هل قدر تونس ألا ترى العالم إلا بعين واحدة مستقبلا

الاعتراف بالنتائج واحترام ما أفرزته صناديق الاقتراع، ليس بالضرورة الدفع إلى إلجام أفواه المنتقدين باجترار أسطوانة الشرعية واحترام إرادة الناخب.
الأربعاء 2019/10/09
أغلق الملف

طوت تونس صفحة الانتخابات التشريعية وبات قدرها الآن في الخمس سنوات القادمة ألّا ترى العالم إلا بعين واحدة، بعدما فقأت أصابع متشددة هرولت إلى صناديق الاقتراع عينها الأخرى التي ترى البلاد حرة مدنية لا دولة دينية.

أغلق الملف وحُسمت الأمور على ضوء ما أفرزته نتائج الانتخابات التشريعية التي منحت الإسلاميين مجددا أغلبية منقوصة ومنحت أيضا فرصة للتيار السلفي (ائتلاف الكرامة + قائمة الرحمة) أن يعود من بوابة رفع شعار “الثورة”.

إن الاعتراف بالنتائج واحترام ما أفرزته صناديق الاقتراع، ليس بالضرورة الدفع إلى إلجام أفواه المنتقدين باجترار أسطوانة الشرعية واحترام إرادة الناخب، فلا يوجد أي اختيار عصيّ عن النقد وغير قابل للتمحيص وللنقاش حتى وإن كان من ورائه الشعب التونسي برمته وليس جزءا منه فقط.

ما حصل في تونس، على وقع الانتخابات، يبقى مدعاة لنقاشات فكرية وسوسيولوجية طويلة، فالغريب في نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة يكمن في كون أن أغلب التونسيين ظلوا طيلة ثماني سنوات (فترة حكم حركة النهضة) يرفعون شعارات سياسية تكاد تكون أقرب إلى اليسار، لكن مفارقتهم حدثت ودخلت حيز التطبيق لحظة التصويت، عبر إعادة غالبية الناخبين منح الثقة لا فقط في حركة النهضة بل أيضا في وجوه كثيرة منحدرة من التيار السلفي.

تكمن أولى الاستنتاجات والدروس التي وجب على الحداثيين والتقدميين استيعابها قبل أي طرف آخر، في أن النسب المقدّمة من الهيئة العليا المستقلة للانتخابات تؤكّد أن أربعة تونسيين من عشرة شاركوا في التصويت وأن ثلاث نساء فقط من عشرة ناخبين ذهبوا إلى مكاتب الاقتراع لأداء واجب الاقتراع، إذن من صوّت للإسلاميين؟ ولماذا غابت المرأة عن استحقاقها الهام ولماذا لن يكون مستقبلا حضور المرأة في البرلمان الجديد ممثلا سوى بنسبة 10 بالمئة من مجموع 217 نائبا.

إن احترام إرادة الصندوق والناخب، ليس معناه أنك أمام نصب مقدّس لا يمكن الخوض فيه، فعملية الاقتراع في حد ذاتها هي عمل بشري قابل للوضع تحت المجهر والبحث بعمق في دواعي توجهات الناخب، وعليه فإن كل الإحصاءات المرافقة للانتخابات تثبت أن جلّ الأصابع التي غُمست في الحبر الأزرق مصوتة للإسلاميين بمختلف توجهاتهم، هي من فئة الشيوخ والعجائز الذين “يخافون الله” أو أنهم من الشباب الذي تربى وكبر بعد ثورة يناير 2011 تحت أصوات أبواق الخيمات الدعوية، مع فارق وحيد يكمن في أنهم الآن يريدون التسويق لأنفسهم بأنهم أصحاب الثورة وأنه حان وقت استرجاعها، لكن استرجاعها مِن مَن؟ هل من حركة النهضة التي هندست كل خيارات البلاد خلال قرابة عقد كامل؟

لن نرمي بحجر الخسارة والتخوف من المجهول فقط على عاتق التيار الإسلامي الذي سيقود البلاد أكثر من خطوة إلى الوراء أولا، بنكران منجزات المجتمع والدولة المدنية وثانيا، بالتراجع عن كل مكتسبات المرأة، فالحداثيون واليساريون بدورهم هم أكثر من ساهم في فسح وتسهيل طريق البرلمان إلى نواب جدد -منهم دعاة وأئمة عرفوا بتشدد مواقفهم- إما عبر رفع شعارات مغلوطة حول المرأة والمجتمع والدولة المدنية وإما لإسهابهم في تمزيق بعضهم البعض طيلة خمس سنوات تلت انتخابات عام 2014.

ويطرح السؤال، هنا تحديدا لدى تفصيل نتائج الانتخابات لماذا لم تشارك المرأة لهندسة مستقبل تونس سوى بنسبة لم تتجاوز 35 بالمئة من مجموع الناخبين، فأين تبخرت قرابة المليون امرأة، واللاّتي صوّتن للرئيس الراحل الباجي قائد السبسي في رئاسيات 2014؟ ولماذا تركن مصير تونس بأياد ستدفع بالبلاد وتجرها مجدّدا إلى مربع ومنزلقات الأسلمة والأدلجة الدينية؟

إن هذا السؤال يحتمل أكثر من إجابة وأكثر من شرح، فالمرأة التونسية التي أُوهمت مؤخرا بأنها نالت الحرية والمساواة بصفة نهائية لا رجعة فيها، خيّرت البقاء للتفرج على مسرح الانتخابات من فوق الربوة لأنها لم تجد طيلة الخمس سنوات الماضية نفسها فاعلة ضمن دوائر القرار السياسي مثل الرجل، كما أن بعض النساء من الكادحات لم يجدن أبسط أدوات العيش والحضارة خاصة في الأرياف والمناطق المهمشة.

المثقفات الداعيات بشراسة إلى الحريات هن بدورهن خيّرن الاعتكاف وعدم منح أصواتهن لما يسمى بالعائلة السياسية التقدّمية بعدما أيقنّ أنهن قد وقعن في فخ “قانون المساواة في الميراث” وخُدعن أكثر من مرة باستعمالهن كوقود معارك انتخابية، ليكون شعارهن الأحد الماضي “من كان شريكا للنهضة من الحداثيين في إسقاط قانون الميراث لن ينال ثقتنا”.. فتُرك مصير البلاد رهين خيارات أصابع ذكورية فقأت عين تونس الجميلة.

7