هل قتل لوركا لأنه مثلي جنسيا؟

الأحد 2013/12/22
أسئلة بعد 77 عاما على مصرع شاعر أسبانيا الأشهر لوركا

مدريد – تربّينا شعريا على أنّ لوركا واحد من أفراد العائلة. أبدا لم يكن شاعرا غريبا عنا، أتت به الترجماتُ من وراء البحار. لوركا كان، ومنذ مطالع الخمسينات العربية وحتى هذه اللحظة، شاعرا من داخل القبيلة. شاعر أثّر ويؤثر في شعرنا وشعرائنا، كما لم يفعل ـ ربما ـ شاعر آخر في العالم.

وأنا، حين أتذكّر الآن تلك الفترة، أشعر بنوع من الاستغراب وحتى الدهشة. فقد كنا نحن متأدّبي ذلك الزمن الغابر « السبعينات» نتسابق، لا على قراءته فقط، بل على إدخال اسمه الجميل في متن قصائدنا وبعضٍ من ألق قصيدته العالية.

وهكذا مضت السنون وانطوت، وانطوت معها صفحات شعراءٍ كُثر، عربا وأجانب، إلا لوركا. لم تنطوِ صفحته بعد، ولا أظنها ستنطوي. فما زال سيلُ ترجماته عربياً يتوالى. وآخر خبر هنا هو انتهاء الشاعر والمترجم والرحالة التونسي خالد النجار «كما أخبرني بذلك أثناء زيارته لغزة، وأثناء لقائي به بعد سنة ونصف في برشلونة» انتهاؤه من ترجمة لوركا كاملاً عن الفرنسية. والتحضير لنشر هذه الترجمة، التي أمضى خالد عمره كله في العمل عليها.

لوركا إذن حاضر. وقد شاءت الصدف، أن آتي برشلونة، وأتردّد ـ بحكم عملي- على مبنى النخبة الأرستقراطي- الثقافي في المدينة: «مبنى الأتينيو 6 شارع كانودا». المبنى الذي لطالما تردّد عليه لوركا ودالي وكبارُ مثقفي عصرهم، أثناء زيارتهم للمدينة في تلك السنوات البعيدة: ثلاثينات القرن المنصرم.

وقد جاء ذكره بيني وبين السيدة “كارما نوغيرا «الناقدة الأدبية ومترجمة إمبرتو إيكو للكتلانية، ورئيسة نادي القلم الدولي بكتالونيا» فتحدثتُ عن اغتياله بأيدي عصابات فرانكو أو حزب الكتائب «الفلانخ»، لمكانته وتأثير شعره الهائل، فاستغربت السيدة كلامي. وقالت بإصرار وصرامة من انتهى من حقيقةٍ أصبحت في أرشيف التاريخ:

ـ كلا. لوركا لم يٌقتل بسبب الشعر، بل لأنه مثليّ جنسيّا!

وأنا بدوري لم أُدهش من هذا الكلام، الذي أسمعه لأول مرة، بل صُدمت بالمعنى الكامل للكلمة.

قلت لها مستنكراً:

ـ لماذا تصرّين على كسر الأيقونة؟

قالت: ما قلته لك حقيقة تاريخية يعرفها جميع المعنيين في أسبانيا. لوركا كان مثلياً جنسياً، ولم يكن يتكتّم وضعه. وكل المحيطين به كانوا يعرفون عنه هذا، في ذلك الوقت «المحافظ». وقد قتلته قوات اليمين الكاثوليكي المتعصب، المتحالفة مع الجنرال فرانكو، لهذا السبب، ولهذا السبب فقط. فلم يكن يعنيها من قريبٍ أو بعيد أنه شاعر.

أجل ـ قالت ـ لم يُقتل لوركا لأنه شاعر وشاعر عظيم «فقتلَتُهُ لا يقرأون» بل لأنه مثليّ جنسيّا.

شكوك بأن عائلة لوركا تقف وراء عملية القتل

بعدها سألت واستفسرت من عدة مهتمين، فأكدّ كثير منهم كلام كارما، وامتنع البعض الآخر عن الجزم بأمر، طالما لم يقل القضاءُ الأسباني كلمته الفاصلة بعد. غير أنّ بعضهم أيضاً قال إن اليمين الديني المتزمت قتل المئات وربما الألوف من المثليين الجنسيين في تلك الفترة المظلمة من تاريخهم «الحرب الأهلية الأسبانية التي اندلعت شرارتُها الأولى في أواخر يونيو من العام 36» ولم يكن لوركا نشازاً.

والآن، ما هي حقيقة مقتل لوركا؟ وما الدوافعُ التي وقفت خلفها؟ وهل كانت سياسية؟ وكيف نتلمّسها بعيداً عن القول الشفهيّ والرأي التخميني؟

لقد أمضيت حوالي 14 شهراً، أسأل وأستقصي، بلا جدوى. ولم يكن أمامي في الأخير سوى اللجوء للكتب، علّها تزيل بعض الملابسات والالتباسات. وفي الحقيقة، فقد فوجئت بضآلة ما وجدت، فهل يُعقل أن يُقتل أعظم شاعر أسباني في القرن العشرين، ولا تجد بعد 77 سنة من وفاته الغامضة غير ثلاثة كتب كُرّست لهذا الموضوع؟ ثلاثة!

