قالوا إن انصراف الناس عن التوافد إلى الملاعب هو انعكاس لأحداث العنف الدموية التي هيمنت على المنطقة منذ اندلاع ثورات الربيع العربي عام 2011، وأكدوا أن حالات العنف والموت في الملاعب حدثت عندما أصبحت بعض المجتمعات بلا ضابط، فتلاشت الجماعية أمام صعود الفردية، وانزوت الأخلاق الرياضية التي كانت تعلي قيمة المنافسة الشريفة.

ويقول مصطفى علوي أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة إن الأزمات السياسية الطاحنة في دول عربية أدت إلى تغيرات اجتماعية واسعة وأثرت على توجهات الرأي العام. واستشهد علوي بالأحداث الدموية التي شهدتها الملاعب المصرية خلال الأعوام الخمسة الماضية.

إكرام بدر: رغم ما يعيشه العراق من صراع دموي فإن مباريات كرة القدم مستمرة بشكل طبيعي وبحضور الجماهير

وقتل نحو 73 شخصا من جماهير النادي الأهلي القاهري في ملعب مدينة بورسعيد شرق القاهرة خلال مباراة أقيمت مطلع فبراير 2012 بين الأهلي وفريق المصري المحلي. وفي بادئ الأمر قالت السلطات إن حالات الوفاة نتجت عن تدافع الجماهير بعدما اندلع شجار بين أنصار الفريقين.

وبعد تصاعد احتجاجات شعبية على المجزرة، قدمت الحكومة لاحقا مشجعين قالت إنهم متورطون في الحادث. وحكم على 21 من بينهم بالإعدام.

لكن العواقب كانت قاسية على جماهير كرة القدم في مصر، إذ قررت الحكومة المصرية إلغاء بطولة الدوري المحلي، وتوقفت البرامج الرياضية عن البث كما دخلت الأندية المصرية في أزمة مالية طاحنة.

وفي العام التالي عادت بطولة الدوري مرة أخرى لكن من دون السماح للجمهور بحضور المباريات. ونتيجة للضغط الإعلامي سمحت السلطات في ديسمبر 2014 بعودة الجماهير بأعداد أقل وبعد الخضوع لإجراءات أمنية مشددة.

لكن بعد أقل من شهرين، قتل 22 شابا من مشجعي نادي الزمالك في ملعب الدفاع الجوي في القاهرة خلال تدافع لحضور مباراة مع فريق إنبي.

أقوى من السياسة

ويعتقد عاملون في الحقل الرياضي أنه رغم العراقيل التي تواجهها مازالت الرياضة تهيمن على اهتمامات الجماهير. ويقول كثيرون إن تراجع الاهتمام بالقضايا السياسية فاق كثيرا العزوف عن متابعة الرياضة.

وقال عصام عبدالمنعم رئيس اتحاد كرة القدم المصري السابق لـ”العرب” إن إقامة المباريات دون جماهير “لم تؤثر سلبا على نسب مشاهدات مباريات الدوري والكأس المصري، وإن تشجيع الأفراد للفرق الرياضية يفوق في أغلب الأحيان انتماءاتهم السياسية”.

ونفى عبدالمنعم وجود علاقة بين الأحداث السياسية في دول عربية تعاني اضطرابات وتراجع الاهتمام بكرة القدم.

الجماهير العربية عاقبت قنوات رياضية لاتباعها نهج التشفير الذي اتسع نطاقه كثيرا، وظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي صفحات تقدم تغطيات تفصيلية للمباريات

وقال “الذي لا يستطيع متابعة وتشجيع ناديه في الملعب نظرا لإقامة المباريات دون جمهور بسبب شغب روابط الأولتراس، غالبا ما يتابع مبارياته على شاشات التفزيون أو على موقع يوتيوب أو من خلال مواقع التواصل الاجتماعي التي يتبارى مستخدموها في بث مقاطع فيديو للمباراة”.

والأولتراس هي مجموعات من المشجعين المتعصبين، شاركت في احتجاجات عام 2011 ضد نظام الرئيس حسني مبارك، لكنها تورطت لاحقا في أعمال عنف واشتباكات مع قوات الأمن، وأدت تلك الاشتباكات إلى تراجع شعبيتها بشكل كبير.

ورغم ارتفاع نسب المتابعة الشعبية لكرة القدم في مصر، لا يزال حضور المباريات مقتصرا على روابط الأولتراس التي تحمل عداء لأجهزة الأمن. وحول ذلك مباريات الأندية والمنتخب الوطني إلى قنبلة قابلة للانفجار. وتقول وسائل إعلام محلية إن جماعة الإخوان المسلمين المصنفة في مصر على أنها تنظيم إرهابي سعت إلى التعاون مع قادة الأولتراس كي تشكل ضغطا على الحكومة المصرية.

ودفعت ممارسات الأولتراس المتابعين لكرة القدم إلى المطالبة بإقامة المباريات دون السماح بحضور الجماهير، وأثر ذلك سلبا على صناعة الإعلام الرياضي، وتكبدت الأندية خسائر فادحة.

ويقول عبدالمنعم إن إقامة المباريات من دون جماهير “عادت بالضرر على الأندية الرياضية لا على الرياضة، من حيث الخسائر المادية الضخمة، وفقدانها لأهم مواردها المالية التي تنفق منها على النشاط الرياضي وشراء اللاعبين بعد انصراف الشركات الراعية لكرة القدم عنها”.

13