هل فكر الحريري مرتين قبل الحوار مع حزب الله

الاثنين 2014/12/08
تجارب الحوار السابقة مع حزب الله أقامت الدليل على أنه لا يبحث عن الوطن

لا أحد يعلم في ظل أي معطيات يتحمس الرئيس سعد الحريري للذهاب إلى الحوار مع "حزب الله"، بعد الثوابت الأربعة التي حددها الرئيس بري لدى الحزب وتتلخص في : "المقاومة ضد العدو حتى تحرير الأرض، سلاح المقاومة، المحكمة الدولية، والقتال في سوريا".

هذه النقاط التي كانت في الأساس مصدر إشكالية كبرى في السنوات الأخيرة بين الحزب والقوى المعارضة له ، وهي مصدر الخلافات الجوهرية حول بعض نقاطها المتمثلة في سلاح الحزب، وقتاله في سوريا الذي دفع لبنان إلى الدخول في عمق الحدث السوري وتحمل أعباء الأثمان الباهظة التي يدفعها جيشه وقواه الأمنية .

وبعد استبعاد الرئيس السنيورة من قائمة الجالسين على طاولة الحوار الخالية "أجندتهم" من أي شروط، وقد رسا التمثيل بين نادر الحريري مستشار الرئيس سعد الحريري، ومعاون الأمين العام لحزب الله الحاج حسين الخليل .

مما يعني أن تيار المستقبل يشهد خلافات غير مسبوقة، أو على الأقل لم تبرز سابقا إلى العلانية بين الجناح الذي يمثله وزير الداخلية نهاد المشنوق ونادر الحريري، وآخر يمثله الرئيس فؤاد السنــيورة عدو "حزب الــله" الأول.

وعلى الرغم من الكراهية المتبادلة بين الحزب والسنيورة فقد فضل سعد الحريري السير في موكب الداعين إلى الحوار، و(هو في الحقيقة مطلب شعبي ووطني، إنما ضمن النقاط التي تحمي مصالح الوطن بكامله)، راسما لنفسه صورة مغايرة لتلك التي عرفه بها معظم اللبنانيين. وهي صورة رجل الدولة "القائد وليس الزعيم"، كما يكتب أحد الذين سال لعابهم أمام شعار الحوار، ولا ندري ماذا يعني هذا التوصيف، وهل يضير الرئيس سعد الحريري أن يكون قائدا وزعيما في نفس الوقت ، أم أن حملات الترويج الإعلامية التي يشرف عليها دعاة الحوار من أجل الحوار، تأتي ضمن سياق ترسيخ مفاهيم جديدة لشخصية رئيس الحكومة المستقبلي .

يقول أحد قياديي المكتب السياسي لتيار المستقبل والأمانة العامة لقوى 14 آذار :

"الرئيس سعد الحريري ليس زعيما تقليديا أو بالمعنى التقليدي من الذين يطلقون موقفا حتى يسمع التصفيق، أو من الذين يقفون على مشاريع عواطف الناس فقط، بل هو رجل دولة ينظر إلى ما يجب أن يفعله من أجل مصلحة لبنان وكل اللبنانيين في مواجهة العاصفة".

ولا بد من التساؤل هنا، ماهي قيمة أي قائد لا يخاطب عواطف شعبه وقلبه وينال التصفيق، وسط الشعارات التي يرفعها أصحاب مقولة الحوار، بأن الحريري لا يبحث عن قرارات شعبية، إنما يهمه مشروع الدولة.

لا يعني هذا الكلام سوى التأكيد على أننا أمام "مستقبل" آخر بقيادة سعد الحريري .

وحين رفع الرئيس الشهيد رفيق الحريري شعار الدولة، وكانت الأوضاع السياسية أقل حدة مما هي عليه الآن، كان يعلم بأنه سيواجه في الداخل خصوما ليسوا أقل شراسة عن النظام السوري الذي هيمن على البلاد وقياداتها.

وما قدمه الرئيس الشهيد من دعم سياسي عربي ودولي، وحماية للمقاومة وسلاحها في ذلك الوقت، يفوق ما تقدمه إيران والنظام السوري من سلاح للحزب، لاستخدامه في حماية مصالحهما في المنطقة وداخل سوريا، فيما مضى غامر الرئيس سعد الحريري بالاجتماع ببشار الأسد تحت ضغوط إقليمية معينة وكانت النتيجة أن حلفاء النظام السوري في لبنان أقالوا حكومته في "مسرحية ديمقراطية" هزيلة، وهم أنفسهم اليوم يحاولون الجلوس معه على طاولة فارغة من أي شروط.

أما سؤال الرئيس السنيورة "هل فكر الحريري مرتين"، قبل انطلاقه في قيادة سرب "حمائم المستقبل" بمسيرة الحوار.

من المؤكد أنه فعل ذلك، وربما فكر أكثر من مرتين، فالخيارات تكاد تكون صفرا في الخروج من مأزق الفراغ الرئاسي، وسوف يجد الطرفان نفسيهما أمام عقبة أخرى تتمثل في حلفائهما المسيحيين.

المشكلة ليست في أن يجلس السني والشيعي على طاولة واحدة. إنما تكمن في نظرة "حزب الله" إلى مفهوم الدولة. وهو الذي يقيم شبه دولته ضمن إطار المربعات الأمنية، وحضور الدولة فيها لا يتعدى المشاركة ببعض الإجراءات الأمنية، التي تخضع بدورها لمراقبة "حزب الله" وإشرافه .

في لبنان ثمة من يعتقد، بأن المشكلة ليست في ردم الهوة بين السنة والشيعة، أو بين الطوائف جميعها.

المشكلة أن لكل طرف وجهة نظره الخاصة تجاه النظام السياسي القائم بحد ذاته، ودستوره المتمثل في اتفاق الطائف، وهذا ما لا يستطيع أن يقرره "حزب الله" و "تيار المستقبل" بمفردهما .

ووسط هذه الفوضى التي تعم لبنان والمنطقة، منذرة بأشهر مقبلة من التحولات والحروب التي ستكون أكثر ضراوة مما شهدناه في السنوات الثلاث الماضية، هل سيتمكن قائد تيار "المستقبل" من فتح ثقب ما في جدار "حزب الله" الصلب، والخروج برئيس يتعايش مع الواقع المرير الذي سيولد في الأشهر القادمة.

تجارب الحوار السابقة، وعلى مستوى الدولة أثبتت أنه لا يمكن الوثوق في الحزب وتوقيعاته، وها هو يعود الآن بعد تصفية أحد العناصر الأمنية المحتجزة على يد "جبهة النصرة"، إلى نغمته القديمة بتوجيه الاتهامات إلى "عملاء الداخل" الذين يدعمون الإرهاب. وكأنه يبحث عن سيناريو آخر في عرسال، وتكرار عملية طرابلس ضمن مخططه بالدعوة إلى الحسم العسكري في قضية الجنود المحتجزين .

إذا كان الرئيس الحريري قد فكر أكثر من مرتين قبل قراره بالحوار، عليه أن يفكر للمرة الأخيرة في جدوى هذا القرار.

6