الأول صدر بالإسبانية في برشلونة في العام 1975، لمؤلفه الباحث والمؤرخ «خوسيه بيلا سان خوان» بعنوان « مصرع لوركا: كل الحقيقة»، وقد استرشد به مترجمُ لوركا الدكتور محمود علي مكي في تقديمه للجزء الأول من الأعمال الكاملة الصادرة عن هيئة الكتاب. وبالرجوع إلى الكتاب، نلاحظ أنّ الباحث الأسباني اشتغل على التقصي والجهد الفردي مدى سنتيْن، من خلال مراجعة الأرشيف الصحافي لتلك الحقبة.

لم يقتل لوركا بأي دافع سياسي. وعليه فإن الجنرال فرانكو، وحزب الفلانخ «المتهمان الرئيسيان» بريئان من دمه..

كذلك جمَع شهادات وأقوال من عاصروا القصة، مركّزاً بالأخصّ على دقائق وتفاصيل الإثني عشر يوماً الأخيرة، التي أمضاها الشاعرُ في ربوع بلده غرناطة، عائداً من مدريد يوم 8 أغسطس، قبل أن يُقتل فجرَ العشرين من الشهر عينه. ثم قارنَ الباحثُ الشفهيَّ بالمكتوب، ليصل إلى خلاصتيْن:

*الأولى: لم يُقتل لوركا بأي دافعٍ سياسيّ. وعليه فإنّ الجنرال فرانكو، وحزبَ الفلانخ «المتهمان الرئيسيان» بريئان من دمه.. ذلك أن لوركا ما كان يسارياً ولا شيوعياً «كما أُشيع» بل ولا حتى مهتماً بالنضال السياسي. فأي مصلحة لأية قوة أن تقتله؟

الثانية: اتهام الباحث لأهل غرناطة تعميماً بالوقوف وراء القتل بدافع البغضاء وربما الحقد والحسد، دون أي تحديد أو أية إثباتات مكتوبة «وثائق، مستمسكات إلخ .. ». ومع أنه اتهام تعميمي، تنقصه الأدلة، إلا أنّ أغلب الغرناطيين – للعجب- يذهبون باتجاهه.

الكتاب الثاني صدر عام 2008 عن «إيبرساف» بالاشتراك بين «ميغيل كاباييرو» و «بيلار غونغورا»، تحت عنوان « الحقيقة حول مصرع غارثيا لوركا: تاريخ عائلة». وهو عبارة عن تحقيق كثيف وموسّع، في تاريخ عائلة لوركا وعلاقتها مع عائلات غرناطة الأخرى، وخاصة تاريخ أبيه تاجر الأراضي الثري، الذي اغتنى بسرعة لافتة، لدهائه وشطارته في شراء الأراضي وبيعها، فغدا واحداً من أغنياء المدينة الجبلية المنعزلة. ما أثار عليه حقد عائلته نفسها وغيرتها، إضافة إلى بعض العائلات الإقطاعية العريقة في غرناطة.

وفي التفاصيل، أن وثائق جديدة أظهرت جدية الشكوك التي كانت تحوم حول عائلة لوركا، بوصفها من يقف وراء عملية القتل، انتقاماً من أبيه غارثيا رودريغث، وذلك بالتواطؤ بين حمولات فالديروبيو وفوينتي فاكيروس من جانب، ومن الجانب الآخر قبائل رولدان وأَلبا.

في المقابل، ثمة كتاب شهير صدرت طبعته الأولى عن دار «أغيلار» في مدريد عام 1979 للباحث الأسباني من أصل إيرلندي «إيان جيبسون» بعنوان: «جريمة قتل غارثيا لوركا»، ينفي ويفنّد فيه كل « المزاعم» السابقة، والتي مازالت رائجة حتى اللحظة حول مثليّة لوركا وعدم اهتمامه بالسياسة، هو الابن المرفّه لعائلة ثرية.

ويؤكد جيبسون ببعض الوثائق والمستندات أن لوركا كان مسيّساً وصاحب مواقف مشهودة بل إنه كان أقرب للاشتراكية وأقرب لليسار وله غير بيان وغير خطبة تنمّان بجلاء عن التزام في الشعر وفي الحياة.

فأين هي الحقيقة؟

ومن نصدّق في «عرس الدم» هذا؟

للأسف، ما من حقيقة في المدى القريب، طالما أن « الحقيقة التاريخية» ضائعة بين الضفتيْن. وكل ضفة منهما تزعم صواب رأيها واجتهادها. لذا سيبقى ابن قرية فوينتي فاكيروس، المقتول عن 38 عاماً فقط، مقتولاً، ومقتولٌ سرّه معه. فلا أحد في عموم المملكة، لا سابقاً ولا حاضراً، يعرف الكلمة الفصل بهذا الشأن.

رحم الله الشاعر الأندلسي، سواء غدرهُ هذا الطرفُ أو ذاك. فقد خسرت اللغة الكستيانية برحيله، واحداً من أصفى شعرائها وأخصبهم على مرّ العصور.

16